تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حزب الدعوة يشهد إنشقاقاً كبيراً يهدّد مستقبله السياسيّ

يعاني حزب الدعوة الإسلامية من شرخ كبير في الايدئولوجية الحزبية وسلوك العمل السياسي لقياداتها، انعكاساً للاستقطابات السياسية في المشهد السياسي الشيعي، ويهدد هذا مستقبل الحزب ككيان سياسي واحد.
Supporters of Iraqi Prime Minister Nuri al-Maliki hold his portrait outside al-Dawa party's headquarters as they celebrate his return to Baghdad, 05 January 2008. Maliki arrived home today a week after flying to Britain for medical tests, saying in a newspaper interview he was determined to bring about reconciliation in the deeply divided country.  AFP PHOTO / AHMAD AL-RUBAYE (Photo credit should read AHMAD AL-RUBAYE/AFP/Getty Images)

ليست الخلافات السياسيّة والإنشقاقات الحزبيّة جديدة على حزب الدعوة الإسلاميّة، وهو الطرف الرئيسيّ في الائتلاف الحاكم في العراق منذ عام 2005 حتّى الآن، ولكن ما يشهده الحزب من خلافات جذريّة وصراعات حادّة منذ رئاسة وزراء حيدر العبادي تعدّ غير مسبوقة، من حيث عكسها لصراعات شيعيّة – شيعيّة على المستويين العراقيّ والإقليميّ.

لقد تأسّس حزب الدعوة الإسلاميّة في خمسينيّات القرن الماضي في العراق، من قبل رجال دين وجامعيّين شباب ذات نزعة دينيّة سياسيّة لمحاربة الشيوعيّة وتأسيس الحكم الإسلاميّ. وكانت الإيديولوجيّة الأساسيّة للحزب متأثّرة ومستوحاة في شكل كبير من جماعة الإخوان المسلمين. كما كان الجيل الأوّل من مؤسّسي الحزب على علاقة مباشرة مع الحزب الإسلاميّ الّذي كان يعتبر الفرع العراقيّ لجماعة الإخوان. وهناك أيضا صلات تربط حزب الدّعوة بحزب التّحرير المتأثّر بدوره بالإخوان. وقد وثّق السيّد طالب الرفاعي من مؤسّسي حزب الدعوة، هذه الصلات والعلاقات في حواراته مع رشيد الخيون في كتاب بعنوان "أمالي السيّد طالب الرفاعي".

وحكمت الطبيعة الجدليّة بين رجال الدين والجامعيّين في الحزب، ظهور خلافات حادّة بين حين وآخر. وبنتيجة ذلك، شهد الحزب انقسامات عدّة خلال سنوات معارضته للأنظمة اليساريّة والقوميّة المتوالية في العراق. واستمرّت الإنقسامات في إيران وسوريا بعد هروب كوادره إليهما، إثر ضغوط نظام البعث عليهم. كما أنّ وصولهم إلى السلطة في العراق بعد عام 2003 ضمن مجلس الحكم، ثمّ تسلّمهم رئاسة الحكومة لم يوقف سلسلة الإنشقاقات فيه. ورغم شدّة الخلافات وكثرة الانشقاقات في حزب الدعوة خلال عقود حضوره في المشهد السياسيّ الشيعيّ، لم يخرج كلّ فروع الحزب من مخيّم الإسلام السياسيّ الداعي إلى نظام حكم دينيّ بأشكاله المختلفة. ولذلك، وأيضاً بحكم البراغماتيّة القويّة لدى كوادر الحزب، لم تتردّد الفروع المنشقّة عن العمل معاً في حال وجود مصلحة حزبيّة عالية لذلك. ويعدّ هذا أحد أسباب نجاح حزب الدعوة في التمّسك بالحكم في العراق منذ عام 2005 حتّى الآن،، ولكن هذه الخصوصيّة لم تزل قائمة، إذ هناك معالم عن نشوب صراع وخلاف كبير بين قياداته حول الإيديولوجيّة والسلوك السياسيّ للحزب.

وجاءت رئاسة وزراء حيدر العبادي في أيلول/سبتمبر من العام الماضي، بعد مخاض عصيب في المشهد السياسيّ العراقيّ، حيث كان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي يصرّ على ترشيح نفسه، لكنّ الأطراف السياسيّة الأخرى، وأيضاً قسماً من قيادات حزب الدعوة، لم تكن موافقة على ترشيح المالكي. واضطرّ أخيراً الجناح المخالف للمالكي في حزب الدعوة إلى أن يبحث عن طريقة للتخلّص من المالكي الّذي أصبح عبئاً عليه، بسبب رفضه من قبل معظم التيّارات السياسيّة آنذاك. وقام هؤلاء بتقديم استفسار للسيّد السيستاني حول الأزمة السياسيّة في اختيار رئيس الوزراء، مطالبين فيها رأيه الحاسم بالخلاف الجاري بين الطبقة السياسيّة الشيعيّة.

وجاء ردّ السيستاني في 25 حزيران/يونيو كالتّالي: "إنّني أرى ضرورة الإسراع في اختيار رئيس جديد للوزراء يحظى بقبول وطنيّ واسع ويتمكّن من العمل سويّة مع القيادات السياسيّة لبقيّة المكوّنات لإنقاذ البلد من مخاطر الإرهاب والحرب الطائفيّة والتّقسيم".

وقد فهم الجميع من عبارة السيستاني أنّه معارض للمالكي ويودّ من حزب الدعوة - بوصفها الكتلة الأكبر ضمن التحالف الوطنيّ الفائز بالإنتخابات - أن تقدّم مرشّحاً آخر تتّفق عليه الكتل الأخرى.

وفي هذا السّياق، صعد العبادي بدعم غير مباشر من السيستاني. وفور وصوله إلى رئاسة الوزراء، استقبله السيستاني في مكتبه بالنجف في 20 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2014، في حين أنّ السيستاني كان قد امتنع سابقاً من اللّقاء بالمالكي لمدّة أكثر من ثلاث سنوات، احتجاجاً على سوء إدارته في الحكم.

وقد سارت تطوّرات الأحداث في العام الأخير، بحيث أصبحت المشاجرات بين العبادي والمالكي واضحة وصريحة، ما تنبّأ عن وجود إنشقاق كبير بين قيادات حزب الدعوة. فقد اتّهم العبادي المالكي في آذار/مارس الماضي بأنّه قد تلاعب بدماء العراقيّين، في إشارة له إلى الخسائر الّتي شهدها العراق في فترة زعامة المالكي.

وفي التّصريحات الأخيرة، شنّ العبادي عشيّة عودته من نيويورك في الثالث من تشرين الأوّل/أكتوبر هجمة كبيرة على المالكي، محمّلاً إيّاه مسؤوليّة فقدان مليارات الدولارات من أموال العراق إبان حكمه. وقد وصفه بـ"قائد الضرورة" الّذي أهدر أموال العراق وثرواته عبر هبات وعطاءات خلال المواسم الإنتخابيّة.

والجدير بالذكر أنّ وصف قائد الضرورة هو عنوان معروف للديكتاتور العراقيّ الراحل صدّام حسين. وبعد تحذيرات وجّهها المالكي إلى العبادي، قام مكتب الأخير بإصدار توضيح في 7 تشرين الأول/أكتوبر بأنّ المقصود بعنوان "قائد الضرورة" في كلام العبادي كان صدّام وليس المالكي، ولكن كان تصريح العبادي واضحاً جدّاً في استهدافه للمالكي، حيث فسّر جناح المالكي توضيح العبادي بأنّه اعتذار مما قاله، وليس توضيحاً لما قاله.

ويشاهد المتابع خلال العام الأوّل من رئاسة العبادي للحكومة العراقيّة تناغماً بين وجهات النّظر وتقارباً في الآراء والتّصريحات بين العبادي والسيستاني. ومن الجهة الأخرى، هناك تقارب واضح وصريح بين المالكي والقيادات الإيرانيّة، خصوصاً في العام الأخير الّذي شهد تصادماً في الآراء بين العبادي والمالكي. وينبئ هذا بانشقاق واسع ضمن حزب الدعوة في استقطاب حادّ بين مخيّمين يوالي أحدهما السيستاني، والثاني يوالي ولي الفقيه الإيرانيّ.

وفي ظلّ انقسام كهذا، من المستبعد جدّاً استمرار حياة الحزب في شكل كيان واحد، بل لا بدّ من الطرفين أن يحسما أمرهما تدريجيّاً ليكونا كيانيين سياسيّين مختلفين، فهما يعيشان الآن حياة مشتركة بحكم الواقع، بعيدة تماماً عن كيان سياسيّ متماسك في إيديولوجّيته وسلوكه السياسيّ.

More from Ali Mamouri

Recommended Articles