تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ما قام به روحاني لمحاربة الفساد

بذلت حكومة روحاني جهودًا كبيرة لمحاربة الفساد المتفشّي في إيران، وعلى الرّغم من التحسّن البطيء، ستفسح إزالة العقوبات المجال أمام مزيد من الجهود.
RTX1SX2N.jpg

على مرّ العقد المنصرم، كثر الحديث في إيران عن محاربة الفساد الإداري والمالي، لكنّ الفساد لم ينحسر، وبدلاً من ذلك، استمرّت هذه الظاهرة بغزو الاقتصاد الإيراني. فشلت حتّى الآن الاجتماعات الرفيعة المستوى بإحداث أيّ تحسّن ملموس، بما في ذلك الجلسات العاديّة التي يحضرها رؤساء سلطات الحكومة الثلاث. وفي مؤشّر مدركات الفساد الصّادر عن منظّمة الشفافيّة الدّوليّة للعام 2014، جرى تصنيف إيران في المرتبة 136 من بين 175 بلدًا. وبذلك يكون قد طرأ تحسّن بسيط مقارنة بالعام 2013، عندما حلّت إيران في المرتبة 144 من بين 177 بلدًا، لكنّ هذه المرتبة تبقى غير مقبولة بالنّسبة إلى دولة تسعى إلى جذب مئات مليارات الدولارات عبر الاستثمارات الأجنبيّة.

لا شكّ في أنّ حكومة الرئيس حسن روحاني جدّيّة بشأن محاربة الفساد، حتّى إنّ روحاني أفاد في كانون الأوّل/ديسمبر 2014 بأنّ محاربة الفساد يجب أن يشعر بها النّاس. يسود أيضًا رأي في الحكومة بأنّ الحملة الصّادقة لمحاربة الفساد عليها أن تشمل إصلاحات سياسيّة وهيكليّة؛ وقال مجتبى خسروتاج، نائب وزير الصناعة والمعادن والتجارة الإيراني، إنّ "تركيز السّلطة وصنع القرار بدون إشراك منظّمات المجتمع ميالان إلى الفساد". مع ذلك، لم تكن النتائج الفعليّة مرضية، ويمكن شرح ذلك بشكل جزئي عبر عمق الفساد وسوء الإدارة في ظلّ حكومة محمود أحمدي نجاد السّابقة، بالإضافة إلى الأثر السّلبي الذي تركته العقوبات على بيئة الأعمال.

لكن بما أنّه سيجري الآن رفع عقوبات خارجيّة هامّة عن إيران، السؤال هو ما الذي تفعله الحكومة حاليًا لاحتواء آثار الفساد المدمّرة. في ما يلي تقييم لعدّة جوانب من أجل قياس مدى صدق حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها حكومة روحاني.

الإطار القانوني

يكمن أحد تحديّات ملاحقة الفساد بشكل فعّال في إيران في غموض الأحكام القانونيّة. جرى للمرّة الأولى في العام 2008 تمرير قانون لتعزيز سلامة النظام الإداري ومحاربة الفساد لفترة تجريبيّة مدّتها ثلاث سنوات، ثمّ جرى تمديدها لثلاث سنوات أخرى في العام 2011. يقدّم القانون تعريفات واضحة لأعمال الفساد فضلاً عن مسؤوليّة الحكومة في تقديم معلومات شفافة ومحاربة الفساد. بالفعل، إنّ العدد المتزايد لقضايا الفساد التي تجري متابعتها (بما في ذلك القضايا بحقّ نائبين سابقين لرئيس الجمهوريّة وكذلك رئيس مؤسّسة الضّمان الاجتماعي السّابق سعيد مرتضوي) اعتمدت على أحكام هذا القانون. في هذه المرحلة، تكمن الخطوة المنطقيّة التّالية في تحويل القانون إلى تشريع دائم أو في صياغة نسخة محسّنة يجري البحث فيها بشكل إضافي. لكن نظرًا إلى أنّ هذه هي السّنة الأخيرة من ولاية مجلس الشّورى، من المحتمل أنّ الحكومة ستشرك مجلس الشورى المقبل في إطار قانوني ثابت لملاحقة الفساد.

التوتّرات السّياسيّة

وسط حملة مكافحة الفساد الجارية، يتّضح أيضًا أنّ عددًا من مجموعات المصالح الخاصّة يمارس الضّغط على الحكومة لتتوقّف عن ملاحقة قضايا الفساد السّابقة. في إشارة إلى ذلك، صرّح النائب الأوّل لرئيس الجمهوريّة اسحاق جهانغيري، الذي يرأس أيضًا فرقة مكافحة الفساد، في 19 أيلول/سبتمبر، "يقول البعض إنّ علينا التوقّف عن التحدّث في الماضي، لكنّ الكثير من القضايا السابقة ما زالت غير محلولة". بالمناسبة، ادّعى أحمدي نجاد على جهانغيري لدحض اتّهامات هذا الأخير ضدّ الحكومة السّابقة. ويمكن أن يؤدّي ضغط حكومة روحاني لفضح الفساد السابق إلى مزيد من التوتّرات السّياسيّة، بخاصّة فيما تستعدّ البلاد للانتخابات البرلمانيّة في شهر شباط/فبراير.

الهياكل الإداريّة

يقول أعضاء مجتمع الأعمال إنّ سلطات المحافظات البعيدة عن أنظمة التّدقيق المركزيّة هي واحدة من مصادر الفساد الواضحة. بالفعل، إنّ سلطات المحافظات المسؤولة عن إصدار التّراخيص للمشاريع والأعمال تسيء استخدام منصبها وتطلب الرشاوى، وتبرز دلائل على أنّ حكومة روحاني تحاول معالجة هذه المسألة عبر إبطال المركزيّة في الهيئات التي تحارب الفساد. بحسب وزير العدل مصطفى بور محمدي، أنشأت الحكومة مكاتب في المحافظات لمحاربة الفساد الإداري على مستويات البيروقراطيّة. وستكون مقاومة مصادر الفساد داخل المحافظات من دون شكّ خطوة مهمّة في هذه العمليّة.

جهود ما بعد العقوبات

كان أثر العقوبات الخارجيّة المنصّة الأهمّ للنمو غير المسبوق في الفساد في ظلّ حكومة أحمدي نجاد. وبحسب المستشار الأعلى للرئيس روحاني أكبر تركان، إنّ الشّبكات القديمة المشبوهة – التي جرى تفكيكها في وقت سابق – أخذت شكل الفساد وكوّنت طبقات من الفساد في التجارة الخارجيّة للبلاد في ظلّ نظام العقوبات. ويعتقد تركان أنّنا بحاجة إلى عدّة سنوات بعد رفع العقوبات لتخليص هياكل التجارة الخارجيّة في البلاد من هذه الشّبكات المشبوهة.

جهود مكافحة التّهريب

أصدرت حكومة روحاني مرسومًا لمكافحة التهريب في آذار/مارس 2014، لكن في شهر آب/أغسطس من العام الحالي، جرى تنقيح القانون الأصلي لتسهيل تطبيق الأحكام القانونيّة. مع ذلك، تشير التقديرات إلى أنّه يجري سنويًا تهريب بضائع بقيمة 25 مليار دولار إلى إيران. والجدير بالذّكر أنّ آثار التهريب لا تقتصر على إضعاف المصنّعين المحليّين، فالتّهريب ينخر أيضًا إيرادات الحكومة؛ ويعتقد الخبراء أنّ التّهريب هو عمل الشّبكات صاحبة النفوذ السّياسي. يبقى أن نرى ما إذا كانت حكومة روحاني ستلاحق مثل مجموعات المصالح هذه. ومن الواضح أنّ رفع العقوبات سيكون عنصرًا رئيسيًا في عمليّة مقاومة مثل هذه الهيئات.

محاربة الفساد في القطاع المصرفي

كما ظهر في عدّة قضايا سابقة، ساهمت مصارف البلاد بشكل كبير في قضايا الفساد، وجرى ذلك عادة عن طريق إعطاء تسهيلات القروض من دون اتّباع الإجراءات الواجبة. قال مطّلعون بشؤون الأعمال للمونيتور إنّ معالجة القروض وبخاصّة المنح، فضلاً عن مراقبة المصارف، أصبحتا الآن أكثر تطفليّة؛ وهذا كلّه صعّب على الشبكات الفاسدة الاستفادة من القطاع المصرفي.

فروق أسعار الصّرف

في الختام، أحد مصادر الفساد الأكثر وضوحًا هو النظام الثنائي لسعر الصّرف في إيران، إذ يبلغ الفرق بين ما يسمّى سعر صرف غرفة الفوركس وسعر صرف السوق الحرّ حوالي 15%، وكان هذا هو الواقع في القسم الأكبر من العامين المنصرمين. وتماشيًا مع هدف توحيد الأسعار، أعلنت منظّمة الإدارة والتّخطيط أنّه سيتمّ تعديل سعر الصّرف الرّسمي ليكون 31,000 ريال للدولار بعد شهر آذار/مارس 2016. ومع أنّ هذا السّعر يبقى بعيدًا عن الـ35,000 ريال التي يتمّ صرفها مقابل الدولار الأميركي في السوق الحرّ، تبقى هذه خطوة أولى هامّة نحو إغلاق الفجوة. ويبدو أنّ هدف الحكومة هو توحيد أسعار الصّرف بحلول نهاية العام الإيراني المقبل (آذار/مارس 2017)، بما يغلق الباب في وجه الكثير من الصّفقات الفاسدة.

عمومًا، مع أنّ حكومة روحاني تسير في الاتّجاه الصّحيح، هي لم تحرز النّتائج المرجوّة. من الواضح أنّ رفع العقوبات لن يزيل فقط بعض العوائق التي تقف في وجه محاربة الفساد والتهريب، بل سيزوّدنا بموارد حكوميّة إضافيّة لبذل المزيد من الجهود في هذه الحملة المهمّة. مع ذلك، تدعو الحاجة إلى لائحة طويلة من الإصلاحات القانونيّة، والهيكليّة والسياسيّة من أجل تحقيق تحسّن ملموس في المناخين المالي والتّجاري في البلاد.

More from Bijan Khajehpour

Recommended Articles