تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إقبال على تعلّم اللغة العبريّة في غزّة لإدارة الصراع مع إسرائيل

يتزايد إقبال الغزيّين على تعلّم اللّغة العبريّة، في إطار المواجهة المفتوحة مع إسرائيل، حيث تندمج فئات كثيرة من المجتمع الغزيّ في تعلّم العبريّة، ومن بينها الطالب المدرسيّ والجامعيّ، الموظّف الحكوميّ، العامل، المقاتل المنتمي إلى فصائل المقاومة الفلسطينيّة، وحتّى المواطن العاديّ.
RTR3D31Q.jpg

مدينة غزّة - لا يبدو إقبال الفلسطينيّين على تعلّم اللّغة العبريّة في قطاع غزّة أنّه يرمي إلى إقامة العلاقات الوديّة مع الإسرائيليّين وإزالة الحواجز بينهم، إنّما يهدف إلى إدارة المعركة المفتوحة بين الطرفين وفهم العقليّة الإسرائيليّة تجاه غزّة. وفي هذا الإطار، قال لـ"المونيتور" الشاب أحمد الصالحي (27 عاماً)، الّذي يخضع حاليّاً إلى دورة تدريبيّة لتعلّم اللّغة العبريّة في المركز التعليميّ المحليّ "مركز نفحة لدراسات الأسرى والشؤون الإسرائيليّة": "هناك حاجة متزايدة إلى تعلّم اللّغة العبريّة، وهي نابعة من أهميّة معرفة كيف يفكّر الإسرائيليّون بنا، وماذا يقولون عنّا في إذاعاتهم وصحفهم اليوميّة وقنواتهم التلفزيونيّة".

أضاف: "خلال الحرب الإسرائيليّة الأخيرة، لم تكفّ القنوات التلفزيونيّة الإسرائيليّة عن نقل كلّ ما يدور في غزّة إلى الجمهور الإسرائيليّ، فتارة أشاهد المذيع الإسرائيليّ جادّاً جدّاً، وطوراً أراه يضحك، وأحياناً منزعجاً. لذلك، أريد أن أعرف السرّ وراء هذه المشاعر المتناقضة تجاهنا".

ويتزايد إقبال الفلسطينيّين على تعلّم اللّغة العبريّة عبر معاهد تعليميّة منتشرة في غزّة، فيما قرّرت حركة "حماس" في أيّار/مايو من عام 2012 تدريس اللّغة العبريّة كمادّة دراسيّة إضافيّة لطلاّب المدارس الحكوميّة في غزّة.

وأكّد وكيل وزارة التّربية والتّعليم التّابعة لقطاع غزّة زياد ثابت أنّ "التوجّه إلى تعليم اللّغة العبريّة في مدارس غزّة، ينبع من مبدأ معرفة لغة العدو وإدراك ما يدور في فلك الشارع الإسرائيليّ حول الصراع الفلسطينيّ-الإسرائيليّ"، وقال لـ"المونيتور": "عندما قرّرنا تدريس العبريّة في مدارسنا، رفضت السلطة الفلسطينيّة بشدّة ذلك واعتبرته يمس بالهويّة الفلسطينيّة، لكنّنا نعتبره أمراً مهمّاً للغاية من أجل مواجهة الاحتلال الإسرائيليّ".

ولفت إلى أنّه "مع تولّي حكومة التّوافق الفلسطينيّة في حزيران/يونيو من عام 2014 وانتهاء ولاية حكومة حماس، قرّرت وزارة التّربية والتّعليم في غزّة إنشاء معهد خاص يسمّى بـ"المعهد التربويّ للتّدريب والتّأهيل" لاستقطاب من يرغب في تعلّم العبريّة، بعيداً عن القطاع التعليميّ الرسميّ وللحفاظ على تعليم العبريّة في غزّة".

ومن جهته، أكّد أستاذ اللّغة العبريّة في المعهد التربويّ للتّدريب محمّد الحلاّق أنّ "إقبال المواطنين على تعلّم العبريّة يسير بوتيرة متزايدة"، مشيراً إلى أنّ "الرّغبة الّتي تقف وراء ذلك، إمّا بدافع العمل في مجال التّرجمة لما ينشره الإعلام الإسرائيليّ من العبريّة إلى العربيّة أو لإضافة مهارة لغويّة جديدة إلى الذات"، وقال لـ"المونيتور": "تعلّم العبريّة هو أمر اختياريّ لمن يرغب فيها. ولذلك، هناك فئات عدّة من الفلسطينيّين ترغب في تعلّم العبريّة، من بينها الطالب المدرسيّ أو الجامعيّ أو الموظّف أو المواطن العاديّ الّذي يرغب في فهم الإذاعات والفضائيات الإسرائيليّة".

وأوضح أنّ "تعلّم اللّغة العبريّة في معهده يتمّ عبر 6 مستويات، تكلّف دفع مبلغ ماليّ يقدّر بـ550 شيقلاً (نحو 140 دولاراً)، وهو مبلغ زهيد جدّاً، مقارنة بتعلّم أيّ لغة أخرى".

ورأى الشاب رفعت الخالدي (25 عاماً)، وهو موظّف حكوميّ في غزّة وأحد خرّيجي دورة اللّغة العبريّة الّتي أقامها المعهد في أيّار/مايو الماضي، ويسكن في بلدة خزاعة - شرق مدينة خانيونس بجنوب القطاع، أنّ "تعلّم اللّغة العبريّة هو أمر مهمّ للأجيال الفلسطينيّة من أجل إدارة الصراع والمواجهة مع الاحتلال الإسرائيليّ"، وقال لـ"المونيتور": "خلال الحرب الأخيرة على غزّة، قام عدد من الجنود الإسرائيليّين باحتجازي وعائلتي في منزلنا، وكانوا يصرخون بنا بالعبريّة. ولأنّنا لم نفهم حديثهم اعتدوا علينا بالضرب لمدّة ربع ساعة، ثمّ تركونا وذهبوا".

وأشار إلى أنّ عدم قدرة الفلسطينيّين، وخصوصاً سكّان المناطق الحدوديّة في غزّة، على التّعامل مع المواقف غير الاعتياديّة مثلما حدث معه خلال الحرب، يجبر الغزيّين على تعلّم اللّغة العبريّة.

وكذلك، تهتمّ الجامعة الإسلاميّة التّابعة لحركة "حماس" في غزّة بتدريس اللّغة العبريّة إلى طلاّبها الجامعيّين. وفي هذا السّياق، قال هشام الزهري، وهو محاضر في الجامعة باللّغة العبريّة لـ"المونيتور": "منذ بداية ثمانينيّات القرن الماضي، والجامعة الإسلامية كانت تدرّس اللّغة العبريّة القديمة قراءة وكتابة ومحادثة إلى طلاّبها من كلّ الأقسام والكليّات، ولكن منذ سنوات قليلة مضت، ارتأت الجامعة أن تجعل تدريس هذه اللّغة فقط إلى طلاّب كليّة الآداب، مع إضافة مادّة تسمّى بـدراسات في الأدب العبريّ الحديث، وهي مساق دراسيّ جديد يعزّز من إتقان اللّغة العبريّة وفهم العقليّة الإسرائيليّة عند الطلاّب".

وأوضح الزهري أنّ الدافع وراء اعتماد جامعته هذه اللّغة لتدريسها إلى الطلاّب، هو حثّ نبيّ الله محمّد لصحابته على تعلّم اللّغة العبريّة من أجل الحذر من مكر اليهود، وقال: "لذلك، من المهمّ جدّاً كفلسطينيّين أن نتقن هذه اللّغة".

وإنّ سكّان غزّة لا يعتبرون اللّغة العبريّة غريبة عنهم، فقبل الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية في عام 2000، كان أكثر من 40 ألف عامل من غزّة يجيدون اللّغة العبريّة بطلاقة، إذ اكتسبوها من خلال عملهم لسنوات طويلة داخل إسرائيل في المجالات المختلفة.

كما أنّ السجناء الفلسطينيّين الّذين يتمّ الإفراج عنهم من السجون الإسرائيليّة يجيدون التحدّث بالعبريّة بطلاقة، وأقام بعضهم مراكز للدراسات والتّرجمات، كما فعل الأسير المحرّر عبد الرّحمن شهاب الّذي يترأس "مركز أطلس للدراسات"، والّذي أنشيء منتصف عام 2012، حيث يقوم بترجمة كلّ ما ينشر عبر الصحافة الإسرائيليّة إلى اللّغة العربيّة، ويقدّمه إلى المجتمع في غزّة.

ويعدّ إيجاد اللّغة العبريّة أحد المعايير المهمّة لدى قيادة كتائب القسّام الجناح العسكريّ لحركة "حماس" لانضمام المقاتلين إلى وحدة النّخبة فيها، إذ تلزم تعلّم هذه اللّغة من أجل ضمان مواجهة عسكريّة ناجحة مع الجنود الإسرائيليّين، وفقاً لما ذكره موقع "المجد" الأمنيّ المقرّب من كتائب القسّام عبر موقعه الإلكترونيّ.

وكذلك، استخدمت كتائب القسّام اللّغة العبريّة في أكثر من مناسبة لإرسال رسائل تهديد إلى الجمهور الإسرائيليّ، ومن بينها نشر أنشودة غنائيّة تدعى "زلزل أمن إسرائيل" باللّغة العبرية في تمّوز/يوليو من عام 2014، فيما أطلقت في الشهر ذاته موقعاً إلكترونيّاً ينطق بالعبريّة، وهو يعتبر الموقع الفلسطينيّ الأوّل الّذي يتبع إلى فصيل عسكريّ يتحدّث بالعبريّة.

إنّ التوسّع في تعلّم اللّغة العبريّة في غزّة، لا يعني أنّ السلام مع إسرائيل بات وشيكاً وأنّ الحروب قد انتهت بين الطرفين، بل يعدّ مطلباً إضافيّاً ومهمّاً لإدارة المواجهة المفتوحة بين الطرفين، وفهم السياسة الإسرائيليّة تجاه غزّة.

More from Rasha Abou Jalal

Recommended Articles