تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تفاقم أزمة الكهرباء ينعش صناعة الثلج في غزّة

وجد المواطنون وباعة اللحوم والأسماك في قطاع غزّة، من مصانع الثلج ملاذاً لحماية طعامهم وبضائعهم الغذائيّة من التلف، في الوقت الذي اشتدّت فيه أزمة التيّار الكهربائيّ ووصلت نسبة العجز إلى 70%.
RTX1LKGE.jpg

مدينة غزّة - أدّت أزمة التيّار الكهربائيّ المتفاقمة في قطاع غزّة إلى ازدهار صناعة الثلج وبيعه، حيث باتت تشقّ طريقها نحو الانتشار والنجاح، بسبب زيادة إقبال المواطنين وباعة اللحوم والأسماك على شراء الثلج المصنّع، للحفاظ على موادهم الغذائيّة من التلف.

ويعاني قطاع غزّة من أزمة كهرباء حادّة، منذ أن قصفت الطائرات الإسرائيليّة محطّة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع في عام 2006 عقب اختطاف الجنديّ الإسرائيليّ جلعاد شاليط في حزيران/يونيو من العام ذاته، الأمر الذي أدّى إلى وصول التيّار الكهربائيّ إلى منازل المواطنين لمدّة 6 ساعات يوميّاً فقط، فيما نادراً ما يصل إلى 8 ساعات يوميّاً في أحسن الأحوال.

ويعاني المواطن محمّد قاسم (46 عاماً) من سكّان مدينة غزّة، من فساد غذاء أسرته المحفوظ في الثلّاجة المنزليّة، بسبب عدم وصول التيّار الكهربائيّ لساعات طويلة، وقال لـ"المونيتور": "قبل يومين فقط، نحو خمسة كيلوغرامات من اللحوم وكميّة كبيرة من الأجبان والألبان والخضروات ألقيتها في القمامة بسبب فسادها نتيجة عدم وصول التيّار الكهربائيّ في الشكل الكافي".

وأوضح قاسم الذي يعيل أسرة مكوّنة من 7 أفراد، أنّ وصول التيّار الكهربائيّ لمدّة 6 ساعات غير كافٍ للحفاظ على الموادّ الغذائيّة من التلف، مشيراً إلى أنّ هذه الساعات من الكهرباء لا تصل في شكل كامل، حيث تتخلّلها تقطّعات مستمرّة يصل مجموعها إلى ساعتين كاملتين، الأمر الذي يزيد من فرصة فساد الغذاء.

وأضاف: "هذه الأزمة المستمرّة جعلتني أعتمد على الغذاء المعلّب المصنّع بالموادّ الحافظة، حتّى أخبرني أحد الأصدقاء بأنّ هناك مصانع تصنّع وتبيع الثلج، وبالفعل أصبحت أعتمد على الثلج المصنّع للحفاظ على الغذاء من التلف".

وأكّد مهنّد بكر (52 عاماً) وهو صيّاد أسماك، أنّ مصانع الثلج أوجدت للصيّادين حلاًّ سحريّاً للحفاظ على الأسماك التي يصطادونها من التلف، خصوصاً وأنّ الأسماك تعدّ من أسرع الموادّ الغذائيّة القابلة للتلف إذا بقيت لساعات في أجواء غير باردة.

وقال بكر الذي يبيع أسماكه في سوق الشيخ رضوان شمال مدينة غزّة لـ"المونيتور": "لقد بات الصيّادون يعتمدون على الثلج المصنّع ويشترونه بكميّات كبيرة للحفاظ على الأسماك خلال بيعه في الأسواق، في ظلّ اشتداد حرارة الصيف وتفاقم أزمة الكهرباء".

وأوضح أنّه يشتري خلال اليوم الواحد نحو 20 كيلوغراماً من الثلج المصنّع، بمبلغ لا يتجاوز 15 شيقلاً (نحو 4 دولارات)، وهو مبلغ زهيد جدّاً مقارنة بدور الثلج في حفظ بضاعته من الأسماك من التلف.

ولا يتوافر إحصاء دقيق عن عدد المصانع التي تعمل على تصنيع الثلج وبيعه للمواطنين في قطاع غزّة، ولكنّ إحصاءات غير رسميّة قامت بها مندوبة "المونيتور" تفيد بأنّ هناك ثمانية مصانع في قطاع غزّة، منها أربعة في مدينة غزّة وحدها.

وقال منير أبو حصيرة وهو مالك أحد مصانع الثلج غرب مدينة غزّة لـ"المونيتور": "إنّ تصنيع الثلج مهنة موجودة منذ عقود، وكان معظم زبائنها من الصيّادين، ولكن ازدهرت هذه المصانع في شكل كبير جدّاً وانتشر صداها بين المواطنين أيضاً في ظلّ اشتداد أزمة التيّار الكهربائيّ".

وأوضح أنّه أنشأ مصنعه قبل ستّ سنوات، ولكن خلال العام الأخير، تضاعف إقبال المواطنين على شراء الثلج من مصنعه بنسبة 600% على أقلّ تقدير، في محاولة للتكيّف مع وضع الكهرباء الصعب في غزّة.

وأشار أبو حصيرة إلى أنّه يقوم بتصنيع الثلج من خلال آلة خاصّة تعتمد على غاز الفريون الخاصّ بالتبريد، حيث تنتج نحو ثلاثة أطنان من الثلج في اليوم الواحد، ويبلغ ثمن العشرة كيلوغرامات منها سبعة شواقل فقط (نحو دولارين).

وبيّن أبو حصيرة أنّه يعتمد على مولّدات الطاقة الصغيرة من أجل ضمان استمرار عمل هذه الآلة في إنتاج الثلج عند انقطاع التيّار الكهربائيّ.

وكان مدير معلومات الطاقة في سلطة الطاقة في غزّة أحمد أبو العمرين، أكّد في تصريحات سابقة لـ"المونيتور" أنّ غزّة تتغذّى بالكهرباء عن طريق عشرة خطوط إسرائيليّة بقدرة 120 ميغاواطاً وخطَين آخرين مصدرهما جمهوريّة مصر العربيّة بقدرة 22 ميغاواطاً. ويأتي ذلك إضافة إلى ما تنتجه محطّة توليد الكهرباء في غزّة بقدرة 65 ميغاواطاً.

وأوضح أبو العمرين أنّ هذه المصادر مجتمعة لا تلبّي حاجات سكّان غزّة من التيّار الكهربائيّ، حيث تصل نسبة العجز في الكهرباء إلى 50%، مشيراً إلى أنّ محطّة توليد التيّار في حاجة إلى 650 ألف لتر يوميّاً من السولار الصناعيّ لتعمل بكامل طاقتها، وأنّ المحطّة لا تستطيع توفير ثلث هذه الكميّة في أحسن أحوالها، بسبب إغلاق المعابر وعدم توريد الوقود الإسرائيلي في شكل كافٍ.

وما زاد الطين بلّة، هو تعطّل خطّين إسرائيليّين من الخطوط العشرة الإسرائيليّة، إضافة إلى تعطّل الخطّين القادمين من مصر في الكامل، ليصبح مجموع ما فقدته غزّة من هذه الخطوط الأربعة 52 ميغاواطاً، وفق ما أفادت به شركة توزيع التيّار الكهربائيّ في بيان لها صدر في 16 أيلول/سبتمبر الحاليّ.

وقال البيان: "إنّ هذا النقص في موارد الطاقة الكهربائيّة يأتي متزامناً مع نقص حادّ في توريدات السولار الصناعيّ لمحطّة التوليد نتيجة إغلاق الاحتلال الإسرائيليّ لمعابر قطاع غزّة بحجّة الأعياد اليهوديّة، وهو الأمر الذي رفع نسبة العجز في الطاقة الكهربائيّة التي يحتاجها قطاع غزّة إلى أكثر من 70%، وتسبّب في خلق أزمة غير مسبوقة في القطاع".

وأدّى هذا التدهور الحادّ في توافر التيّار الكهربائيّ، إلى اندلاع مظاهرات شعبيّة احتجاجيّة في مدن مختلفة في قطاع غزّة، أبرزها كان في رفح حيث شهدت في منتصف أيلول/سبتمبر الجاري، وعلى مدار ثلاثة أيّام متتالية، تظاهرات ليليّة احتجاجاً على استمرار تقليص ساعات الوصل للكهرباء على المدينة.

البحث عن بدائل لمواجهة النقص الحادّ في توافر التيّار الكهربائيّ، غير كافٍ بالنسبة إلى سكّان غزّة بعدما أصيبت حياتهم المعيشيّة بالشلل التامّ نتيجة هذه الأزمة المتجدّدة والمتفاقمة، في الوقت الذي تفشل فيه الجهّات المسؤولة في إيجاد أيّ حلول لإنهاء هذه الأزمة.