تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"المحرّرات" تنعش القطاع الزراعيّ في غزّة لكنّها تعاني من شحّ الموارد وتوقف التّصدير

منذ الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة عام2005م، تحولت المستوطنات إلى واحات زراعية، تحت إدارة حكومية، سمحت لمؤسسات أهلية وخيرية بالاستثمار فيها، غير أنها تعاني من مشكلة استنزاف المياه، ومنع التصدير بسبب الحصار المفروض على القطاع عام2007م.
IMG_2352.JPG

خان يونس، قطاع غزّة - على مساحات شاسعة في جنوب قطاع غزّة، تتربّع الواحة الزراعيّة للقطاع، الّتي أطلقت عليها وزارة الزراعة الفلسطينيّة عام 2007م اسم "المحرّرات"، وهي أراضي المستوطنات الّتي انسحبت منها اسرائيل، في آب/أغسطس من عام 2005، وأصبحت ملكاً خالصاً للفلسطينيّين بعد احتلال دام 38 عاماً، لتقوم الحكومة الفلسطينيّة، منذ ذلك التاريخ، باستثمار تلك المحررات، ولا سيما الجنوبية، في مجالات الزراعة والإسكان وحتّى السياحة والتّرفيه.

وحين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيليّ السّابق أرييل شارون خطّة الانفصال الإسرائيليّ الأحاديّ الجانب، عام 2003، وبعد أن تم الانسحاب من غزة عام 2005م، تحوّل الانسحاب إلى عرس فلسطينيّ في القطاع، وابتهج السكّان بإخلاء المستوطنين لـ19 مستوطنة وتجمّعاً استيطانيّاً، تتوزّع في الجنوب والشمال، وما تبع الإخلاء من إلغاء للحواجز الّتي وضعها الجيش الإسرائيليّ وقتها، حيث كانت تعيق حركة السكّان لأيّام، وتقطع أوصال القطاع الساحليّ، الّذي فرضت عليه إسرائيل لاحقاً حصاراً مشدّداً في عام 2007.

وقد أعلنت الحكومة الفلسطينيّة في عام 2006 تشكيل "الإدارة العامّة للمحرّرات الوطنيّة" لتقوم بكلّ ما يلزم لإدارة المحرّرات وحمايتها واستثمارها والإشراف عليها وتأمين أوجه الاستفادة والاستثمار فيها.

وفي زيارة "المونيتور" لمقرّ الإدارة العامّة للمحرّرات، الّذي أقيم في مبنى كان مخصّصاً لرياض الأطفال، وهو ضمن المباني الّتي لم يلحقها هدم المستوطنين، في محرّرة اليرموك، قال المدير العام للإدارة العامّة للمحرّرات الوطنيّة محمّد الشاعر: "أقامت إسرائيل المستوطنات في غزّة على أفضل خزّان جوفيّ للمياه العذبة، واحتلّت تلك المستوطنات 15 ألف دونم كامل، إضافة إلى المساحة المخصّصة للحزام الأمنيّ المحيط بكلّ مستوطنة".

أضاف: "إنّ المستوطنات الحدوديّة لم تخضع إلى سيطرتنا، وبقيت 15 مستوطنة فقط داخل حدود القطاع، وهي ما تخضع إلى الإدارة العامّة للمحرّرات. ووفق التّرتيب من الجنوب إلى الشمال، هي: مستوطنة رافيح يام، بيت سدي، موراج، عتصمونا، بدولاح، جان أور، جاديد، نيفي ديكاليم، اغنيتال1، اغنتيال2، نيتسر حزاني، كفار داروم، نيتساريم، دوغيت، ونيسانيت".

وخلال جولة "المونيتور" في المحرّرات تمّت ملاحظة عمليّة تغيير أسمائها من العبريّة إلى العربيّة، ودمج عدد منها مع بعضها، مثل: محرّرة ذات الصواري الّتي تجمع بين مستوطنتي رفيح يام وبيت سدي سابقاً، ومحرّرة عين جالوت على أنقاض مستوطنتي عتصمونا وبدولح، إلى جانب محرّرة حمراء الأسد "غانور". وتحوّلت كلّها إلى مساحات زراعيّة خصبة، يزداد إنتاجها عاماً بعد عام، رغم المعوّقات الإسرائيليّة المتمثّلة بالقصف ومنع استيراد موادّ الإنتاج أو تصدير الفائض.

وخلّف المستوطنون بعد رحيلهم مباني حديثة وأراضي زراعيّة مثمرة. وفي هذا السّياق، قال محمّد الشاعر: "تم استصلاح الكثبان الرمليّة واستثمار عدد كبير من الأراضي في مجالات متنوّعة، وعملت إدارة المحرّرات، بالتّعاون مع سلطة المياه ووزارة التّخطيط والإسكان، على تخصيص مساحات للجامعات والمباني السكينّة، ومساحات أخرى لبناء منتجعات ترفيهيّة وسياحيّة".

وأقيمت مبان قرب محرّرة اليرموك للجامعة الإسلاميّة، كليّة العلوم التطبيقية، وجامعة الأقصى. وكذلك، تمّ بناء أبراج آل حمد القطريّة، وتخصيص بعض المباني الّتي خلّفها المستوطنون إلى بعض البلديّات، والمنتجعات السياحيّة الداخليّة كمنتجع النور ومدينة أصداء الترفيهيّة.

كما أقامت الفصائل الفلسطينيّة مواقع عسكريّة متفرّقة بين تلك المحرّرات لتدريب عناصرها، ومنها ما هي تابعة لـ"الجهاد الإسلاميّ"، وحركة "حماس"، و"الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين".

ولم تعد أراضي المحرّرات حكوميّة خالصة، فقد قاربت نسبة الاستثمار فيها 100 بالمئة، بعد السماح لمؤسّسات خيريّة وأهليّة باستئجارها، مثل جمعيّة "الصلاح الخيريّة"، "الرّحمة الكويتيّة"، "هيئة الأعمال الإماراتيّة"، وجمعيّة "الصحابة".

وفي هذا الإطار، قال الشاعر لـ"المونيتور": "تمّت مشاركة عدد من المؤسّسات الأهليّة والخيريّة في إدارة تلك المحرّرات عبر استئجارها، منعاً لسيطرة الأفراد عليها أو تبديد مواردها. كما أنّ هناك أراضياً في المحرّرات كانت ملكيّتها خاصّة لعائلات، فعادت إليها الملكيّة بعد عام 2005". كما بدأت المحرّرات الزراعيّة بالوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتيّ من إنتاج بعض المحاصيل، وتوفيرها بأسعار منخفضة، كالبصل، البطيخ، الشمّام، والعنب اللاّبذري.

ولفت الشاعر إلى أنه خلال السنوات الماضية، تم زراعة، 400 دونم مانجا تضاف إلى 100 دونم كانت مزروعة من قبل المستوطنين الاسرائيليين سابقاً، كما قامت وزارة الزراعة بزراعة 100دونم لوزيات، و150 دونم زيتون، و250 دونم نخيل، إضافةً إلى الجوافة، والتفاح، وسيتم اضافةً أصناف جديدة ه1ا العام كالجوز، والأفوكادو.

أضاف الشاعر: "هناك اكتفاء ذاتيّ على قدر السوق المحليّة، وهذا إنجاز. وفي المقابل، هناك عدد قليل من المحاصيل تفيض عن هذا الاكتفاء الذاتيّ المحليّ، ويعدّ إغلاق المعابر عائقاً أمام تصديرها".

ورغم النّجاح الكبير في زراعة المحرّرات، إلاّ أنّها تعاني من استنزاف المياه في ظلّ أزمة مائيّة خانقة في القطاع. وفي هذا المجال، قال المدير العام للتربة والريّ في وزارة الزراعة شفيق العرّاوي لـ"المونيتور": "إنّ منطقة المحرّرات تستنزف حوالى 8 مليون متر مكعّب في السنة، في حين يفترض ألاّ تتجاوز كميّة استهلاكها للمياه 4 ملايين متر مكعّب. وإنّ حجم الاستنزاف الكبير للخزّان الجوفيّ سيؤدّي إلى انخفاض في منسوب المياه وزيادة ملوحة المياه في تلك المناطق".

ولتلافي هذه الأزمة، تعمل إدارة المحرّرات على إيجاد بدائل، ومنها استخدام التّربة الطينيّة، وشرح ذلك المشرف على زراعة الحمضيّات والبطاطا في المحرّرات رامي الأسطل لـ"المونيتور"، إذ قال: "تمّت إحاطة كلّ أشجار الحمضيّات بالتّربة الطينيّة، الّتي تساعد على تقليل استهلاكها للمياه. أمّا بقيّة المحرّرات فزرعت فيها البطاطا، البطاطا الحلوة، والبطيخ كونها تناسب التّربة الرمليّة هناك".

وإنّ جزءاً آخر من التّربة لم تعد صالحة للزراعة، وواصل رامي الأسطل حديثه قائلاً: "تأثّرت التّربة في بعض الحمامات الزراعيّة، ببودرة الصواريخ الّتي أطلقها الجيش الإسرائيليّ على المحرّرات في حرب الصيف الماضي. وبعد الفحص، تبيّن تسمّم التّربة، ولم نعد قادرين على زراعتها حتى بعد عام على الحرب".

ورغم الإنتاج الزراعيّ الكبير للمحرّرات، إلاّ أنّ موظّفيها يعانون من أزمة انقطاع الرواتب الّتي تعاني منها حكومة غزّة. وفي هذا السّياق، قال الأسطل: "يعمل العمال هنا في شكل يوميّ من الخامسة فجراً حتّى الثانية عشرة ظهراً، حتّى أصبحت جنّة، ولكن حين يسألونني عن يوميّاتهم ورواتبهم لا أستطيع توفيرها لهم، فأعطيهم بعضاً من الباذنجان والفلفل في نهاية اليوم".

لقد شكّلت زراعة المحرّرات مورداً استثماريّاً وطبيعيّاً مهمّاً لحكومة غزّة. كما حملت لها أهدافاً استراتيجيّة، خلال السنوات الماضية، غير أنّها باتت تعاني من تأثيرات العوامل السياسيّة والإقتصاديّة المحيطة، الّتي تؤثّر سلباً على كلّ محاولة فلسطينيّة للتأقلم مع الظروف الراهنة المتمثّلة في الحصار، وتراجع الآداء الحكوميّ المتأثّر أيضاً بعوامل سياسيّة كثيرة.

More from Hana Salah

Recommended Articles