تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

التراث واللّغة النوبيّة هوية شعب يصارع من أجل البقاء

بعد واحد وخمسون عاماً على تهجير النوبيين من موطنهم على ضفاف النيل جنوب مصر، يحمل النوبيين وحدهم مسئولية الحفاظ على هوية وتراث النوبة الحضاري من الاندثار والانخراط في الثقافة العربية.
A Nubian boy rides a camel at the Nile river bank in Aswan, some 1200 km (746 miles) south of Cairo, March 25, 2007. REUTERS/Goran Tomasevic   (EGYPT) - RTR1NWNI

واحد وخمسون عاماً مضت على تهجير النوبيّين، بعد بناء السدّ العالي في جنوب مصر عام 1964، وبعد أن غمرت المياه منازلهم وضاعت ملامح بلاد النوبة القديمة في أعماق بحيرة ناصر، إلاّ أنّ الشعب النوبيّ يأبي أن يغرق تراثه وثقافته تحت المياه المتدفّقة خلف السدّ العالي. ففي قرية بلانة،(الواقعة بمركز كوم امبو بمحافظة أسوان) الّتي تعني الملكة الجميلة في اللّغة النوبيّة وكانت أولى قرى التّهجير مع بناء السدّ العالي، تعيش أمينة ابراهيم، وهي سيّدة في نهاية العقد الستين من عمرها على ذكريات بلادها القديمة على ضفاف النيل، فتظلّ حكايات التراث وتاريخ عائلتها محور حديثها الدائم مع جيرانها وأبنائها وأحفادها، فالتقاها "المونيتور" في منزلها المكوّن من أربع غرف تطلّ على ساحة كبيرة وسط المنزل، حيث حاولت نقل زخارف ونقوش نوبيّة ورسمها على جدرانه، بعد أن فقدت القرية ملامح البيوت النوبيّة القديمة المبنيّة بالطوب اللّبن ذي القباب المصمّمة للسيطرة على درجات الحرارة المرتفعة.

إنّ اللّغة النوبيّة هي اللّغة الرئيسيّة في الحديث بين أمينة وأولادها وأحفادها. وفي هذا الإطار، قالت أمينة: "إنّ اللّغة هي حياتنا، وما تبقّى لنا من تراث أجدادنا، والحفاظ عليها وتعليمها لأولادي وأحفادي الّذين لم يعيشوا في بلاد أجدادهم هي وظيفتي الأساسيّة بعد التّهجير، وأقصى ما أستطيع فعله لحماية موروثنا الثقافيّ. ودائماً أقول لأحفادي إنّ فقدانكم اللّغة النوبيّة يعني فقدانكم هويّتكم وأصلكم".

إنّ قضيّة الحفاظ على اللّغة النوبيّة تبقى الهمّ الأكبر لمعظم النوبيّين في محاولاتهم للحفاظ على التراث والهويّة مع انخراطهم في المجتمع المصريّ والتّعامل اليوميّ باللّغة العربيّة وعدم استعمال الأجيال الجديدة للّغة الممنوعة من التدريس أو التداول في المؤسّسات المصريّة. وأهمّ ما يميّز النوبيّين قدراتهم التنظيميّة، وحرصهم على إقامة تجمّعات نوبيّة في المحافظات أو الدول الّتي انتقلوا إليها بعد التّهجير، حيث تتواجد في القاهرة والإسكندريّة مقرّات للنادي النوبيّ العام، فضلاً عن الجمعيّات النوبيّة في عدد من الدول العربيّة والولايات المتّحدة الأميركيّة وأوروبا.

مشروع النّوبى هو منظمّة أسّسها الشتّات النّوبي في واشنطن عام 2008. ويهدف النّوبيّون إلى تثقيف النّاس حول مخاطر إنشاء السّدود، وتعريب النّوبيّين، والتّطهير الثّقافيّ وتهميش الثّقافة النّوبيّة. وقد بدأت المنظّمة بمناشدة الاتّحاد الأفريقيّ والأمم المتحدّة والمجتمع الدّولي لحماية التّراث النّوبي.

ومن جهته، قال مدير آثار النوبة في أسوان أحمد صالح في حديث مع "المونيتور": "كان من الأجدى أن تكون حماية التراث النوبيّ قضيّة الدولة المصريّة، لكنّ المجتمع النوبيّ يتحمّل وحده مسؤوليّة الحفاظ على اللّغة والعادات والتراث النوبيّ".

ورغم التاريخ القديم للّغة النوبيّة منذ العصر القبطيّ، إلاّ أنّها لغة غير مكتوبة، وتمّ تداولها في العصر الحديث من خلال الحكي فقط من دون الكتابة.

أضاف صالح: "الآن، هناك مبادرات واسعة لإحياء اللّغة النوبيّة من خلال النادي النوبيّ العام في مصر، وتكثيف الدراسات لكتابة اللّغة وتدريسها للنوبيّين والمهتمّين من المصريّين. وإنّ عدم سماح الدولة المصريّة بتداول التّعامل باللّغة النوبيّة في أيّ من المؤسّسات الإجتماعيّة أو التعليميّة لا يزال عنصر قلق وخوف من ضياع الهويّة النوبيّة، خصوصاً في ظلّ عدم وجود عناصر تشجيعيّة للأجيال الصغيرة للتّعامل باللّغة مع سيطرة اللّغة العربيّة داخل المدرسة وفي التّعامل مع المجتمع المصريّ، وهو ما يدفع كلّ الأسر النوبيّة إلى الضغط على أبنائها من أجل التحدّث باللّغة النوبيّة داخل المنزل على الأقلّ".

وتحدث "المونيتور" مع هاني كبارة، وهو شاب نوبيّ في العقد الثلاثين من قرية أبو سمبل، ينظّم دورات تدريبيّة لتعليم أساسيّات اللّغة النوبيّة في النادي النوبيّ بالقاهرة، فقال: "إنّ النوبيّ يذهب إلى القاهرة أو غيرها فينسى لغته بعد سنوات من عدم التّعامل بها، وهذا ما نحاول التغلّب عليه ربطه باللّغة مرّة أخرى، والتداول بها من خلال هذه الدورات التدريبيّة".

ويتّبع كبارة وسائل عدّة لتعليم اللّغة للتغلّب على مشكلة كونها لغة غير مكتوبة من خلال الاستماع إلى الأغاني النوبيّة القديمة وترجمة معاني كلماتها، وتدريس معاني الكلمات النوبيّة الأكثر تداولاً وكتابتها بالحروف العربيّة. وفي هذا الإطار، قال كبارة: "نحن نؤمن بأنّ النوبي ملزم بتعلّم لغته ونشرها لأنّها الخطوة الأساسيّة في حماية هويّته من الاندثار. وهناك اعتقاد لدى بعض النوبيّين بأنّ تمسّكه باللّغة قد يعيق قدرته على التّواصل مع المجتمع المصريّ، خصوصاً في ظلّ رفض البعض لفكرة التعدديّة والتعصّب للهويّة العربيّة المصريّة".

وتبقى الأغاني النوبيّة الوسيلة الأكثر تداولاً بين أبناء النوبة، والمجال الأقوى للحفاظ على اللّغة والألحان والموسيقى النوبيّة المغنّاة على الطبول، والّتي تقارب في شكل كبير الموسيقى الإفريقيّة.

وتابع كبارة: "إنّ الأغاني هي وسيلتنا للحفاظ على الموروث اللغويّ لأهل النوبة، خصوصاً أنّ المزاج النوبيّ لا يزال يحتفظ بحب الأغاني النوبيّة وترديدها أكثر من سماع الأغاني العربيّة والمصريّة، وإنّ الأغنية النوبيّة هي الأكثر تداولاً في الأفراح والمناسبات الإجتماعيّة النوبيّة".

واستطاع عدد من الفنّانين النوبيّين إثراء الموسيقى النوبيّة بعدد من المقطوعات الموسيقيّة الّتي نقلت حكايات شعب النوبة ومعاناته وتهجيره، وكان أشهرهم الفنّان حمزة علاء الدين، الملقّب بـأبو المزمار النوبيّ، وكانت أشهر أغانيه أويش Awish، الّتي تتحدّث عن جمال النوبة القديمة بلاد السحر والجمال.

ومع غياب قضيّة النوبة من أيّ حديث رسميّ الآن، يبقى التراث النوبيّ عالقاً في وجدان أهل النوبة المقيمين في قرى التّهجير بجنوب مصر أو خارجها، وتبقى محاولات الحفاظ على الهويّة الشاغل الأساسيّ لمعظم النوبيّين، خصوصاً بين هؤلاء الّذين عايشوا الحياة في بلاد النوبة القديمة.

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial