تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عندما لم ينتحر ابن عامل النظافة في مصر

Police and security forces stand guard outside a police academy where the trial of ormer Egyptian President Hosni Mubarak is held on the outskirts of Cairo November 29, 2014. An Egyptian court on Saturday dropped its case against ousted president Hosni Mubarak on charges of ordering the killing of protesters during the 2011 revolt that removed him from power. The court also cleared Mubarak and a former oil minister of graft charges related to gas exports to Israel.  REUTERS/Mohamed Abd El Ghany (EGYPT - Tag

القاهرة – هذا الغضب، الّذي عمّ الرأي العام المصريّ، نتيجة تصريحات وزير العدل محفوظ جابر، الّتي أعلن فيها أنّ أبن عامل النظافة ليس من حقّه أن يعيّن في القضاء، والّذي لم تمرّ ساعات على تصريحاته، إلاّ وتمّ قبول استقالته، جاء ليذكّر المصريّين بتلك الحادثة البشعة لانتحار الشاب "عبد الحميد شتا" عن عمر 25 في 30 يوليو عام 2003. وبعدما تفوّق على 42 شاباً في امتحانات السلك الديبلوماسيّ (وظيفة ملحق تجاري ) في الخارجيّة المصريّة، تمّ رفضه لأنّه ينتمي إلى أسرة فلاّح فقير أو لأنّه "غير لائق إجتماعيّاً" بحسب الخارجيّة. جاءت الاستقالة استجابة للرأي العام في مصر الذي أعتبر تصريحات محفوظ حول ابن عامل النظافة عنصرية.

قال المستشار محفوظ صابر، وزير العدل، ردا على سؤال بشأن امكانية تعيين ابن عامل النظافة بالقضاء خلال حواره ببرنامج "البيت بيتك"، المذاع على قناة "تن"إن ابن عامل النظافة لن يصبح قاضيًا، لأن القاضي لا بد أن يكون قد نشأ في وسط مناسب لهذا العمل و لو أصبح قاضيًا سيتعرض لأزمات عدة، ولن يستمر في هذه المهنة، متابعًا: "أكثر الله خير عامل النظافة إنه ربى ابنه وساعده للحصول على شهادة، لكن هناك وظائف أخرى تناسبه".

وكان "شتا" قد قرّر أن يلقي بنفسه من على كوبري قصر النيل الشهير في وسط العاصمة، وربّما لا تكون لحظة يأس بقدر ما تكون لحظة قوّة وإصرار أراد بها "شتا" أن يصرخ في وجه هذا الظلم الواقع على الفقراء والتّمييز بينهم وبين الأغنياء في تقلّد الوظائف العامة.

أكّد ابن عامل النظّافة أنّ حظه ليس أوفر من "شتا" عندما لم ينتحر، لأنّ استقالة الوزير الّذي أعلن عن عدم السماح بتعيينه في القضاء لن تشفع له ولغيره من أبناء الطبقة الكادحة أمام تلك المعايير الصارمة لبعض الوظائف المحرّمة على الطبقات الفقيرة... ويعدّ الفيصل دائماً في قبول المتقدّمين إلى الوظائف في مؤسّسات القضاء والسلك الديبلوماسيّ والشرطة وضع أسرهم الإجتماعيّة، وهي الحقيقة الّتي أكّدها وزير العدل نفسه، عقب استقالته قائلاً: "هذا هو الواقع، وأنا مقتنع به".

وجاءت الاستغاثة التي أرسلها 138 من خريجي كلية الحقوق، دفعتي 2010- 2011، إلى الرئيس عبدالفتاح السيسى فى يونيو 2014 بسبب استبعادهم من قبل المجلس الأعلى للقضاء من تعيينات النيابة، رغم اجتيازهم جميع الاختبارات والمقابلات، لتؤكد أن انتحار "شتا" لايصال رسالته للمسئولين لم يغير شيئا من واقع التمييز عند تقلد الوظائف العامة.

وعن هذا التّمييز الطبقيّ في تولّي الوظائف في مصر، تحدّث الأمين العام للمجلس القوميّ لحقوق الإنسان حافظ أبو سعده لـ"المونيتور" فأكّد أنّ استقالة وزير العدل إن لم تكن قد عملت على تغيير واقع "ابن عامل القمامة" وضمان حصوله على الفرصة ذاتها لبقيّة المتقدّمين من أجل تولّي وظيفة في القضاء أو في السلك الديبلوماسيّ، إلاّ أنّها كانت مفيدة لأنّها سلّطت الضوء على قضيّة التّمييز في تولّي وظائف الدولة.

وكشف أبو سعده عن انتهاء المجلس القوميّ لحقوق الإنسان من مشروع قانون لمواجهة التمييز بكلّ أشكاله، خصوصاً في تقلّد الوظائف، والّذي سيترجم المادّة 53 من الدّستور المصري ("التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون")، ويضع قواعد تعطي الحق لأيّ مواطن يتعرّض إلى تمييز في رفع دعوى قضائيّة، وقال: "إنّ النصّ القانونيّ يتضمّن عقوبات جنائيّة، والقدرة على استرداد الحقّ في التعيين من خلال القضاء الإداريّ وإنشاء مفوضيّة للحماية من التمييز الإجتماعيّ". وأشار إلى أنّ القانون في انتظار انعقاد البرلمان الجديد لينظر به، وربّما تشجّع الواقعة الأخيرة الرّئيس على استصداره قبل البرلمان.

قال الرّئيس الأسبق للمجلس الأعلى في الشرطة اللّواء ماهر حافظ: "نركّز على اللّياقة الإجتماعيّة للمتقدّمين إلى كليّات الشرطة وذويهم حتّى الدرجة الرّابعة، ولا علاقة للأمر بالفقر والغنى، وإنّما بالبيئة حيث تربّى بها المتقدّم، لأنّها وظيفة تتعلّق بالسلم والأمن المجتمعيّّ".

وعن إمكان قبول ابن عامل النظافة لشغل وظيفة شرطيّ، قال: "بالفعل، إنّه أمر واقع بألاّ يقبل، ولكن ليس لأنّه فقير، واإنّما لأنّ طبيعة عمل والده تفرض عليه أن ينشأ في مجتمع " الزبّالين". إنّ المستوى الإجتماعي ّ، لا يعني الماديّ، وربّما يكون جامع القمامة دخله أعلى من موظّف بسيط، بينما يقبل ابن الأخير للتفوّق ودماثة الخلق". أضاف ماهر:" تصريحات "صابر"بشأن عدم ملائمة الوضع الاجتماعي ل" ابن عامل النظافة" لوظائف القضاء لم يكن يقصد بها اهانة مهنة عامل النظافة، وانما كان القصد الاعتراض على البيئة التي تربى فيها والتي بالضرورة ستنعكس على اسلوبه وشخصيته".

أمّا عن الشروط المتعلّقة بالوضع الإجتماعيّ عند الالتحاق بالعمل في السلك الديبلوماسيّ، تحدّثت إلى "المونيتور" السفيرة منى عمر، وهي مساعدة وزير الخارجيّة الأسبق وكانت إحدى أعضاء اللّجنة المعنيّة باختبارات القبول في الوزارة، فقالت: "بصراحة، هذه القضيّة شائكة جدّاً، إذ أنّ المقابلة الشخصيّة تشكّل عاملا كبيراً في نجاح المتقدّم، فالأمر يعتمد على الرؤية والتّقويم الشخصيّ، فأنا مقتنعة شخصيّاً بأنّ من حقّ أيّ شخص طالما تتوافر فيه الشروط الّتي تتطلّبها أيّ وظيفة أن يشغلها بغض النظر عمّن هو والده أو والدته، ولكن الواقع في الممارسة كان يفرض في أوقات كثيرة أن يكون الوضع الإجتماعيّ أحد العوائق الّتي نقابلها عند الاختيار بين المتقدّمين".

وأشارت عمر إلى أنّ هناك أمثلة تتعلّق بما يفرضه الوضع الإجتماعيّ على شخصيّة المتقدّم وتضع اللّجنة في اعتبارها أنّه سيمثّل بلاده، ومنها طريقة التحدّث والقدرة على التّواصل، وتعطي مثلاً بأنّ هناك متقدّمين يرفضون بسبب طريقة ارتداء ملابسهم، الّتي لا تتناسب مع وظيفة في السلك الديبلوماسيّ، لافتة إلى أنّ المسألة في مهنة كالقضاء قد تكون لها علاقة بالتخوّف من أن يفتح تعيين أبناء الفقراء باب الرشاوى لكونهم أكثر حاجة إلى المال.

وأكّدت أنّه لا توجد أيّ تعليمات تتعلّق بالمكانة الإجتماعيّة تفرض على اللّجنة المعنيّة بامتحانات القبول بالخارجيّة، فأحياناً يكون المتقدّم من أسرة مرموقة ويرفض، وقالت: "إنّ أبرز مثال على ذلك، ابني شخصيّاً، فهو من أسرة ديبلوماسيّة عريقة، ومع ذلك لم ينجح في اجتياز امتحان الإلتحاق بالخارجيّة مرّتين".

لم تمر ساعات على استقالة وزير العدل المتهم بالعنصرية  حتى اشتعلت صفحات التواصل الاجتماعي بمصر غضبا مرة أخرى اعتراضا على تعيين المستشار "أحمد الزند" رئيس نادي القضاة خلفا لوزير العدل المستقيل. وتصدر هاشتاج " الزند" الأعلى تداولا على تويتر ونظرا لأنه معروف عن الزند موقفه الذي يدعم هذا التمييز في تعيينات القضاء لأبناء القضاه على حساب أوائل الدفعات. ونشر المغردون تصرحات اعلامية سابقة للوزير الجديد يقول فيها "من يهاجم أبناء القضاة هم "الحاقدون والكارهون" ممن يرفض تعيينهم، وسيخيب آمالهم، وسيظل تعيين أبناء القضاة سنة بسنة ولن تكون قوة فى مصر تستطيع أن توقف هذا الزحف المقدس إلى قضائها".

إنّ ثورة التّعاطف الّتي خلّفتها تلك الإهانة الّتي وجّهت إلى ابن عامل النظافة في مصر وامتدّت للرأي العام العالميّ، وجعلت السفير البريطانيّ جون كاسن في مصر يعلن عن قبول ابن عامل النظافة للعمل في السفارةأمّا الواقع المؤلم فباقٍ وتفرضه ثقافة مجتمع بأكمله يؤمن بأنّ ابن عامل النظافة ليس من حقّه أن يجتهد ليصبح قاضياً، بينما ابن القاضي هو الأكثر قدرة على النجاح في القضاء... ولا عزاء لتكافؤ الفرص.

More from Walaa Hussein

Recommended Articles