تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل ما زالت مواسم الهجرة من العراق مفتوحة؟

Iraqi youths have lunch at a restaurant in eastern Baghdad May 4, 2014. Iraq is now gripped by its worst violence since the heights of its 2005-2008 sectarian war, and Sunni Islamist insurgents who target Shi'ites have been regaining ground in the country over the past year. But despite the instability, daily life continues in poor Shi'ite neighbourhoods of Baghdad such as Al-Fdhiliya and Sadr City - a sprawling slum marred by poor infrastructure and overcrowding. Picture taken May 4, 2014.  REUTERS/Ahmed J

ما زال الشباب العراقيّون يحلمون بالهجرة إلى خارج العراق، فهذا الحلم زرعته في قلوبهم الحروب المتعاقبة، إلاّ أنّ العنف الّذي تميّزت به سنوات ما بعد عام 2003 جعلته يمكث قويّاً. 

لقد خلّفت الحروب الّتي خاضها العراق موجات من الهجرة، فهذا ما حدث بعد الحرب العراقيّة – الإيرانيّة (1980-1988)، وعزّزها الغزو العراقيّ للكويت في عام 1990 وما تلاها من حصار وحرب، ثمّ حرب إسقاط الرّئيس العراقيّ صدّام حسين في عام 2003، ولم ينته الأمر عند هذا الحدّ، فمع تصاعد وتيرة الحرب بين القوّات العراقيّة ومسلّحي تنظيم "داعش" الّذين احتلّوا مدينة الموصل في العاشر من يونيو/حزيران من عام 2014، بات حلم الشباب المؤكّد هو البحث عن بيئة جديدة خارج الوطن.

وفي هذا السّياق، أشار الباحث الإجتماعيّ قاسم محمّد لـ"المونيتور" في بابل، إلى أنّ مشروع الهجرة بات جديّاً، لأنّ "الكثير من الشباب بات يعتقد أنّ الحرب في العراق تلد حرباً جديدة، وإنّ التطلّع إلى المستقبل في دول أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة هو الخيار الأفضل".

ولا يخفي لؤي حامد (23 سنة)، وهو المتخرّج من كليّة الزراعة في جامعة بغداد في عام 2012 هذا الأمر، لكنّه قال لـ"المونيتور": "إنّ التّفكير بالهجرة ليس كافياً، إذ لا بدّ من توافر المال اللاّزم لذلك، وهذا ما لا يمتلكه الكثير من الشباب. لقد جرّبت الهجرة إلى أوروبا في عام 2013، بعدما جمعت مبلغ أربعة آلاف دولار، فسافرت إلى الأردن ومكثت هناك بهدف البحث عن طريقة للهرب. والتقيت اثنين من المهرّبين، الّذي طلبوا مبلغ عشرة آلاف دولار مقابل تهريبي إلى ألمانيا أو هولّندا عبر اسطنبول في تركيا، ولأنّ المبلغ الّذي في حوزتي لا يكفي، اضطررت للعودة إلى بلدي".

وبحسب دراسة للمنظّمة الدوليّة للهجرة، أجريت في عام 2013، بالتّعاون مع وزارة الخارجيّة في الحكومة البريطانيّة، فإنّ فكرة الهجرة من العراق تستهوي 99 في المئة من الشباب في جنوب العراق، بينما تبلغ في إقليم كردستان 79 في المئة.

وإذا نجح الكثير من الشباب العراقيّ في الهجرة والوصول إلى أوروبا، فإنّ حظّ البعض الآخر سيء، كما هي حال الشاب أحمد سعد (30 سنة)، الّذي قال لـ"المونيتور": "إنّ محاولتي الهجرة إلى الفردوس الأوروبيّ في ديسمبر/كانون الأوّل من عام 2013 انتهت في لبنان، حين ابتزّني وسطاء مع المهرّبين وسرقوا منّي مبلغ ستة آلاف دولار، ممّا اضطرّني للعودة إلى العراق، بعد قضاء عام كامل في ذلك البلد".

وعن أسباب الهجرة، قال: "إنّ البطالة هي الّتي دفعتني إلى البحث عن مستقبلي خارج العراق، فرغم تخرّجي من معهد التّكنولوجيا في بغداد بعام 2011، إلاّ أنّي لم أحصل على وظيفة".

أضاف: "إنّ السبب الآخر، الّذي يدفع شباباً مثلي إلى الهجرة هو الشعور بعدم الاستقرار الأمنيّ والسياسيّ، وقد صحّت توقّعاتي في استمرار الفوضى الأمنيّة في العراق، إذ اجتاح تنظيم (داعش) مدينة الموصل في العاشر من يونيو/حزيران من عام 2014 أيّ بعد أشهر من عودتي من لبنان".

ومن جهته، أشار الكاتب والمحرّر في قسم المجتمع في جريدة "الصباح" العراقيّة قاسم موزان في حديثه لـ"المونيتور" إلى أنّ "الحلم بالهجرة إلى أوروبا لم يزل يداعب مخيّلة الشباب العراقيّين، يشاركهم في هذا، الشباب العرب المحاصرون بالبطالة وانعدام الحريّات، بحثاً عن الحريّة والأمن"، وقال: "إنّ الشباب المهاجرين يعتقدون أنّ دول الهجرة ستوفّر لهم الأمن والرّاحة النفسيّة، وتزيل عنهم الكبت الّذي يشعرون به، وسيمكّنهم هذا من تفجير طاقاتهم الإبداعيّة".

وأشار إلى أنّ "الحرب الّتي يشهدها العراق ضدّ تنظيم (داعش) راحت هي الأحرى تدفع الشبّاب إلى التّفكير بالهجرة".

وأيّد الباحث الإجتماعيّ أسامة الياسري ذلك، وقال لـ"المونيتور": "إنّ عامل الحرب دافع موقّت للهجرة من العراق، لكن الأسباب الطويلة الأمد تتمثّل في الفقر وانعدام فرص العمل. ومن هنا، يعتقد الشباب أنّهم سيجدون في بلاد الهجرة وضعاً أفضل".

وبحسب استطلاعاته الميدانيّة، أشار إلى أنّ "العراقييّن يفضّلون الهجرة إلى بلدان مثل ألمانيا، السويد، النرويج، فنلندا، بلجيكا، وهولّندا"، مؤكّداً أنّ "متابعاته تشير إلى أنّ السلطات العراقيّة لا تتوافر لديها دراسة إحصائيّة عن معدّل الهجرة إلى الخارج".

وفي الغالب، تتمّ عمليّات التّهريب إلى أوروبا عبر شبكات من مهرّبين ينقلون النّازحين غير الشرعييّن عبر الغابات بين حدود الدول، وعبر البحر بواسطة القوارب الصغيرة.

وهناك من يناقض فكرة أنّ الحرب على تنظيم "داعش" شجّعت على الهجرة، وأحد هؤلاء هو الرّئيس السّابق لمجلس أمناء شبكة الإعلام العراقيّ والكاتب والمحلّل السياسيّ حسن السيّد سلمان، الّذي قال لـ"المونيتور": "إنّ الهجرة انحسرت في الوقت الحاضر، وتضاءلت وتيرتها لأنّ الشباب في العراق منشغلون في التطوّع في صفوف المقاتلين".

وأكّد "عدم وجود إحصاءات دقيقة عن نسبة الهجرة والهجرة المعاكسة"، مشيراً إلى أنّ "الحديث عن الهجرة الكثيفة لشباب العراق له أهداف سياسيّة، ويراد منه وصف العراق بأنّه بلد غير آمن أو يعيش حالاً غير طبيعيّة".

وفي السّياق نفسه، قال مدير المكتب الإعلاميّ لمفوضيّة حقوق الإنسان في العراق جواد الشمري لـ"المونيتور": "إنّ وتيرة الهجرة إلى الخارج باتت أقلّ، بعد فتوى المرجعيّة الدينيّة في الجهاد ضدّ تنظيم (داعش)، في العاشر من يونيو/حزيران عام 2014، لأنّها جعلت الكثير من الشباب يفكّر في الدفاع عن بلده، فانخرط الكثير منه في الحشد الشعبيّ ومقاتلة هذا التّنظيم".