تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

نساء في غزّة يواجهن المجتمع والقانون من أجل حضانة أطفالهنّ

A Palestinian man carries his child on February 26, 2015 in Gaza City's al-Shejaiya neighbourhood next to buildings destroyed during the 50-day war between Israel and Hamas militants in the summer of 2014. More than 100,000 homes in the Gaza Strip were damaged or destroyed in Israeli bombardment during the 50-day conflict.  AFP PHOTO / MOHAMMED ABED        (Photo credit should read MOHAMMED ABED/AFP/Getty Images)

مدينة غزّة-قطاع غزّة، في 17 آذار/مارس الماضي، أثار اعتقال السلطات الأردنيّة مراسلة الجزيرة الإنجليزيّة، الأردنية من أصول فلسطيتية، رولا الأمين، بسبب مطالبتها بحضانة طفلتها البالغة من العمر5 سنوات، ضجّة إعلاميّة، بل وتضامناً من قبل النساء الفلسطينيّات. فتفاعلن مع القضيّة على وسائل التواصل الاجتماعيّ، ليس لأنّها سابقة خطيرة، أو لأنّهنّ أمّهات ونساء فحسب، بل لأنّها قضيّة تعكس واقع المرأة الفلسطينيّة التي تصرخ دائماً، لكن بلا صدى إعلاميّ، مطالبة بحضانة أطفالها.

فضّلت سحر (37عاماً) وهو اسم مستعار، بعدما طلّقها زوجها نتيجة الخلافات المستمرّة بينهما، العيش داخل غرفة أقامتها من القماش والخشب المتهالك قرب ركام منزلها الإسبستي، شرق مدينة غزّة، والذي قصف أثناء مرحلة الاجتياح البريّ خلال حرب الصيف الماضي، لتضمّ داخل تلك الغرفة أبناءها السبعة، وتحفظهم من التشتّت.

أمّا والدهم (طليقها)، فقد أقام بيتاً من الزينكو، على بعد أمتار من غرفتها القماشيّة، ويعيش فيه مع زوجته الجديدة، التي كانت تشاطرها بيتها قبل قصفه.

مشكلة سحر أنّ طلاقها غير مسجّل في المحكمة، وتخشى المطالبة القانونيّة بورقة طلاقها، خوفاً من انتقال حضانة الأطفال إلى زوجها الذي تركهم بعدما هجرها منذ سنوات ما قبل الطلاق، لتقوم بتربيتهم وحدها.

وتبيّن سحر أنّ "زوجها رفض بدوره إثبات الطلاق في المحكمة كي لا يتولّى مهمّة تربية الأبناء والإنفاق عليهم، بعدما تؤول الحضانة إليه مباشرة وفق القانون".

وتقول سحر لـ"المونيتور": "هو لا يريد أن يكون الأولاد في حضانته، ومسؤول عن نفقتهم، وفي الوقت ذاته يهدّدني بأخذ الأولاد منّي إن رفعت قضيّة لأطالب قانونيّاً بحضانتهم معي، لأنّه يعلم أنّني إن كسبتها سأطالبه بنفقتهم، الأمر الذي لا يريد تلبيته متذرّعاً بوضعه الاقتصاديّ". لذلك اضطرّت سحر إلى العمل في أعمال عدّة تعتمد على المهارة اليدويّة مع مؤسّسات أهليّة، كي تنفق على أبنائها.

وتذكر المحامية الشرعيّة في مركز شؤون المرأة في غزّة سهير البابا لـ"المونيتور": "وفقاً للقانون الفلسطينيّ، فإنّ حضانة الطفلة أقلّ من 9 سنوات، والطفل أقلّ من 7 سنوات تؤول إلى الأم، وبعد انتهاء هذه الفترة، تصبح الحضانة حقّاً شرعيّاً للأب".

وتبيّن البابا، قائلة: "يرفع بعض النساء قضايا، لكي يبقى الأطفال معهنّ بعد انتهاء السنّ القانونيّ لحضانة الأمّ، لكن وفق القانون، قد تمدّد حضانة الأمّ لسنتين فقط، حيث أنّ معظم القضاة في المحاكم الشرعيّة يحكمون بعموم القانون لصالح الأب، على الرغم من أنّه قد يكون أحياناً الأجدر أن يكون الأبناء في حضانة الأم".

وتشير: "لا يوجد نصّ قانونيّ يمنح المطلّقة الحقّ بحضانة أبنائها بعد بلوغهم السنّ القانونيّ الذي بموجبه ينتقلون إلى حضانة الأب، ممّا يستلزم وجود تعديلات قانونيّة، لكنّ المرأة الأرملة تستطيع حضانة أطفالها لمدّة مفتوحة في حال لم تتزوّج".

من جهّته، قال رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعيّ في غزّة حسن الجوجو، لـ"المونيتور": "لا بدّ من إعادة تقييم قانون الحضانة، وذلك لصالح المطلّقة التي حبست نفسها عن الزواج من أجل تربية أبنائها الذين تجاوزوا السنّ القانونيّ لحضانتها، ولا بدّ أن تقاس قضيّة هذه المرأة على المرأة الأرملة التي توفّي زوجها، حيث تحصل الأخيرة على الحضانة وفق القانون".

ويتوجّه العديد من النساء إلى مركز شؤون المرأة في غزّة، حيث تتولّى العيادة القانونيّة في المركز العديد من قضايا الحضانة، وخصوصاً من النساء اللواتي لا يستطعن توفير تكاليف رفع تلك القضايا في المحاكم.

أمّ محمّد (40 عاماً) هي إحدى تلك السيّدات، وقد توجّهت إلى العيادة القانونيّة في مركز شؤون المرأة كي ترفع "قضيّة ضمّ" بناتها اللواتي تجاوزن سنّ الحضانة كي يبقين معها، بعد أن رفع والدهم أيضاً قضية لضمهم إلى حضانته، لكنها لا تأتمن والدهنّ على تربيتهنّ. وعلى الرغم من تقديمها الأدلّة التي تبيّن عدم أهليّته لتربيتهنّ، إلّا أنّها خسرت القضيّة.

تقول أمّ محمّد لـ"المونيتور": "والدهنّ غير أمين على تربيتهنّ، فهو تزوج وتركهنّ لسنوات بلا نفقة، وكأنهن لم يعدن بناته، بحجة انه لا يعمل. قمت بتربيتهنّ وتعليمهنّ، وهو الآن سيتحكّم بمصيرهنّ وزواجهنّ، وهو لا يمتلك السكن المناسب، فهو يعيش في بيت صغير شمال القطاع بعيداً عن جامعتهن وأماكن عملهن، كما أنه قد يضطرهنّ للعمل كي ينفقن عليه وعلى زوجته الجديدة".

وتقول: "أبلغتني محاميّات المركز منذ البداية أنّ الأمل في كسب مثل هذه القضايا ضعيف، وفعلاً، وعلى الرغم من الأدلّة التي قدّمتها والتي تؤكّد عدم أهليّة والدهم لحضانتهنّ، لكنّ المحكمة قرّرت أن تكون الحضانة لصالح الأب".

وبذلك، باتت تستخدم قضيّة الضمّ والنفقة، كأداة ضغط على المطلّقات، حيث توضح أمّ محمّد: "بعدما كسب والدهنّ الحضانة، بقيت بناتي في استضافتي ورعايتي كما كان قبل أن يكسبها، فهو أراد كسب الحضانة لسبب واحد وهو أن تسقط عنه النفقة، بدليل أنه لم يطالب بتنفيذ الحكم وضمهن حتى الآن، وهذا ما أخشاه".

وتواصل:" ولو كسبت قضيّة الحضانة، كنت سأتمكّن من رفع قضيّة أخرى لأطالبه بالنفقة لهنّ وكسبها أيضاً، فأنا أبحث كثيراً عن عمل من أجل توفير مستلزمات حياتنا". 

وعندما سألت مراسلة "المونيتور" الشيخ الجوجو عن سبب الحكم لصالح الأب في مثل هذه الحالات، أوضح: "في إمكان مثل هذه السيّدة أن تلجأ إلى استئناف القضيّة، لكنّها في التأكيد تخشى أن يقوم الأب بتنفيذ الحكم بضمّ الأطفال إليه، بعدما كسبه قانونيّا".

وتفكّر السيّدة أمّ محمّد باستئناف قضيّة الضمّ، لكنّها تعبّر عن خشيتها من أن يكسبها الأب مرّة ثانية، قائلة: "حينها، أخشى أن يقوم بتنفيذ حكم الضمّ لأنّني رفضت تقديم تنازلات ماليّة له".

كما تواجه المرأة المطلّقة في المجتمع الفلسطينيّ معاناة شديدة في الاحتفاظ بأبنائها، إذ ينكر غالباً أهل المطلّقة حقّها بالاحتفاظ بأبنائها، وخصوصاً إذا لم تكن تملك العمل أو البيت الذي يؤويهم بعد طلاقها. وتعتبر تلك الأسر مسؤوليّة الأبناء واجباً على الأبّ، حتى لو لم يملك الأهليّة لتربيتهم التربية السليمة، لذلك فقد أخفت سحر حقيقة طلاقها عن أهلها في البداية.

لكنّ الأمر لم يدم طويلاً حتّى وصلهم الخبر، ممّا تسبّب في مشكلة أخرى، فتقول: "بعدما رفضت العودة إلى بيت عائلتي، قام إخوتي بإحضار الشرطة لكي تقوم بأخذي، وترك الأولاد لزوجي. فهم يرفضون فكرة أن أبقى مطلّقة ومسؤولة عن أبنائي. لكنّ بعض الأشخاص من عائلة طليقي وقفوا معي كي أبقى مع أبنائي لأقوم بتربيتهم، وبعد ذلك اليوم انقطعت العلاقات مع عائلتي، التي ترفض أن تتحمّل مسؤوليّتي أو مسؤوليّة أبنائي".

سحر وأمّ محمد وغيرهنّ العشرات وربّما المئات من النساء في غزّة يعشن تهميشاً اقتصاديّاً وقانونيّاً واجتماعيّاً، لأنهنّ قرّرن البقاء مع أبنائهنّ... وتبقى صرخاتهنّ بلا صدى مسموع، أو تغيير مأمول.

More from Hana Salah

Recommended Articles