تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"داعش" سقط كمشروع ولبنان يضرب بؤره الثلاث

A general view shows Roumieh prison, in Roumieh January 12, 2015. Lebanese forces stormed the country's largest prison on Monday where Islamist militants are detained, security sources said, as authorities searched for those behind a double suicide attack at the weekend. Interior Minister Nohad Machnouk headed to Roumieh prison east of Beirut early on Monday and told Reuters the crackdown came after intelligence showed some of the inmates were connected to the bombings, which killed eight. REUTERS/Mohamed A

يرسم مسؤول أمنيّ لبنانيّ كبير صورة متفائلة نسبيّاً حول الأوضاع الأمنيّة في لبنان. ففي حديث إلى موقعنا، يذكر المسؤول الذي طلب عدم كشف اسمه، أنّ العامل الأكثر مدعاة إلى التفاؤل، هو سقوط مشروع "داعش" في المنطقة، إذ يجزم أنّ هذه الجماعة التكفيريّة الإرهابيّة قد هزمت كمشروع دولة وكحلم خلافة، وذلك لأسباب عدّة، منها الفظاعات التي ارتكبها مسلّحوها في شكل مكثّف ومتسارع ومعمّم على كلّ المناطق التي سيطروا عليها، وهو ما أدّى إلى سقوط الحالة الشعبيّة السنيّة التي واكبت تقدّمها الأوّل في مناطق الموصل، وبعض مناطق سوريا في حزيران/يونيو الماضي، مثل المجزرة التي ارتكبها مسلحو داعش ضد قبيلة الشعيطات السنية، أو فرض الشريعة على مناطق سنية أخرى حاولت التعبير عن استيائها من تلك الممارسات وما رافقها من تصفيات وإعدامات. ومن أسباب سقوط "داعش" كمشروع أيضاً، نقزة الدول العربيّة المجاورة لانتشارها، خصوصاً في الخليج، وتحديداً في السعوديّة التي اعتبرت "داعش" خطراً حقيقيّاً على نظامها وعلى عائلتها الحاكمة وثرواتها. وصولاً أخيراً إلى المستوى الدوليّ، بعد تفشّي الإرهاب الداعشيّ في أكثر من دولة غربيّة مثل فرنسا وبلجيكا وغيرها، ممّا جعل الحرب الدوليّة عليه واجباً وضرورة ملحّة. كلّ ذلك تجسّد على الأرض في المواجهات العسكريّة القائمة بين إرهابيّي "داعش" ومثيلاته وبين الجيوش المختلفة التي تعمل على ضربه، من العراق إلى الأكراد إلى الجيش السوريّ وصولاً إلى التحالف الغربيّ وغاراته. كل هذا يشير إلى أن مشروع إقامة دولة داعش أو الخلافة الإسلامية قد تراجع. لكن داعش كجماعة مسلحة لا تزال قائمة في بعض المناطق. والمسؤول الأمني يعتبر أنها تحولت وسيلة في أيدي قوى دولية، تستخدمها لتحقيق أهداف تلك الدول، لا لمساعدتها على إقامة دولتها.

يتابع المسؤول الأمنيّ اللبنانيّ بالقول إنّ الصورة نفسها باتت ظاهرة في لبنان. ففي تموز/يوليو وآب/أغسطس الماضيين، كانت ثمّة مخاوف لدى السلطات اللبنانيّة، من مشروع جدّي لتمدّد إرهابيّي "داعش" ومثيلاته، من الحدود اللبنانيّة السوريّة شرقاً، نزولاً صوب الغرب أو الشمال الغربيّ، للوصول إلى البحر المتوسّط، وبالتالي إقامة إمارة لبنانيّة تابعة لخلافة "داعش". لكن، بعد أشهر من المواجهات العنيفة بين إرهابيّي "داعش" من جهّة، وبين الجيش اللبنانيّ ومقاتلي حزب الله من جهّة مقابلة، وبعد الضربات التي كان الإرهابيّون يتلقّونها في شكل متزامن في بلدان المنطقة، بات واضحاً للسلطات اللبنانيّة المعنيّة أنّ خطر إمارة "داعش" في لبنان قد تراجع جديّاً، إن لم يكن قد سقط نهائيّاً بحسب رأي المسؤول الأمني نفسه. وهذا ما سمح للقوى الأمنيّة في بيروت، بتوجيه سلسلة ضربات أو معالجات للبؤر الأمنيّة الإرهابيّة الكبرى التي كانت تشكّل خطراً على الوضع اللبنانيّ. ويشرح المسؤول نفسه أنّه منذ العام 2008، كانت السلطات الرسميّة اللبنانيّة قد وضعت تصنيفاً لثلاث بؤر أمنيّة تؤرق بيروت: تكفيريّو مدينة طرابلس شمال لبنان، الموقوفون الإسلاميّون في سجن رومية في جبل لبنان قرب بيروت، وأصوليّو مخيّم عين الحلوة للّاجئين الفلسطينيّين قرب مدينة صيدا في الجنوب اللبنانيّ. غير أنّ تراجع مشروع "داعش" في المنطقة، وانحسار موجته بين لبنان وسوريا، أدّيا إلى انكسار في الزخم المعنويّ لمناصري تلك الظاهرة الإرهابيّة. ففي طرابلس، تمّ ضرب المجموعات الإرهابيّة في شكل كبير، خصوصاً بعد معركة 25 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي . ثم جاءت المداهمة الشاملة لموقوفي سجن رومية من الإسلاميّين في 12 كانون الثاني/يناير لتقضي نهائيّاً على تلك "الإمارة التكفيريّة" في قلب جبل لبنان. وتشير موازين القوى بين الأطراف الفلسطينيّة المختلفة، إلى أنّه يمكن للسلطات الأمنيّة اللبنانيّة أن تطمئنّ إلى وضع مخيّم عين الحلوة، كما يقول المسسؤول نفسه، بحيث قد يستمرّ وقوع بعض الحوادث الأمنيّة المتفرّقة والإشكالات المحدودة أو الاعتداءات والتصفيات الفرديّة هناك، غير أنّ خروج المخيّم عن ضوابط العلاقة بين السلطات اللبنانيّة وتلك الفلسطينيّة مستحيل، وهي ضوابط كافية للتحكّم في وضع المخيّم الأكبر في لبنان، والأكثر كثافة سكانيّة في العالم ربّما، حيث يعيش نحو خمسين ألف لاجئ فلسطينيّ، أضيف إليهم نحو عشرين ألف لاجئ فلسطينيّ نازح من سوريا، كلّهم في مساحة قد لا تتعدّى الكيلومتر المربّع الواحد.

يتابع المسؤول الأمنيّ نفسه شارحاً، أنّ هذه المؤشّرات تسمح للسلطات اللبنانيّة بالاطمئنان إلى حدّ ما، ولو كانت الجبهة مع المسلّحين الإرهابيّين عند الحدود مع سوريا لا تزال مفتوحة. وهي جبهة شائكة ومعقّدة، ومن الصعب جدّاً حسمها في شكل سريع، حيث أنّ عوامل عدّة تجعل مهمّة كهذه مكلفة، منها طبيعة الأرض، ومنها الخروق الأمنيّة التي يستفيد منها الإرهابيّون، لجهّة تأمين خطوط إمدادهم من الخلف السوريّ. لكن على الرغم من ذلك، يجزم المسؤول نفسه أنّ الوضع هناك بات محكم السيطرة، حيث لا قدرة للإرهابيّين على تحقيق أيّ تقدّم. كما أنّ خياراتهم باتت بين دخولهم في مواجهات استنزاف تؤدّي إلى نهايتهم، وبين الانتقال داخل سوريا بحثاً عن ملاذات آمنة أخرى.

لكن، وفي سياق تلك القراءة بالذات، ماذا عن العسكريّين اللبنانيّين المحتجزين لدى هؤلاء الإرهابيّين؟