تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا لا يرسم الرسّامون الكاريكاتيريّون الإسرائيليّون محمّد

لم تغيّر المجزرة التي استهدفت مجلّة "شارلي إيبدو" الفرنسيّة الأسبوعيّة الساخرة عادة الرسّامين الكاريكاتيريّين الإسرائيليّين في الامتناع عن إهانة الإسلام، واختيار أهداف سياسيّة بدلاً من ذلك.
israelcartoon.jpg

يقول رسّام الكاريكاتير على الانترنت، أور رايكرت، الذي رسم في الماضي رسوماً كاريكاتيريّة لصحف إسرائيليّة بارزة ويدير اليوم صفحة شعبيّة على "فيسبوك": "بدأ الناس الآن يفهمون أهميّة الرسوم الكاريكاتيريّة، وأنّها أهمّ من عمود، وأنّ رسماً جيّداً وملائماً يمكن أن يكون معبّراً أكثر من الكلمات. كلّ ما هو بصريّ ينطبع في الذهن، وهذا هو مبتغانا. هناك بعض الذروات التي، وإن كانت محزنة، نفهم بفضلها قوّة الرسوم".

ترافق توزيع العدد الأوّل من مجلّة "شارلي إيبدو" بعد مجزرة 7 كانون الثاني/يناير في باريس في مكاتب المجلّة مع فضيحة صغيرة في إسرائيل في 25 كانون الثاني/يناير عندما أرادت شبكة "ستيماتسكي" لبيع الكتب بالتجزئة تنظيم حدث لبيع مئات النسخ. وقد أثار ذلك احتجاج عناصر مسلمة في إسرائيل، ما دفع وزير الخارجيّة ورئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان، إلى دعوة أتباعه الناشطين إلى شراء "آلاف النسخ" وتوزيعها مجّاناً، كعربون دعم لحريّة التعبير. وفي النهاية، ألغت "ستيماتسكي" الحدث، واكتفت ببيع العدد عبر الانترنت. وقد نفدت النسخ المحدودة في غضون دقائق.

لدى الرسوم الكاريكاتيريّة الإسرائيليّة تاريخ حافل، لكنّ القيود المفروضة على الرسّامين الكاريكاتيريّين في إسرائيل أكثر صرامة منذ البداية من تلك التي في فرنسا. فقانون العقوبات في إسرائيل يحظّر إهانة حساسيّات الدين والأخلاقيّات. وعلى الرغم من وجود سبل للتنصّل من هذه القيود، من الصعب أن نصدّق أنّ أيّ رسّام كاريكاتيريّ بارز في إسرائيل قد يهين النبيّ محمّد مباشرة، وأنّه سيجد دار نشر إسرائيليّة توافق على نشر رسم كهذا.

وقد يكون هذا هو بالضبط ما يقيّد الرسّامين الكاريكاتيريّين الإسرائيليّين: الرغبة في نقل النقد بطريقة مضمرة وضمنيّة إلى جمهور يستهلك أخباراً قويّة كلّ دقيقة. فمأساة "شارلي إيبدو" لفتت فجأة انتباه العامّة إلى الرسّامين الكاريكاتيريّين المحليّين أكثر من العادة.

ويقول أموس بيدرمان، الرسّام الكاريكاتيريّ في صحيفة "هآرتس" اليوميّة: "لا أعتقد أنّهم يستعملوننا بطريقة ملتوية. لقد أثارت مجزرة الرسّامين الكاريكاتيريّين في فرنسا صدمة حقيقيّة وصادقة. لم تتغيّر المعاملة اليوميّة التي نعامَل بها – إذا أسأتُ إلى أحدهم، أتلقّى دائماً تهديدات عبر تعليقات على "توتير" و"فيسبوك". يميل الناس إلى الشعور بالغضب بسبب رسم كاريكاتيريّ لأنّهم يفهمون المغزى منه بسرعة. وبالتالي، فهم يغضبون على الفور، من دون الحاجة إلى قراءة عمود مزعج".

من جهة أخرى، يقول يوناتان فاكسمان، رسّام الكاريكاتير في صحيفة "كالكاليست" الإسرائيليّة اليوميّة: "في البلدان الديمقراطيّة، يضطلع الرسّامون الكاريكاتيريّون دائماً بدور هامشيّ. وفي البلدان الأكثر دكتاتوريّة والتي تكون فيها حريّة التعبير أقلّ، يكون دور الرسّام الكاريكاتيريّ أكثر أهميّة ومركزيّة... من وجهة نظر الجمهور وأيضاً الحكومة".

ويقول بيدرمان: "لا يمكن أن أرسم رسوماً كاريكاتيريّة عن محمّد، ليس لأنّني أخاف أو بسبب تهديدات الإسلام المتشدّد العنيفة، بل لأنّ القاعدة الأساسيّة في الرسم الكاريكاتيريّ تقضي بانتقاد جماعتك الخاصّة. الله لا يهمّني، والمسيح لا يهمّني. هذا ليس شأني. إذا كانت لديّ شكاوى، فهي موجّهة ضدّ الحاخامات الذين بعضهم عنصريّ ومتحجّر وفاسد ولديه خوف من المثليّة الجنسيّة. أعتقد أيضاً أنّ تركيز الرسّامين الكاريكاتيريّين على محمّد يدعو إلى الاستغراب. أنا خائف بالطبع، لأنّ حياتي أهمّ بالنسبة إليّ من رسم كاريكاتيريّ، لكنّني لا أفهم الهوس. أنا اتعاطف [في عملي] مع ما حصل البارحة، ولديّ ردّ فعل عليه. مع محمّد، ليس هناك أيّ جديد، فلطالما كان ولطالما سيكون. وفي رأيي، ليس هناك أساس لنقد حديث".

ويوافقه فاكسمان الرأي، قائلاً: "أؤمن بالقاعدة غير المكتوبة القائلة بأنّه يمكننا أن نضحك في ما بيننا كعائلة. أمّا في ما يتعلّق بالعائلات الأخرى، فأترك لهم حريّة التصرّف بأنفسهم".

اختار فاكسمان التطرّق إلى "فضيحة ستيماتكسي" من خلال رسم كاريكاتيريّ على غلاف "شارلي إيبدو" يظهر فيه محمّد حاملاً يافطة. ففي رسم فاكسمان بتاريخ 26 كانون الثاني/يناير، يحمل ليبرمان يافطة كُتب عليها: "أنا انتهازيّ". وقال فاكسمان: "ما أردتُ قوله عن ليبرمان، عبّرتُ عنه في رسم كاريكاتيريّ. عدا عن ذلك، لقد أضيفَ فجأة بُعد جديد – وحشيّ وملتوٍ – إلى عمل كان يبدو البارحة عاديّاً، وربّما مسلياً. في النهاية، الرسّام الكاريكاتيريّ هو أشبه بضوء تحذيريّ واضح وملموس لمسألة أكبر بكثير. إنّ جريمة القتل في "شارلي إيبدو" كانت في الواقع التقاءً لحاضرتين متضاربتين".

ويعلن بيدرمان أنّه امتنع عمداً عن التطرّق إلى مجزرة "شارلي إيبدو" في اليوم التالي، قائلاً: "لم أشأ أن أدخل في موجة المدح المبتذل التي شهدناها بعد ذلك، وبكلّ الأحوال، ما أردتُ قوله كان أكثر جدية وأهمية". وبدلاً من الرسم، اختار بيدرمان كتابة مقال بعنوان "أخاف من الإسلام المتطرّف".

ويقول إنّ الخوف، في نظره، ليس هو ما يملي الرسوم الكاريكاتيريّة: "لأنّها مسألة ثقافة وموقف في إسرائيل. إنّها إهانة بذيئة لا علاقة لها بأيّ مسألة محدّدة".

ويقول رايكرت بدوره إنّه لا يريد التطرّق إلى محمّد: "لأنّ هذا ليس موقعي. أنا أنتقد بدلاً من أن أهين. مثلاً، قد أهاجم الإرهابيّين وطريقة تفكيرهم. ليس لأنّهم عرب، بل ببساطة لأنّ معظم الإرهابيّين الذين قتلوا يهوداً كانو من العرب".

ويقول فاكسمان: "عندما أريد أن أوصل رسالة إلى الجهات التي أنتقدها، أحاول أن أفعل ذلك بطريقة يمكن للجهة الأخرى أن تنظر إليها. عندما أرسم، أحاول ألا أرسم تلك الجهة بطريقة مبالغ فيها أو غريبة جداً. كلّما كنتُ فظّاً، أخسر مزيداً من الجمهور، وعندما تصل الرسوم إلى عدد أكبر من الناس، يبدو أنّ تأثيرها لا يكون لاذعاً كثيراً. هناك حدود وتفاصيل أكثر بكثير علينا التنبّه إليها. أحاول أن أحافظ على التوازن وأنجح في الوقت نفسه في تحقيق الهدف".

More from Yuval Avivi

Recommended Articles