تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

النساء الإيرانيّات يعملن ضمن نظام لاكتساب الحقوق

نظرًا لأهميّة الدّور الذي يلعبه الدين في إيران، قد يكون الحوار الديني السبيل الأمثل لتحقيق المساواة للمرأة.
Iranian women attend the 28th International Islamic Unity Conference chaired by the Iranian President in the capital Tehran on January 7, 2015. AFP PHOTO / ATTA KENARE        (Photo credit should read ATTA KENARE/AFP/Getty Images)

عانت النساء الإيرانيّات تمييزًا قانونيًا قبل ثورة العام 1979 وبعدها، والتبرير الأساسي لهذه القوانين التمييزيّة ضدّ النساء هو أنها تستند إلى الشريعة، ولذلك لا يمكن ولا يجوز الطّعن فيها. طوال عقود والنساء الإيرانيّات يحاربن لإثبات أنّ الشريعة لا تميّز المرأة بحدّ ذاتها، ويقمن بالطّعن في القوانين التمييزيّة، مؤكّدات أنّ المعايير والتقاليد الذكوريّة التي جرى إقحامها في القانون الإسلامي تحرم النساء من حقوق متساوية.

بالنسبة إلى النساء الإيرانيّات، تكمن مشكلة انعدام المساواة في التقاليد والتناقض الداخلي بين عقائد الشريعة ومعايير المجتمعات المسلمة، وهنّ يشدّدن على أنّ القرارات الدينيّة التي تضرّ بحقوق المرأة هي قراءة محدودة للفكر القانوني الإسلامي المرن. وإنّ نهج إشراك العلماء الإصلاحيّين لتقديم تفسيرات بديلة للشريعة أثبت فعاليّته إلى حدّ كبير في نشر وعي عام حول أصول هذه القوانين التمييزيّة.

لكن يبرز هنا سؤال مهمّ: هل يجب أن تعتمد النساء في العالم الإسلامي على الإسلام لإدخال التغييرات على الوضع القانوني الحالي للنساء؟ تجدر الإشارة إلى أنّ أكثريّة سكّان إيران هم من المسلمين بنسبة تفوق 90%، وإنّ الواقع الدّيمغرافي يفرض اللجوء إلى الحوار الديني للتعامل مع الطبيعة الجنسانيّة للقوانين الإيرانيّة. على سبيل المثال، ينصّ القرآن على "الطلاق بالتراضي"، موازنًا بذلك حقوق الزوجات في حالة الطلاق، ويجب استعمال هذا المبدأ أيضًا في معالجة عدم المساواة في المعاملة بين الرجال والنساء في حالات الطلاق.

في العام 2008، دافعتُ عن قضيّة طلبَت بموجبها موكّلتي الطلاق على أساس أنّها تكره زوجها، ولقد وضعها ذلك في موقف لا تُحسَد عليه سبّب لها ولعائلتها ضررًا كبيرًا. وفي المحكمة، بالإضافة إلى القانون المدني، قمت بمناقشة حكم "منع الضرر" الذي يقبله الإسلام كطريقة لتفادي المصاعب، ورجعت أيضًا إلى القرآن، الذي يسمح بـ"الطلاق بالتراضي"، وناقشت آراء بعض الفقهاء، مثل شهيد ثاني، وميرزاي قمي ويوسف صانعي، لأطلب من القاضي تطبيق القانون المدني الذي يتوافق مع القرآن ومنح موكّلتي الطلاق. ولحسن الحظّ، بعد جلسات محكمة مطوّلة، منحها القاضي الطلاق على أساس أنّ الاستمرار بهذا الزواج سيؤذي الزوجة. لكن يقوم قضاة محاكم الأسرة برفض الكثير من القضايا المشابهة سريعًا على أساس أنّها تفتقر إلى الأدلّة الكافية لمنح الطلاق، ويجب بالتالي الرّجوع إلى هذه السابقة في معالجة عدم المساواة في المعاملة بين الرجال والنساء في حالات الطّلاق.

أدخل الإسلام أيضًا حقّ المرأة بالحصول على نصيب محدّد من الميراث في وقت لم يكن من وجود لمثل هذا النظام، ما أحدث تغييرًا هائلاً في المجتمعات العربيّة. وفي حين أنّ إيران مجتمع تتغيّر فيه سريعًا المعايير المتعلّقة بوضع النساء الاجتماعي – تقدَّر نسبة تسجّل النساء والفتيات في مدارس تعليم القراءة والكتابة والمدارس الابتدائيّة بأكثر من 99% و100%، على التوالي، ويُقال إنّ التفاوت بين الجنسين يغيب بشكل شبه كامل في التعليم الثانوي والتعليم العالي – إنّ الحوار بشأن حقوق النساء له مكانه في الإسلام. هو حوار يتحدّى المسلمين المتشدّدين الذين يعارضون حقوق المرأة على أساس أنّ ذلك منافٍ للإسلام، ويتوجّه إلى حكومة ونظام قانوني يدّعيان أنّهما قائمان على قانون إسلامي. والحوار الإسلامي ضروري للشخص العادي الذي يرغب في الجمع بين معتقداته الدينيّة وإيمانه بحقوق الإنسان، والمساواة والكرامة، فهؤلاء الأشخاص هم القادرون على التمسّك بمبادئ حقوق الإنسان من دون التخلّي عن معتقداتهم الدينيّة. لذلك، ومن أجل بناء تيار واسع وتوحيد الأشخاص أصحاب التفكير المماثل، من المهمّ أن تكون قادرًا على التأكيد أنّ الإسلام وحقوق الإنسان لا يستبعدان أحدهما الآخر وأنّ الإسلام يدعم حقوق الإنسان.

هذا ليس حديثًا جانبيًا، فقد أصدر الكثير من الزعماء الدينيّين وآيات الله العظمى فتاوى تسعى إلى إصلاح القوانين التمييزيّة الحاليّة. وقال آية الله موسوي تبريزي، الأمين العام لمجمع باحثي وعلماء حوزة قم، إنّه يمكن إصلاح القوانين التمييزيّة ضدّ النساء. وفي العام 2007، قال، "لدينا الكثير من القوانين التي تتطرّق إلى وضع النساء أو حتّى الرجال والتي يجب إصلاحها وفق الحاجات الحاليّة بهدف التماشي مع حاجات المواطنين وتلبيتها. وفي ما يتعلّق بالنساء، يمكن في الواقع تغيير ... قوانين مثل [الغرامات على الأذى الجسدي]، والميراث، وحضانة الأطفال، والطلاق؛ وإنّ هذه الإصلاحات والتغييرات لا تتعارض مع الشريعة بأيّ شكل من الأشكال". وفي شهر كانون الثاني/يناير 2008، قام آية الله العظمى مظاهري، وهو عالم دين مشهور في أصفهان، بإصدار فتوى تشرّع الإجهاض للنساء اللواتي حملن خارج إطار الزواج. وفي شباط/فبراير 2008، أصدر صانعي فتوى تعلن أنّه ينبغي للمرأة أن ترث الأراضي من زوجها المتوفّي، وقد أتت هذه الفتوى كردّ على السؤال: "إذا توفّي الرّجل ولم يكن من وريث سوى زوجته، ما الحصّة التي يجب أن تعطى لزوجته؟" فأجاب صانعي إنّه عند وفاة رجل من دون أن يكون له أيّ ورثة غير زوجته، تصبح الزوجة الوريث الوحيد لجميع أصوله. وهذا مستمدّ بشكل واضح من [القرآن] الذي يفيد: "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ممّا قلّ منه أو كثر نصيبًا مفروضًا".

شكّل حشد دعم رجال الدين البارزين هؤلاء إنجازًا مهمًا للناشطات الإيرانيّات في مجال حقوق المرأة، إنجازًا مكّنهنّ من الردّ على مزاعم الحكومة بأنّ أنشطتهنّ "منافية للإسلام". ولقد قال بعض العلماء الإسلاميّين صراحة إنّ مطالب الحركة النسائيّة في إيران لا تخالف المبادئ الإسلاميّة على الإطلاق، وإنّه يجب تغيير القوانين القديمة على ضوء وضع النساء الحالي. نذكر آية الله فاضل ميبدي، عضو المجلس المركزي لمجمع باحثي وعلماء حوزة قم، الذي قال في العام 2007، "إنّه يمكن إصلاح المبادئ المتعلّقة بالقوانين المدنيّة والجنائيّة ... فضلاً عن المبادئ المتعلقّة بالفقه التقليدي". وأضاف، "إذا كان تعدّد الزوجات أمرًا مألوفًا منذ 13 قرنًا أو كان يُنصح بتزويج الفتيات في عمر التاسعة، ففي يومنا وعصرنا الحالي، ونظرًا لمبادئ العدالة والظروف الاجتماعيّة الحاليّة، علينا الإقرار بأنّ هذه الممارسات لم تعد مقبولة".

مارست هذه المراسيم الدّينيّة الضغط على النظام السياسي ليتغيّر، وفي العام 2009 مثلاً، وافق البرلمان الإيراني أخيرًا على قانون يسمح للمرأة بوراثة ملكيّات الأراضي من زوجها المتوفّي.

قالت مناصرة حقوق المرأة وحائزة جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي في مقابلة معها في العام 2004، "ليس الإسلام هو السبب في مشاكل النساء الإيرانيّات؛ بل هي الممارسات الذّكوريّة المتجذّرة في الثقافة الإيرانيّة والمنتقلة من جيل إلى آخر". وأشارت إلى أنّ النساء نفسهنّ ساهمن إلى حدّ كبير في الحفاظ على هذه الممارسات الذكوريّة.

على الرّغم من هذه الانتصارات الصّغيرة، تبقى حقوق المرأة مسألة لا يمكن تغييرها بسهولة أو بسرعة حتّى داخل النظام القانوني والسياسي لجمهوريّة إسلاميّة. وهذا أيضًا درس تعلّمناه من العهد الإصلاحي في إيران الممتدّ من العام 1997 وحتّى 2001، والذي حاول في خلاله بدون جدوى كلّ من الناشطات في مجال حقوق المرأة والسياسيّين الإصلاحيّين أن يدفعوا إيران إلى الانضمام إلى اتّفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، وهي المعاهدة الأساسيّة لحقوق الإنسان التي تحفظ حقوق المرأة وتضمن حقّها بالمساواة. بالإضافة إلى ذلك، انبثق عن النزاع السياسي نقص في الإرادة السياسية يعيق إصلاحات حقوق المرأة في النظام القانوني في إيران. لكنّ تبنّي استراتيجيّة قائمة على الشريعة يدعمها رجال دين بارزون من أجل محاربة القوانين التمييزيّة التي يبرّرها تفسير الحكومة للشريعة، ثبت أنّه طريقة فعّالة للحصول على دعم الرأي العام. لكن بطبيعة الحال، هذه ليست مسألة يمكن حلّها بين ليلة وضحاها، فهي تتطلّب نهجًا ثابتًا ومنتظمًا.

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial