تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأزمات الماليّة تجبر الغزّيين على بيع أثاث منازلهم

A Palestinian woman standing outside her damaged house watches a demonstration calling for Gaza reconstruction and against the United Nations decision to suspend payments for Palestinians, whose houses were damaged or destroyed during a 50-day war with Israel last summer, in Biet Hanoun in the northern Gaza Strip January 30, 2015. The main U.N. aid agency in the Gaza Strip said on Tuesday a lack of international funding had forced it to suspend payments to tens of thousands of Palestinians for repairs to ho

مدينة غزّة — دفع ضيق سبل العيش والحاجة، المواطن خالد سليم (48 عاماً) إلى بيع جزء من أثاث منزله، بثمن بخس، من أجل توفير حاجات أفراد أسرته الضروريّة ومنعهم من التسوّل.

ويقول سليم الذي يعمل في مصنع للباطون دمّر خلال الحرب على غزّة لـ"المونيتور": "لم تعد أمامي خيارات سوى بيع أثاث منزلي، حيث نفدت الأموال التي ادّخرتها كافّة، ولم تتبقّ أيّ أموال لشراء حاجات أسرتي المعيشيّة، والدواء الخاصّ بزوجتي المريضة بالسرطان".

وأوضح أنّه قام ببيع أسرّة النوم الخاصّة بأسرته التي باتت تنام على الأرض، مشيراً إلى أنّ بقاءه من دون عمل سيجبره على بيع ثلّاجة الطعام في القريب العاجل، وأضاف بنبرة مليئة بالحسرة: "ما فائدة ثلّاجة الطعام وهي بلا طعام؟".

وتعكس حكاية خالد سليم الذي يسكن مدينة غزّة، المعاناة التي يعيشها معظم سكّان القطاع البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة، حيث يعيشون في ظلّ أزمات ماليّة خانقة ومتعدّدة، انعكست على الوضع الاقتصاديّ الفلسطينيّ المدمّر أصلاً، وجرّته إلى مستويات خطيرة للغاية.

وعن هذه الأزمات، يوضح الخبير الاقتصاديّ سمير حمتو، أنّها ناجمة عن ظروف سياسيّة واقتصاديّة عدّة، من بينها الحصار الإسرائيليّ والحرب على غزّة، وإغلاق الأنفاق الحدوديّة مع مصر ومعبر رفح البريّ، فضلاً عن الخلافات السياسيّة بين حركتي حماس وفتح، والأزمة الماليّة التي تعصف بمؤسّسات السلطة الفلسطينيّة في الوقت الجاري.

وقال حمتو لـ"المونيتور": "تسبّب الحصار الإسرائيليّ المستمرّ منذ 8 سنوات، في خلق واقع معيشيّ مأساويّ، ومن ثمّ جاءت الحرب ودمّرت المنشآت الاقتصاديّة والتنمويّة كافّة، ونشرت مظاهر اليأس والإحباط في كلّ مكان".

وتقول مديرة المؤسّسة المصرفيّة الفلسطينيّة وصندوق التنمية الفلسطينيّ في قطاع غزّة نبراس بسيسو، في مقابلة مع تلفزيون وطن المحلي، نشرت في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي: "تسبّب العدوان الإسرائيليّ على قطاع غزّة في تعطّل ما يقارب الـ12000 عامل نتيجة تدمير المنشآت الصناعيّة، إضافة إلى تعطّل 1200 عامل آخر بسبب إغلاق الأنفاق الحدوديّة مع مصر".

وأضافت: "هناك 110 آلاف خريج جامعيّ بلا عمل، في حين تخرّج مؤسّسات التعليم العالي حوالى 30 ألف طالب وطالبة يضافون إلى قائمة العاطلين عن العمل، ولا توجد فرص عمل لهم، لأنّ القطاع العامّ لا يستوعب وظائف جديدة، حيث أنّه متخم بموظّفي السلطة الفلسطينيّة وموظّفي حكومة حماس". وأفادت في الوقت ذاته أنّ "السلطة الفلسطينيّة لا تستطيع استيعاب أكثر من 7% سنويّاً من الخرّيجين".

وتبلغ نسبة البطالة (كلّ من يبلغ 15 عاماً وأكثر من دون مزاولة أيّ عمل، كما التعريف الفلسطينيّ) في قطاع غزّة 42.8%، فيما تبلغ نسبة الفقر 65%، وفقاً لإحصاءات الربع الرابع من عام 2014 التي أوردها الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ.

في سوق فراس الشعبيّ وسط مدينة غزّة، وقف الشاب محمّد الأعرج (29 عاماً) أمام جهاز حاسوب آليّ، وأرجوحة أطفال صغيرة، وقد وضع عليهما لوحة كتب عليها "للبيع".

وقال الأعرج الذي يسكن مدينة غزّة ويعمل معلّماً في إحدى المدارس الابتدائيّة لـ"المونيتور": إنّ رفض حكومة التوافق صرف رواتب الموظّفين المعيّنين في حقبة حكومة حماس السابقة، أرهقني فقراً وجعلني غير قادر على توفير الحاجات الضروريّة لأسرتي المكوّنة من 4 أفراد بينهم طفلان".

وأشار إلى الأرجوحة، وقال إنّها كانت هديّة من والدته عندما أنجب طفله الأوّل قبل عامين، وأضاف: "إنّني ببيع هذه الأرجوحة، أحرم أطفالي من اللعب، ولكنّ الحاجة الماسّة أجبرتني على بيعها لأنّها تعدّ من الكماليّات، وأكثر ما أخشاه أن تستمرّ هذه الأزمة الماليّة لتجبرني على البدء في بيع الأغراض المهمّة والتي لا يمكن الاستغناء عنها".

وهناك نحو 42 ألف موظّف عيّنتهم حركة حماس خلال فترة حكمها قطاع غزّة بين عامي 2007 و2014، يعانون حياة معيشيّة صعبة نتيجة عدم صرف حكومة الوفاق رواتبهم منذ تولّيها الحكم في حزيران/يونيو 2014، وفقاً للمحلّل السياسيّ إياد عطاالله.

وقال عطاالله لـ"المونيتور": "هؤلاء الموظّفون هم ضحيّة الخلافات السياسيّة بين حركتي حماس وفتح. وبسبب استمرار هذه الخلافات، تبدو اتّفاقات المصالحة كافّة مجمّدة إلى أجل غير مسمّى".

وبيّن أنّ عدم تلقّي أولئك الموظّفين رواتبهم، تسبّب في خلق مظاهر اجتماعيّة واقتصاديّة عدّة في المجتمع الفلسطينيّ، من بينها توجّه الموظّفين إلى بيع أثاث منزلهم، مشيراً إلى أنّ استمرار هذه الأزمة سيزيد من اتّساع ظواهر سلبيّة مثل التسوّل.

ومن جهّة أخرى، تعاني السلطة الفلسطينيّة من عجز كبير في مواردها الماليّة إثر القرار الإسرائيليّ بتجميد تحويل عائدات الضرائب لها في الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي، والتي تبلغ 127 مليون دولار شهريّاً، ردّاً على توجّهها للانضمام إلى محكمة الجنايات الدوليّة.

وأفاد وزير الماليّة الفلسطينيّ شكري بشارة خلال ندوة عقدها البنك الدوليّ في الثاني عشر من فبراير الحالي، لمناقشة الأثر الماليّ نتيجة القرار الإسرائيليّ، بأنّ السلطة الفلسطينيّة تفقد من خلال حجز هذه الأموال 70% من مواردها الماليّة، وقال: "سيؤدّي هذا الإجراء المجحف إلى تبعات قد تكون غير محسوبة".

وكان صندوق النقد الدوليّ قد عبّر في الثلاثين من كانون الثاني/يناير الماضي، عن خشيته من تداعيات القرار الإسرائيليّ، وقال في بيان له: "انكمش النشاط االقتصادي في عام 2َ014، عقب الحرب التي شهدتها غزة في فصل الصيف وتصاعد التوترات السياسية في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وتقِّدر البعثة أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي هبط بنحو 1% في أول انكماش يسجله منذ عام 2006".

وبالنسبة إلى سمير حمتو، فإنّ "تجميد تحويل أموال الضرائب الخاصّة بالسلطة يعدّ قرصنة إسرائيليّة تهدف إلى تجفيف منابع المال ومصادره للفلسطينيّين لتشديد الحصار عليهم".

وأوضح أنّ هذا الإجراء أثّر في شكل كبير على شريحة الموظّفين التابعين للسلطة الفلسطينيّة وعلى عائلاتهم، مشيراً إلى أنّ المواطن بات يتّجه إلى الاستدانة من الآخرين من أجل توفير حاجات منزله، كما بات مضطرّاً إلى بيع مقتنيات عائلته الخاصّة من أجل سداد هذه الديون.

وحتّى حلّ المشاكل السياسيّة والاقتصاديّة كافّة التي تسبّبت بهذه الأزمات الماليّة، يتوجّب على المواطنين اتّباع إجراءات تقشّفية صارمة، والحرص على توفير أدنى المتطلّبات الحياتيّة.