تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

آلو... وسيط الخاطفين على الخطّ!

A general view shows Roumieh prison, in Roumieh January 12, 2015. Lebanese forces stormed the country's largest prison on Monday where Islamist militants are detained, security sources said, as authorities searched for those behind a double suicide attack at the weekend. Interior Minister Nohad Machnouk headed to Roumieh prison east of Beirut early on Monday and told Reuters the crackdown came after intelligence showed some of the inmates were connected to the bombings, which killed eight. REUTERS/Mohamed A

وحدها المصادفة شاءت أن يكون "المونيتور" شاهداً على مكالمة هاتفيّة بين مسؤول حكوميّ لبنانيّ والوسيط الّذي يتولّى الاتّصال بالمجموعات الإرهابيّة في جرود عرسال، عند الحدود الشماليّة - الشرقيّة للبنان. أمّا مضمون المكالمة فهو متابعة البحث في قضيّة العسكريّين اللبنانيّين الأسرى لدى تلك المجموعات منذ 2 آب الماضي.

لقد كانت الساعات الستّ والثلاثين قد مضت على عمليّة اقتحام سجن روميه المركزيّ قرب بيروت، وهي العمليّة الّتي نفذتها القوى الأمنيّة التّابعة لوزارة الداخليّة اللبنانيّة، الاثنين في 12 كانون الثاني الجاري، وهدفت إلى السيطرة على زنزانات الموقوفين من الإسلاميّين المتطرّفين في السجن المذكور وفصلهم عن بعضهم. وجاءت هذه العمليّة بدورها، ردّاً على اكتشاف السلطات اللبنانيّة اتّصالات محتملة بين هؤلاء الموقوفين وبين الانتحاريّين الّلذين نفّذا هجوماً إرهابيّاً مزدوجاً على الحيّ العلويّ في مدينة طرابلس بشمال لبنان، غروب السبت في 10 الجاري. وكان المسؤول الحكوميّ اللبنانيّ، الّذي طلب عدم الكشف عن اسمه، يروي لموقعنا أنّ المجموعات المسلّحة في جرود عرسال غابت عن السمع منذ اقتحام السجن. وطيلة 36 ساعة، لم يتّصل أيّ منهم بالوسيط. صمت طويل مقلق، خصوصاً أنّه أعقب صدور أخبار إعلاميّة من جهة الإرهابيّين، عن تهويلهم بالانتقام لعمليّة السجن، من العسكريّين الأسرى لديهم.

وفجأة، علت نغمة خاصّة من الهاتف الخلويّ للمسؤول الحكوميّ، فتوقّف فوراً عن الكلام، واتّخذت وجهه تقاسيم جديّة، قبل أن تظهر ابتسامة خفيفة على عينيه: "إنّه الوسيط"، قال لنا. سيطرت لحظة من القلق قبل أخذ الاتّصال. وبعد انقطاع التّواصل مع المسلّحين وتضارب المعلومات والمعطيات، قد تكون المكالمة الوشيكة مفتوحة على احتمالين: إمّا لإبلاغ العودة إلى المفاوضات بين الحكومة اللبنانيّة والإرهابيّين، وإمّا لإعلان اسم ضحيّة جديدة قرّر الإرهابيّون تصفيتها انتقاماً. ثوانٍ قليلة، فتح بعدها المسؤول اللبنانيّ هاتفه، وبدأ الكلام. وعلى مدى دقائق طويلة بطيئة، كان المسؤول مستمعاً والوسيط متكلّماً، وبضع عبارات استفهام قليلة من جهة المسؤول، ووقت طويل لأجوبة الوسيط، ولقبه أبو أحمد. تنتهي المخابرة، يتنفّس المسؤول عميقاً معبّراً عن ارتياح نسبيّ: لا أخبار سيئة لحسن الحظ، فلم يقتلوا أحداً، لكن التفاوض لا يزال متوقّفاً.

يبعد المسؤول الحكوميّ هاتفه بحركة لا شعوريّة، ثمّ يتابع كلامه إلى موقعنا. وبداية، يقول إنّ العاملين اليوم على خطّ الوساطة بين الحكومة اللبنانيّة والمسلّحين شخصان اثنان لا غير، وكلاهما لبنانيّان. أمّا الوسيط القطريّ الّذي تولّى التّفاوض في فترة سابقة، واسمه أحمد الخطيب، فانتهى دوره كليّاً، بعدما أعلنت الدّوحة وقف وساطتها في هذه القضيّة. ومن الجهة المقابلة، هناك طرفان أيضاً، "جبهة النّصرة" الّتي يمثّلها في الجرود زعيم مسلّحيها هناك المدعو أبو مالك التلّة، و"داعش" التي كان يمثّلها حتى وقت قريب مسؤول عن مسلّحيها يحمل لقب عبد السلام، لكن الأخير استدعي قبل مدّة إلى الداخل السوريّ ليشغل مهامّاً أخرى، بحسب ما نقل الوسيطان إلى المسؤول نفسه. وبعد انتقاله، تأخّرت قنوات الاتّصال مع "داعش"، في انتظار معرفة هويّة المسؤول الجديد.

فكيف بدأت قنوات الاتّصال مع المسلّحين؟ يجيب المسؤول: "إنّ التحوّل الأكثر أهميّة كان عندما اكتشفنا أنّ هناك موقوفاً إسلاميّاً في سجن روميه، يمثّل مرجعاً فقهيّاً مرموقاً بالنّسبة إلى المسلّحين. لقد كان ن.ج.، بحسب الحرفين الأولين من اسمه، حاضراً دائماً على لوائح أسماء السجناء الّذين يطالب المسلّحون بإطلاق سراحهم، وكان من القائلين دينيّاً بمذهب "فقه الواقع"، وهو اجتهاد دينيّ لدى الأصوليّين يسمح بالتكيّف مع المعطيات الموضوعيّة. وبالتّالي، يجيز التّوفيق بين العقائد الدوغماتيّة للأصوليّين وظروفهم العمليّة. لذلك، كان الرجل قابلاً للحوار، ومستعدّاً لإقناع المسلّحين به. وبعدها، تأكّدنا من مصادرعدّة أنّ الرجل يملك قدرة تأثير نسبيّة على هؤلاء. فتحقّقنا من وضعه القانوني، ليتبيّن لنا أنّه لا يزال موقوفاً في مرحلة التّحقيق، ولم يصدر أيّ حكم قضائيّ في حقّه، علماً أنّ الملف المشتبه به ليس جنائيّاً. لقد أجرينا سلسلة اتّصالات مع الجهات الحكوميّة والقضائيّة المعنيّة، وتوصّلنا إلى إطلاق سراحه. إنّ الرجل لبنانيّ، وهو من قرية بقاعيّة قريبة من مناطق وجود المسلّحين. وهكذا عاد "الشيخ" المخلى سبيله المذكور إلى بيته. ومن هناك، بدأ يساعدنا في الاتّصال بالمسلّحين والتفاوض معهم، لكن الشرط الأوّل لعمليّة التفاوض كان وقف تصفية الأسرى".

إشارة هنا إلى أنّ المسلّحين الإرهابيّين كانوا قد قاموا منذ أسر العسكريّين اللبنانيّين في 2 آب 2014، بتصفية أربعة منهم: علي السيّد في 29 آب، وعباس مدلج في 7 أيلول ومحمد حميّة في 19 أيلول أيضاً، وعلي البزّال في 5 كانون الأوّل من العام الماضي. فضلاً عن قيام "جبهة النّصرة" في 31 آب بإطلاق سراح خمسة أسرى آخرين كانوا لديها، وهو ما جعل عدد العسكريّين الذين لا يزالون في الأسر لدى الطرفين 25.

لقد توقّفت سلسلة تصفية العسكريّين الأسرى منذ أكثر من شهر، حتّى عاد التهديد باستئنافها بعد عمليّة سجن روميه الأخيرة، لكن المسؤول الحكوميّ يبدو أكثر اطمئناناً بعد الاتّصال الأخير من وسيطه. ويقول أنّ أسساً عامّة كانت قد وضعت لعمليّة التّفاوض، وأنّ تفاصيل كثيرة كانت قد باتت موضع البحث، لكن الأهمّ أنّ المسلّحين كانوا بدأوا يتّجهون نحو أولويّات أخرى غير لبنانية. فما هي تلك الأسس؟ وأيّ أولويّات مستجدّة لدى الإرهابيّين؟

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles