وحدها المصادفة شاءت أن يكون "المونيتور" شاهداً على مكالمة هاتفيّة بين مسؤول حكوميّ لبنانيّ والوسيط الّذي يتولّى الاتّصال بالمجموعات الإرهابيّة في جرود عرسال، عند الحدود الشماليّة - الشرقيّة للبنان. أمّا مضمون المكالمة فهو متابعة البحث في قضيّة العسكريّين اللبنانيّين الأسرى لدى تلك المجموعات منذ 2 آب الماضي.
لقد كانت الساعات الستّ والثلاثين قد مضت على عمليّة اقتحام سجن روميه المركزيّ قرب بيروت، وهي العمليّة الّتي نفذتها القوى الأمنيّة التّابعة لوزارة الداخليّة اللبنانيّة، الاثنين في 12 كانون الثاني الجاري، وهدفت إلى السيطرة على زنزانات الموقوفين من الإسلاميّين المتطرّفين في السجن المذكور وفصلهم عن بعضهم. وجاءت هذه العمليّة بدورها، ردّاً على اكتشاف السلطات اللبنانيّة اتّصالات محتملة بين هؤلاء الموقوفين وبين الانتحاريّين الّلذين نفّذا هجوماً إرهابيّاً مزدوجاً على الحيّ العلويّ في مدينة طرابلس بشمال لبنان، غروب السبت في 10 الجاري. وكان المسؤول الحكوميّ اللبنانيّ، الّذي طلب عدم الكشف عن اسمه، يروي لموقعنا أنّ المجموعات المسلّحة في جرود عرسال غابت عن السمع منذ اقتحام السجن. وطيلة 36 ساعة، لم يتّصل أيّ منهم بالوسيط. صمت طويل مقلق، خصوصاً أنّه أعقب صدور أخبار إعلاميّة من جهة الإرهابيّين، عن تهويلهم بالانتقام لعمليّة السجن، من العسكريّين الأسرى لديهم.
وفجأة، علت نغمة خاصّة من الهاتف الخلويّ للمسؤول الحكوميّ، فتوقّف فوراً عن الكلام، واتّخذت وجهه تقاسيم جديّة، قبل أن تظهر ابتسامة خفيفة على عينيه: "إنّه الوسيط"، قال لنا. سيطرت لحظة من القلق قبل أخذ الاتّصال. وبعد انقطاع التّواصل مع المسلّحين وتضارب المعلومات والمعطيات، قد تكون المكالمة الوشيكة مفتوحة على احتمالين: إمّا لإبلاغ العودة إلى المفاوضات بين الحكومة اللبنانيّة والإرهابيّين، وإمّا لإعلان اسم ضحيّة جديدة قرّر الإرهابيّون تصفيتها انتقاماً. ثوانٍ قليلة، فتح بعدها المسؤول اللبنانيّ هاتفه، وبدأ الكلام. وعلى مدى دقائق طويلة بطيئة، كان المسؤول مستمعاً والوسيط متكلّماً، وبضع عبارات استفهام قليلة من جهة المسؤول، ووقت طويل لأجوبة الوسيط، ولقبه أبو أحمد. تنتهي المخابرة، يتنفّس المسؤول عميقاً معبّراً عن ارتياح نسبيّ: لا أخبار سيئة لحسن الحظ، فلم يقتلوا أحداً، لكن التفاوض لا يزال متوقّفاً.
يبعد المسؤول الحكوميّ هاتفه بحركة لا شعوريّة، ثمّ يتابع كلامه إلى موقعنا. وبداية، يقول إنّ العاملين اليوم على خطّ الوساطة بين الحكومة اللبنانيّة والمسلّحين شخصان اثنان لا غير، وكلاهما لبنانيّان. أمّا الوسيط القطريّ الّذي تولّى التّفاوض في فترة سابقة، واسمه أحمد الخطيب، فانتهى دوره كليّاً، بعدما أعلنت الدّوحة وقف وساطتها في هذه القضيّة. ومن الجهة المقابلة، هناك طرفان أيضاً، "جبهة النّصرة" الّتي يمثّلها في الجرود زعيم مسلّحيها هناك المدعو أبو مالك التلّة، و"داعش" التي كان يمثّلها حتى وقت قريب مسؤول عن مسلّحيها يحمل لقب عبد السلام، لكن الأخير استدعي قبل مدّة إلى الداخل السوريّ ليشغل مهامّاً أخرى، بحسب ما نقل الوسيطان إلى المسؤول نفسه. وبعد انتقاله، تأخّرت قنوات الاتّصال مع "داعش"، في انتظار معرفة هويّة المسؤول الجديد.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.