تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل بدأت حرب تكسير العظام ضدّ قضاة "الإخوان"؟

Judge Shaaban al-Shami (top 2nd L), head of the Cairo Criminal Court, argues with lawyers of the Muslim Brotherhood during the trial of ousted Egyptian President Mohamed Mursi and other leaders of the Muslim Brotherhood on charges of spying and terrorism at a court in the police academy on the outskirts of Cairo, November 18, 2014. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh (EGYPT - Tags: POLITICS CRIME LAW CIVIL UNREST) - RTR4ELI4

على الرغم من صدور ثلاثة قرارات جمهوريّة في 4 كانون الأوّل/ديسمبر الحالي بإحالة عدد من القضاة المعروفين بمساندتهم حكم "الإخوان المسلمين" إلى المعاش، واستمرار التحقيق مع "قضاة من أجل مصر"، المتّهمين بالتدخّل في قضايا سياسيّة عدّة، أبرزها إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسيّة في حزيران/يونيو 2012 على نحو يخالف القانون، وإدانتهم بمناصرة "الإخوان"، عبر توقيعهم على بيان رابعة العدويّة في 24 تمّوز/يوليو 2013 والذي يقرون فيه بالشرعية الدستورية للرئيس السابق محمد مرسي ، فإنّ الجدل ما زال مستمرّاً حول مستقبل القضاة المتعاطفين مع "الإخوان" أو حتّى الذين تورّطوا معهم خلال فترة حكمهم.

أصدر الرئيس عبد الفتّاح السيسي ثلاثة قرارات جمهوريّة بإحالة 9 قضاة إلى المعاش، بناء على أحكام نهائيّة بعزلهم من الوظيفة القضائيّة، صدرت في 22 أيلول/سبتمبر الماضي من مجلس التأديب الأعلى للقضاة، منهم النائب العام الأسبق المستشار طلعت عبدالله، والرئيس السابق في محكمة استئناف القاهرة المستشار أحمد يحي، وإحالة 7 قضاة إلى المعاش من حركة "قضاة من أجل مصر". وفي الوقت ذاته، قرّر مجلس "التأديب والصلاحيّة" في محكمة استئناف القاهرة تأجيل النظر في الدعوى المتّهم فيها 15 قاضياً من حركة "قضاة من أجل مصر"، إلى جلسة 19 كانون الثاني/يناير 2015، وذلك في دعوى الصلاحيّة المقامة في حقّ 56 قاضياً للمطالبة بعزلهم من مناصبهم القضائيّة. ومن هنا، ما زالت التساؤلات مفتوحة حول ماهية وضعهم القانونيّ، خصوصاً في ظلّ اتّهامات العديد منهم بعدم قانونيّة إجراءات التصعيد المتّخذة ضدّهم.

وكانت أولى خطوات التصعيد ضدّ قضاة "الإخوان"، قبل هذه القرارات السابقة، مع وزير العدل الأسبق أحمد سليمان في عهد الرئيس المعزول محمّد مرسي، عندما رفض مجلس القضاة الأعلى عودته إلى منصبه، ومنعه من السفر، كما أجّلت دعوته إلى عودته للعمل في منصّة القضاء، لجلسة 16 آذار/مارس المقبل.

في هذا الإطار، يتحدّث أحمد سليمان في حوار مع "المونيتور"، ويقول: "فوجئت بعدم جواز عودة من كان وزيراً وتطبيقه بأثر رجعيّ، على الرغم من أنّ القاعدة تطبّق بأثر فوريّ، وكذلك منعي من السفر من دون معرفة السبب". ولكنّه قال: "في مصر، ليس هناك دستور أو قانون يحترم".

ووصف قرار إحالة القضاة إلى المعاش بالمذبحة، موضحاً: "لا يمكن إحالة هؤلاء القضاة من دون موافقة السلطات العليا، وهي مسألة تؤثّر في رأيي على سمعة مصر في الداخل والخارج".

وفي ما يتعلّق بحقّ القضاة في إبداء الآراء السياسيّة، فهو من القضايا التي هي محلّ جدل فقهيّ بين القضاة، حيث يؤيّد البعض حقّ القضاة في إبداء آرائهم، ومنهم أحمد سليمان الذي يقول: "اتّهم بعض القضاة بتأييد الإعلان الدستوريّ، الذي أصدره الرئيس المعزول محمّد مرسي، على الرغم من أنّه كان مجرّد رأي، يختلف الصواب أو الخطأ".

ورأى رئيس محكمة جنايات القاهرة الأسبق المستشار رفعت السعيد، في حديثه إلى "المونيتور"، أنّ "قانون السلطة القضائيّة ينصّ على عدم حقّ عمل القضاة في السياسة بصورها كافّة، وعدم المساندة أو التعاطف مع أيّ أحزاب سياسيّة أو جماعات دينيّة. وفسّر: "لأنّ القاضي يجب أن يتمتّع بالحياد والشفافيّة، وفي حال عدم امتلاكه لهذه الصفّات، فعليه أن يتنحّى عن العمل في القضاء، وإلّا تتمّ تنحيته بقوّة القانون".

ورفض بحزم وصف ما تعرّض إليه القضاة المحالون إلى المعاش بالمذبحة، قائلاً: "الذين يطلقون صفة المذبحة، متّهمون بعدم تطبيق القانون، الذي ينصّ على عدم العمل في السياسة".

ولكنّ سليمان أشار إلى عدم قانونيّة إجراءات التحقيق مع "قضاة من أجل مصر". وشرح ذلك بالقول: "تربط علاقة وثيقة قاضي التحقيق المنتدب من وزارة العدل المستشار محمّد شيرين، برئيس نادي قضاة مصر المستشار أحمد الزند، كما أنّه طلب إليه التنحّي عن القضيّة بسبب الصداقة، ولكنّه رفض". واستطرد قائلاً: "ثمّ تنتهي التحقيقات بإحالة 56 قاضياً إلى مجلس "التأديب والصلاحيّة"، إستناداً إلى تحريّات الأمن الوطني، وهي تحريّات كاذبة وملفّقة". لذلك، تقدّمت ببلاغ إلى النائب العامّ بتاريخ 15 كانون الأوّل/ديسمبر للتحقيق في جريمة التزوير التي ارتكبها ضابط الأمن الوطنيّ، ضدّ "قضاة من أجل مصر". 

وربط التهم الموجّهة إلى "قضاة من أجل مصر"، بعمل عدد من القضاة في السياسة، مشيراً إلى قيام نادي القضاة بفتح النادي لأعضاء حركة تمرّد، لملئ الاستمارات للإطاحة بالرئيس السابق محمّد مرسي، معترضاً على أنّه لم يتمّ التحقيق معهم.

بينما وصف المستشار رفعت السعيد "الادّعاءات بعدم قانونيّة التحقيق مع "قضاة من أجل مصر" بأنّها تدخّل في عمل القضاة وفي التحقيق الذي يديره القاضي".

وتلقي مدرّسة القانون في قسم العلوم السياسيّة في الجامعة الأميركيّة في القاهرة نسرين بدوي، الضوء على مدى ارتباط القضاء بالسياسة، قائلة في حديث إلى "المونيتور": "استبعاد المعارضين سياسيّاً للفئة الحاكمة أمر ليس جديداً على المؤسّسة القضائيّة. وتضيف: "هناك توافق بين الجهّتين التنفيذيّة والقضائيّة، إلى درجة توحي بأنّه لا داعي أصلاً للضغط على القضاة للتماشي مع سياسات الجهّة التنفيذيّة".

أمّا عن استخدام القضاء والقانون للتصفية السياسيّة، فتقول إنّه متجذّر في الحياة السياسيّة المصريّة، وإنّ القرار بإحالة طلعت عبد الله إلى المعاش مثلاً لا يخلو من مغزى سياسيّ، إلّا أنّ تعيينه أيضاً لا يخلو من مغزى سياسيّ". وفي الحالتين، التعامل مع شخص مثل طلعت عبد الله يعبّر عن تعامل السلطة الحاكمة مع الجهّة القضائية، المبنيّ على عدم وجود أيّ نيّة لإعادة هيكلة القضاء، ولكنّ لتصفيته من المعارضة. 

يمكن القول إنّه حينما يتعلّق الأمر بالقضاء، فلا مجال إلى الحديث عن الاعتبارات والموائمات السياسيّة، إذ أنّ الثابت أنّ القضاة الذين أعلنوا نتيجة الانتخابات في عهد مرسي قد ارتكبوا عملاً يعاقب عليه قانون السلطة القضائيّة، وهو عمل يختلف في كلّ الأحوال عن التعبير عن الآراء السياسيّة. أمّا قضيّة التوقيع على بيان رابعة العدويّة، فهي القضيّة التي يمكن تفهّم أن يثار جدل في شأنها. باختصار، فإنّه إذا كانت ثورتا مصر في 25 يناير/كانون الثاني و 30 يونيو/حزيران 2013 قد طالبتا بدولة القانون، فأوّل الذين يخضعون إلى القانون يجب أن يكونوا القضاة أنفسهم، وإلّا انهارت المنظومة القانونيّة برمّتها. وهذا ينطبق ليس فقط على قضاة "الإخوان" ولكن القضاة الحاليّين، المعروفين بمواقف سياسيّة محدّدة. وفي كلّ الأحوال، فإنّ تلك القضيّة ستظلّ مثاراً للجدل، وربّما لبعض المشاكل المتعلّقة بالسلطة القضائيّة في مصر أهمها الدعوات بتطهير القضاة، وطبيعة الدور الذي يلعبه نادي القضاة العالق بين السياسي والمهني. 

More from Reham Mokbel

Recommended Articles