تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف يمكن قراءة استجابة السعوديّين لحادثة الأحساء؟

A Saudi policeman checks the ID card of a driver at a checkpoint in the mostly Shiite Qatif region of Eastern Province on November 25, 2011. Four people have been killed and nine others wounded in an exchange of gunfire between security forces and what the Saudi interior ministry called criminals serving a foreign power in the country's oil-producing Eastern Province. AFP PHOTO/FAYEZ NURELDINE (Photo credit should read FAYEZ NURELDINE/AFP/Getty Images)

خلال العاشر من محرّم الماضي،الموافق 3 نوفمبر 2014، قام مسلّحون بالاعتداء على إحدى الحسينيّات في منطقة الدالوة في الأحساء. وىسبّب الحادث بمقتل سبعة أشخاص وإصابة ثلاثة عشر أخرين، وأعقب الاعتداء موجة شجب للحدث من قبل مكونات المجتمع السعودي المختلفة. تكتسب العمليّة حساسيّة مضاعفة، باعتبار مناسبة العاشر من محرّم خاصّة بالعزاء بالإمام الحسين، أحد أئمّة الشيعة الاثني عشر، وحفيد الرسول محمّد عليه الصلاة والسلام.

تعكس ردات فعل السعوديين المختلفة تجاه الاعتداء على الموطنين الشيعة حساسية الحدث وجديته. فبينما قلّ إيجاد تعليق حول مقتل مواطنين شيعة في أوقات سابقة، مثل ناصر المحيشي أو علي فلفل، اللذين سقطا في كانون الثاني 2012 خلال تبادل لإطلاق النار بين مسلّحين بحسب تعبير وزارة الداخليّة، تميّزت ردّة الفعل على اعتداء الأحساء بثلاثة أمور: أوّلها استنكار المؤسّسة الدينيّة الرسميّة في المملكة الاعتداء، والأمر الثاني، الحديث المستمرّ حول آخر تطوّرات ملاحقة الجناة من قبل وزارة الداخليّة، والأمر الثالث التركيز على مسألة ملاحقة المحرّضين من قبل المعلّقين على الحدث، وتجاهل صلة تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام "داعش" بالاعتداء.

اتّسمت ردود الفعل بالتركيز على ثيمة واحدة، وهي اعتبار هدف الاعتداء "تأجيج الفتنة الطائفيّة" و"النيل من الأمن والأمان في المملكة" و"استهداف الوحدة الوطنيّة". وقد تمّت الإشارة إلى هذه القضايا في كلّ ردود الفعل تقريباً حول الحادث، على اختلاف توجّهات المعلّقين الفكريّة.

واستنكرت المؤسّسة الدينيّة الرسميّة الحادث في شكل مباشر، وذلك بعد حصوله بساعات قليلة، إذ عبّرت الأمانة العامّة لهيئة كبار العلماء عن رفضها الحادث وإدانتها الاعتداء. وقد جاء الاستنكار عبر أمينها العام الدكتور فهد بن سعد الماجد. وأكّد الماجد أنّ "الاعتداء يهدف إلى النيل من وحدتهم واستقرارهم". في السياق ذاته، وفي الخامس من تشرين الثاني استنكر الاعتداء لاحقاً مفتي عام المملكة، رئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس اللجنة الدائمة للبحوث والافتاء الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والذي يمثّل رأس هرم المؤسّسة الدينيّة في المملكة. وأكّد آل الشيخ الثيمة ذاتها التي أشرنا إليها سابقاً، حيث اعتبر الهدف من الحدث "محاولة إشعال الفتنة بين المسلمين، خصوصاً بين أبناء المجتمع السعوديّ". 

لم تختلف ردود فعل علماء الدين الشيعة، إذ صدر بيان موقّع من قبل عدد من المشايخ الشيعة يؤكّد أهميّة الحفاظ على أمن المجتمع ووحدته، وعدم التعرّض إلى السلم الأهليّ. .

كما لم يختلف خطاب السياسيّين الشيعة، أمثال الكاتب توفيق السيف، والشيخ حسن الصفار، المعرضين لحكومة المملكة، عن الإطار العامّ. وقد أشار توفيق السيف إلى "عصابات التكفير" ،ممّا يشفّ عن رأي السيف بأنّ مرتكبي الاعتداء لا يختلفون عن الجماعات التكفيريّة الناشطة إقليميّاً في العراق وسوريا، أو هم جزء منها. وهذا ما أثبتته تحقيقات وزارة الداخليّة لاحقاً.

من ناحيتها، أولت وزارة الداخليّة السعوديّة، وعلى لسان الناطق باسمها، الحدث أهميّة خاصّة إعلاميّاً، حيث توالت تصريحات اللواء منصور التركي حول الحادث منذ البداية، ربّما لقطع المجال أمام الشائعات، حتّى أعلنت الداخليّة إغلاق ملفّ الحادث الاثنين في 24 تشرين الثاني/نوفمبر، باعتباره نفّذ من قبل أربعة أشخاص على ارتباط بتنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام "داعش"، وقد ساهمت ملاحقتهم بالقبض على مشبته بهم أخرين.

ربّما الأمر الذي أصبح بمثابة اللغز، في سياق ردود الفعل على اعتداء الداولة، كان موقف وزير الثقافة والإعلام السابق عبد العزيز خوجة، إذ أعلن بعد الاعتداء مباشرة ، في الرابع من نوفمبر عبر حسابه على تويتر إغلاق مكتب قناة "وصال" في الرياض، ومنع بثّها من المملكة، باعتبارها قناة تمارس التحريض وبثّ خطاب الكراهيّة الطائفيّة. ولاحقاً، تمّت إقالة الوزير في الخامس من نوفمبر، وعادت القناة إلى البثّ من مكاتبها في الرياض، في خطوة غير مفسّرة.

ربما كان سلوك الوزير باتخاذ قرار إغلاق القناة بشكل منفرد واعلانه الخبر في تويتر كان مزعجا للحكومة، لكن من المستبعد أن يكون هذا هو السبب المباشر للاقالة.إن سبب إقالة الوزير ليس واضحاً ولكن ربما كان تصرف الوزير يضع اللوم على الحكومة باعتبارها تأخرت في إغلاق مثل هذه القنوات، مما يجعلها مسؤولة بشكل أو بأخر عن الاعتداء، لذا تمت إقالة الوزير وإعادة بث القناة، لاثبات عدم وجود تقصير من الحكومة.

ما مارسه الوزير لم يكن خارج السياق، إذ كتبت مقالات عدّة في صحف السعوديّة خلال الفترة التي تلت اعتداء الأحساء، تؤكّد أهميّة مواجهة "خطاب التحريض" و"خطاب الكراهيّة المذهبيّة"، باعتبار هذه الخطابات مسؤولة في شكل مباشر عن اعتداء الأحساء.

لا يمكن فصل ردّة فعل السعوديّين حول الحادث عن ثلاثة سياقات. ففي إطار السياق الأوّل، هناك الانقسامات الطائفيّة الحادّة في المنطقة، والتي انزلقت إلى ما يشبه الحروب الأهليّة في العراق وسوريا، أو إلى انقسام حادّ غير مسلّح كما في البحرين. فالسعوديّون يخشون من مصير مشابه في حال تكرّرت الاعتداءات التي تحمل صبغة طائفيّة كاعتداء الأحساء. وفي السياق الثاني، هناك الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة الشرقيّة في المملكة العربيّة السعوديّة، خصوصاً مع ثورات الربيع العربيّ، حيث شهدت المناطق الشيعيّة مظاهرات واحتجاجات متنوّعة منذ عام 2011 م. فالوضع في الشرقيّة، خصوصاً منطقة القطيف، كان متوتّراً طوال السنوات القليلة السابقة، ممّا يجعل الاعتداء في الأحساء، بمثابة محاولة لتوسيع رقعة التوتّر بين المواطنين الشيعة من ناحية، والحكومة من ناحية أخرى، باعتبار أنّ الحكومة لن تقدّم الحماية الكافية لمواطنيها في حال تكرّر مثل هذه الاعتداء.

وفي السياق الثالث، هناك الجدل داخل المجتمع السعوديّ، أو صراع المحافظين ومناوئيهم، حيث تمّ باستمرار اعتبار "التحريض" و"نشر الكراهيّة" أمرين خاصّين بالإسلاميّين المحافظين. لذا تمّ التأكيد على مسألة "التحريض" كإحدى المسائل المسؤولة عن اعتداء الأحساء، من أجل معاقبة بعض المشايخ، أو الحدّ من نفوذهم، في إطار الصراع المعتاد الذي يتمّ حول قضايا المجتمع، كمسألة قيادة المرأة، أو بعث الطلّاب إلى الدراسة في الخارج. 

جعلت هذه السياقات الثلاثة ردود فعل السعوديّين حاسمة في رفضها اعتداء الأحساء، الذي كان يمكن أن يكون بمثابة شرارة لإقحام المملكة في الانقسامات الإقليميّة الطائفيّة في شكل مباشر. لذا كانت ردود الفعل المتنوّعة من المؤسّسة الدينيّة الرسميّة، والعلماء الشيعة، والإسلاميّين، وغيرهم، تركّز كلّها على مسألة وحدة المجتمع، والخوف من الانخراط في صراع طائفيّ يسمح بتمدّد تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام "داعش" إلى الأراضي السعوديّة، كما يهدّد أتباعه دائماً عبر وسائل التواصل الاجتماعيّة. فلا أحد في السعوديّة يرغب في أن يرى المملكة مسرحاً لصراعات طائفيّة مسلّحة كما في العراق وسوريا، وإن كان السعوديّون منخرطين في تلك الصراعات إمّا من خلال وجود عدد غير قليل منهم منخرط في التنظيمات التكفيريّة كتنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام، أو في الصراع من خلال ترسيخ الرؤية الطائفيّة للمنطقة.إلا أن هناك إجماع بين المتحاربين على منع وصول الفوضى الطائفية التي تضرب المنطقة إلى المملكة. 

More from Bader al-Rashed

Recommended Articles