تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المحنّكة والمنقّبة.. مشروعان لهوية المرأة

منذ 2003 ظهر على الساحة العراقية انموذج جديد للمرأة المسلمة، وهي "المرأة المحنّكة"، وهي أمرأه مسلمة ملتزمة دينيا، الى حد التزمّت، وهي بمثابة رد فكري وأسلوب حياة على رمز المرأة "المنقبة" باعتبارها أحد رموز تنظيم "الدولة الإسلامية" والتطرف "السني".
Fully-veiled women gesture with their ink-stained fingers after casting their vote during voting for Iraqi parliamentary election in Baghdad April 30, 2014. Iraqis headed to the polls on Wednesday in their first national election since U.S. forces withdrew from Iraq in 2011, with Prime Minister Nuri al-Maliki seeking a third term amid rising violence. REUTERS/Thaier Al-Sudani (IRAQ - Tags: ELECTIONS POLITICS) - RTR3N6WF

لم يكن ممكناً لقارئة القصائد الدينية، زينب علي (27سنة)، من مدينة النجف (160 كم جنوبي بغداد)، المركز الديني الأول للشيعة، الاكتفاء بالحجاب للتعبير عن التزامها الديني، فطوّرته الى هيئة أكثر "صرامة"، باختيارها الحجاب "المحنّك"، ويعني إخفاء أجزاء الجسم بشكل تام، والإبقاء فقط على دورة الوجه الى حد "الحنك"، فيما تختفي اليدين بالكفوف السوداء.

وزينب هذه، مثال لنساء "محنّكات" تزداد اعدادهن بشكل متسارع في المجتمع، في دلالة واضحة على تعاظم المد الديني والأفكار المحافظة في كل مدن العراق، بطوائفها السنية والشيعية على حد سواء.

ومنذ 2003، وهو العام الذي سقط فيه نظام صدام حسين(1937-2006)، ذي التوجهات العلمانية، انحسرت هيئة المرأة "السافرة"، مقابل ازداد اعداد النساء المحجبات، واخترق الحجاب أوساطاً مجتمعية جديدة مثل وسائل الاعلام والمؤسسات الحكومية والمناصب الحكومية العليا، لم يكن يجرأ على اقتحامها قبل ذلك التاريخ، بسبب السياسات المتشددة للنظام العراقي السابق ضد الأسلمة ودور الدين في المجتمع.

لكن المثير في الظاهرة، تعاظم "تطرّف" المرأة فيما يتعلق بهيئتها لترتدي زياً أكثر تشدداً من الحجاب المعروف، فانتشر النقاب في أوساط المجتمع "السني"، وبدجة أقل في المجتمع الشيعي، فيما ظهر مصطلح جديد لم يكن معروفا قبل عدة سنوات، وهو "المرأة المحنكة" في أوساط النساء الشيعيات.

وتعرّف زينب، "المحنّكة" بانها "امرأة ترتدي اللباس الشرعي، وتحرص على عدم اظهار أي جزء من جسمها عدا قرص الوجه، مع عدم الظهور بساعدين مكشوفين، وقدمين عاريتين".

وفي حماس منقطع النظير، يؤشر رجل الدين حسين الياسري الذي درس علوم الدين في حوزة النجف الدينية، ويعمل واعظا دينيا متنقلا بين المدن على منشور دعائي أصدرته العتبة الحسينية في كربلاء (108 كم جنوب غربي بغداد)، يوضح أوصاف الزي الشرعي، الواجب على المرأة ارتدائه، قائلا للمونيتور، في 18/12 في النجف، ان "المحنّكة، في الغالب تسعى الى المثالية في الزي الإسلامي، وغالبا ما تسعى الى إيصال رسالة الى الناس كونها امرأة ملتزمة دينية وهي نموذج يجب ان تقتدي به النساء المسلمات".

واسترسل في القول "الحجاب فرْض من الله على النساء البالغات من أمة محمد لأنه يستر عورة الجسم".

ويؤكد الياسري على ان المحنّكة هي "نموذجه (الشيعي) للمرأة الملتزمة، وهي تقابل نموذج المرأة المنقبة التي تسوقها (داعش) والاسلام السني الراديكالي، كأسلوب حياة للمرأة".

وفي الكثير من شوارع المدن العراقية، تُبْرِز جهات دينية، إعلانات، ويافطات معلقة على أعمدة الكهرباء، في واجهات المباني العالية، تتضمن شروط صارمة للحجاب، ومواصفاته، وتحثّ النساء على ارتدائه"، فيما انطلقت عدة حملات لـ "تصحيح الحجاب" منذ 2003 ، في المدن المختلفة.

وفي سياق الصعود المتنامي للأجندة المحافظة، تؤكد "المحنّكة" ام حيدر التي رفضت الكشف عن اسمها الصريح، في حديثها للمونيتور في النجف في 18/12 بانها "انقلبت على هيئتها السابقة كـ(منقبة)، لتصبح (محنكّة)، في استجابة لشروط لباس المرأة المسلمة الشيعية".

وتضيف ام حيدر "المحنكات في الغالب يعملن كقارئات قرآن وقصائد دينية في المناسبات الدينية والاجتماعية مثل مناسبات الوفاة والحزن"، معتبرة "المحنّكة الشيعية، النموذج الإسلامي الاصح، وهو الأكثر ملائمة للعصر من المنقّبة السنّية".

غير ان رجل الدين السني حامد نعمان من اللطيفية، جنوبي بغداد، يرى في حديثه للمونيتور في 18/12، ان "النقاب أو البرقع هو الحجاب الشرعي للمرأة بحيث لا يظهر منها إلا العين، وفي حالة عدم حصول ذلك، فإن على المرأة تغطية وجهها بالكامل"، ليدافع في ذلك عن وجهة نظر راديكالية حول حجاب المرأة.

وتوضح الباحثة الاجتماعية صابرين الخفاجي، للمونيتور في 18/12 في النجف، ان "ظاهرة المحنكات بدأت تنتشر في الوسط الشيعي، وبدأن يظهرن في الفضائيات، ووسائل الاعلام، وتخصصن في نشر تعاليم الدين".

وتعترف الخفاجي، وهي سافرة الهيئة، ان "المد المحافظ يهيمن اليوم على المجتمع، لتنحسر معه اعداد النساء السافرات"، مؤكدة ان "رجل دين صادفها في اجتماع جماهيري، واكد لها ان (السافرة) تعتبر نموذجا غربيا لا يصلح للمجتمع العراقي المسلم"، لكن لم ترد عليه، متجنبة الخوض في الموضوع.

وتقول الإعلامية ابتهال سميسم للمونيتور في 19/12 في النجف، وهي من المدن المحافظة في العراق كونها مركزا دينيا، ان "الحجاب الإسلامي الصحيح يجب ان يغطي جسد المرأة بالكامل، وان هذه هي القاعدة اما الباقي فهي اجتهادات أدت الى تنوع أنواع الحجاب".

وفي وجهة نظر مغايرة تماما، لدعاة المظهر "المحافظ" للمرأة، يقول الباحث والمحرر في قسم الشؤون المجتمعية في جريدة "الصباح" العراقية قاسم موزان للموينتور في بغداد في 19/12، ان "المجتمعات العربية والاسلامية تفاجئت على حد سواء بضيف ثقيل يفتك بماهية المرأة وتجريدها من سلاحها الانثوي بفرض حجاب صارم بدءاً من الرأس الى أخمص القدمين مرورا بالكفوف".

ويرى موزان انه "لاول مرة تلتقي المذاهب المتنافرة والمتخاصمة تاريخيا بنقطة التقاء واحدة تدعى الحجاب الديني ومن ثم تطويع عقولهن باتجاهات دينية صلدة تؤدي الى دخول الجنة، حسب اعتقادهم".

ويرى الباحث الإسلامي، الدكتور حمزة الكريشي من جامعة بابل في حديثه للمونيتور في 18/12 في بابل اننا "أمام ثلاث مشاريع فيما يخص المرأة، المحنكة الشيعية، والمنقبة السنية، والسافرة العلمانية، ويبدو ان الأخيرة صاحبة دور ضئيل، سياسياً واجتماعياً، في الوقت الحاضر بسبب المد الديني الجارف في العراق والمنطقة". 

ولم يعد الحجاب في دلالاته دليلا على الايمان والالتزام بتعاليم الدين، بل بات رمزاً يدل على مذهب المرأة وطائفتها، وتعبيرا سياسيا واضحا يدل على الحزب والأيديولوجية حتى بات ممكنا، تمييز انتماء المرأة الحزبي والديني من هيئة حجابها، ذلك ان هيئة نقاب وحجاب المرأة السنية تمثل في الغالب النساء السنيات المتشددات واعتبرها تنظيم "الدولة الإسلامية" رمزا له، والجماعات الإسلامية السنية في غرب البلاد وشمالها، يختلف عن هيئة المرأة المنتمية الى الفصائل الشيعية الأخرى.