تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العلاقات السعوديّة-الإيرانيّة: لا نقلة نوعيّة

Iranian Foreign Minister Ali Akbar Salehi (L) looks past his Turkish counterpart Ahmet Davutoglu during the opening of a ministerial meeting in the Saudi Red Sea city of Jeddah, by the Organisation of Islamic Cooperation (OIC) on May 13, 2013. The OIC urged its member states to make generous contributions at this week's main donors conference on Mali to be held in Brussels, which aims to raise funds to repair the damage caused by the war against Islamists in the African country. AFP PHOTO/STR        (Photo

بيروت - على وقع مسارات إقليميّة مختلفة، أبرزها تقلّبات العلاقات السعوديّة-الإيرانيّة، يعيش الشرق الأوسط، ويتأثّر بها مستقبل بلدان المنطقة، ولبنان ضمناً.

أنذرت الأشهر الماضية بإيجابيّة، عكستها زيارة مساعد وزير الخارجيّة الإيرانيّة حسين أمير عبد اللهيان إلى جدّة في آب/أغسطس 2014، وعزّزها لقاء وزيري خارجيّة البلدين سعود الفيصل ومحمّد جواد ظريف في نيويورك في أيلول/سبتمبر 2014، وتوّجها كلام الوزيرين عن أهميّة التعاون لمكافحة الإرهاب وحلّ مشاكل المنطقة.

لكن، هل ما زالت هذه العلاقات تتّجه نحو الترسيخ على منطق الحوار لمعالجة المشاكل القائمة بينهما على مساحة الشرق الأوسط، أم ستسلك طريق المواجهة من جديد؟ خصوصاً في ضوء عودة الخطاب الاتّهاميّ بين الجانبين، وآخر فصوله هجوم الفيصل على السياسة الإيرانيّة خلال محادثات مع نظيره الألماني في جدة، معتبراً أنّ "طهران جزء من المشاكل في المنطقة، وليست جزءاً من الحلّ"، ومتّهماً إيّاها بـ"احتلال سوريا والعراق واليمن"، وداعياً إلى "سحب القوّات الإيرانيّة المحتلّة لهذه الدول".

ثمّ جاء ردّ إيران من خلال مساعد وزير خارجيّتها الذي طالب السعوديّة بـ"سحب قوّاتها المحتلّة من البحرين".

وقد رأت مصادر دبلوماسيّة لبنانيّة متابعة للملفّ أنّ هذه العلاقات لم تبلغ بعد مستوى النقلة النوعيّة، واستعادت تجربة عامي 2009 و2010 التي كانت أنذرت ببوادر اتّفاق وحلحلة بين السعوديّة وسوريا، ومن خلفها إيران، وسلوك طريق الحوار والتفاوض بين الدولتين. وترجمت آنذاك بالمواقف التي كان أطلقها العاهل السعوديّ عام 2009 في قمّة الكويت الاقتصاديّة، حيث دعا حينها إلى المصالحة والتلاقي وتوحيد مواقف الأمّة في وجه التحدّيات والمخاطر المتنامية.

كما بادر عام 2010 إلى زيارة دمشق مصطحباً الرئيس بشار الأسد في طائرة واحدة إلى لبنان، حيث عقدت خلوة ثلاثيّة في حضور رئيس الحكومة السابق سعد الحريري.

وخلال هذا اللقاء، أكّد العاهل السعوديّ أهميّة حماية الأمّة العربيّة، ودرء خطر أيّ تشرذم واحتراب طائفيّ أو مذهبيّ، وتحديداً سنّي-شيعيّ. وحينها أيضاً، بلغت الأمور حدّ قيام الرئيس سعد الحريري، وبناء على تمنٍّ سعوديّ، بزيارتين الأولى إلى دمشق، حيث بات إحدى لياليه في ضيافة الأسد الذي التقاه مرّتين، على الرغم العلاقة المتوتّرة التي كانت تجمعه بالنظام السوريّ إثر عمليّة اغتيال والده رفيق الحريري، والثانية إلى إيران عام 2010 أيضاً.

إلاّ أنّ هذا التوجّه الإيجابيّ سرعان ما أصيب بانتكاسات جدّية، تردّد حينها أنّها ناتجة عن نصائح غربيّة وجّهت إلى السعوديّة بعدم الذهاب بعيداً في مصالحة النظام السوري أي عدم التوصّل إلى اتفاق نهائي، إضافة إلى ارتفاع حدّة ضغوط المعارضة المدعومة من إيران على النظام في البحرين الملتصق سياسيّاً وجغرافيّاً بالمملكة العربيّة السعوديّة. فكان أن أرسلت دول الخليج قوّات لدعم النظام في البحرين عام 2011، بما عرف بعمليّة "درع الجزيرة"، فعاد التوتّر في العلاقة بين البلدين.

انطلقت المصادر نفسها من عرض هذه اللمحة عن العلاقات بين الدولتين، لتصل إلى التقارب الأخير بين إيران والسعوديّة، وعودة الحديث عن إمكان إحياء منطق التفاوض بينهما، بالتزامن مع تنامي الحركات المتطرّفة، وفي صورة خاصّة تنظيم "داعش". ولإنجاح المسار التفاوضيّ، كان لا بدّ من الإقدام على خطوات عمليّة على الأرض، ترجمت بداية في العراق مع إصرار الجانب الخليجيّ على إزاحة رئيس الوزراء العراقيّ السابق نوري المالكي، وعلى إشراك المكوّن السنيّ في صورة فاعلة في الحكومة، وفي المنظومة الأمنيّة للدولة. وبعد تردّد وتجاذب، بسبب وجود تيّار قويّ يدعو إلى الصمود وعدم التخلّي عن المالكي، حسمت المرجعيّات الدينيّة والسياسيّة الفاعلة موقفها، لمصلحة التوافق على رئيس حكومة جديد وتشكيل حكومة وحدة وطنيّة .

لكن على الرغم من هذا التقدّم والرسائل الإيجابيّة بين الطرفين من البوّابة العراقيّة، بدى أن عدم استعداد الحوثيين للوصول الى السلطة، والتهديد الذي تشكله تنظيم القاعدة في جنوب اليمن ترك الباب مفتوحا لتسويات.

وخلصت المصادر إلى ضرورة تحقيق تقدّم في مجالات عدّة قبل الحديث عن تحوّل نوعيّ ودائم في العلاقات بين البلدين:

أوّلاً- أن يكون القرار في حلّ الخلافات بالطرق التفاوضيّة السلميّة وتقديم تنازلات جدّية، قراراً استراتيجيّاً كبيراً، وليس مجرّد قرار تكتيكيّ يهدف إلى كسب الوقت، وتحسين المواقع تمهيداً للانقضاض على الطرف الآخر، بعد تحسّن موازين القوى.

ثانياً - التوافق على حلّ دائم بين المعارضة المدعومة من إيران والنظام الملكيّ المدعوم من السعوديّة في البحرين.

ثالثا- إيجاد حلّ سياسيّ متكامل وعادل للأزمة السوريّة، يشرك الجميع في السلطة بموازين ومعايير متّفق عليها بين الأطراف، بعد القضاء على الإرهاب والحؤول دون وصوله إلى السلطة.

أمّا بالنسبة إلى لبنان المرتبط بكلّ هذه التوازنات الإقليميّة، فهو ما زال يرزح تحت وطأة عدم قدرته على إجراء الانتخابات الرئاسيّة، طالما يربط الأفرقاء اللبنانيّون مصير هذه الانتخابات بأوضاع المنطقة، وطالما أنّ المسيحيّين غير متّفقين. ورأت المصادر أنّ السعوديّة ليست مستعجلة لرؤية رأس للدولة اللبنانيّة، إذا لم تكن موافقة عليه، كما أنّ إيران ليست في موقع دعم مرشّح محدّد، بما أنّ فريق 8 آذار المقرّب منها، ليس قادراً على تأمين الأكثريّة المطلوبة لانتخاب الرئيس، أي 86 صوتاً من أصل 128. وهكذا يبقى الملفّ اللبنانيّ ورقة في يدّ الدولتين، خاضعة للتجاذب، طالما لم يتمّ التوصّل إلى اتّفاق يشمل كلّ ملفّات المنطقة. أمّا بالنسبة إلى الوضع الأمنيّ اللبنانيّ، فقد استبعدت المصادر أن يكون للتوتّر السعوديّ-الإيرانيّ أيّ انعكاس عليه، طالما أنّ القرارالإقليميّ والدوليّ في حفظ استقرار لبنان، ما زال قائماً، على الرغم من خوض لبنان حرباً ضدّ الإرهاب والتطرّف داخل أراضيه، مع الإشارة إلى الدور المهمّ لتعزيز النهج التفاوضيّ والتفاهمات بين إيران وحلفائها من جهّة والسعوديّة وحلفائها من جهّة أخرى، في القضاء على التطرّف في المنطقة، وإعادة الاستقرار إلى الأنظمة والدول.

العلاقات السعوديّة-الإيرانيّة جوهريّة، إلاّ أنّها لا تكفي وحدها، في ظلّ وجود لاعبين إقليميّين ودوليّين آخرين، كتركيا التي ما زالت تطمح إلى فرض موازين قوى لمصلحتها، وإسرائيل التي لا يمكنها إلاّ أن تستفيد من تغذية النزاعات المنهكة في صفوف أعدائها.

More from Esperance Ghanem

Recommended Articles