تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

القتال على حدود الجولان يضع إسرائيل في موقف حرج

اعترضت إسرائيل طائرة من دون طيار فوق مرتفعات الجولان، لكنها غضّت النظر عن طائرة حربية سورية قرب حدودها، ما يسلّط الضوء على تعقيدات الحرب في سوريا وصعوبة تحديد الإجراءات التي تحقّق المصلحة الفضلى لإسرائيل.
Israeli soldiers observe the Syrian side of the Quneitra border crossing between the Israeli-controlled Golan Heights and Syria, August 29, 2014. U.N. officials shuttled along the rocky frontier between Syria and the Israeli-occupied Golan Heights on Friday, trying to establish the whereabouts of 44 United Nations peacekeepers seized by al-Qaeda-linked militants inside Syria. Israeli forces took up positions at Quneitra, a fortified crossing between Syria and the Golan, barely 400 meters (437 yards) from Nu

في 27 آب/أغسطس الماضي، هاجمت طائرة حربية سورية مواقع المتمرّدين في منطقة القنيطرة ثم عادت بأمان إلى قاعدتها في مكان ما في سوريا. في يوم عادي، كان ليستحيل على طائرة تحلّق فوق القنيطرة، على طول خط فك الارتباط بين إسرائيل وسوريا، أن تعود إلى قاعدتها سالمة. فسلاح الجو الإسرائيلي في حالة تأهب مستمرة، مع نظمه الخاصة باعتراض الطائرات. وعند تحديد طائرة أجنبية تحلّق فوق الحدود الشمالية للبلاد، يبادر عادةً إلى اعتراضها على الفور. لكن ذلك لم يحصل هذه المرّة. يُعتقَد أن إسرائيل درست الوضع وقررت أن تغضّ النظر، فسمحت للطائرة السورية بأن تنفّذ مهمتها من دون إسقاطها. ربما تؤشّر هذه الحالة إلى ميل الحكومة الإسرائيلية في هذه المرحلة إلى تفضيل الرئيس السوري بشار الأسد على المتمرّدين الذين يحاربونه.

بعد بضعة أيام، في 31 آب/أغسطس الماضي، تم اعتراض طائرة بدون طيار في المكان نفسه. فقد أطلقت مدفعية باتريوت تابعة للجيش الإسرائيلي في الجليل الأعلى صاروخاً وأسقطتها بسهولة. وقد ذُكِر في البداية أنها طائرة سورية. ثم رجّحت التقارير لاحقاً أنها طائرة إيرانية من دون طيار استخدمها الجيش السوري. هل ندمت إسرائيل على إسقاطها؟ هل تصرّفت إسرائيل بحيطة أكبر، فقرّرت أن تحليق طائرة إيرانية من دون طيار فوق حدودها هو تجاوزٌ للخطوط الحمراء؟ هل كانت فعلاً طائرة إيرانية من دون طيار؟ في هذه الحالة، هل كان بإمكان إسرائيل أن تكتشف ذلك في اللحظة نفسها؟

عند وقوع مثل هذه الحوادث، يكون أمام الجيش وأصحاب القرار السياسي بضع ثوانٍ فقط لاتّخاذ القرار. مرتفعات الجولان منطقة صغيرة. وإسرائيل صغيرة جداً إلى درجة أنه بإمكان طائرة مقاتلة أن تعبرها في بضع دقائق. في 27 آب/أغسطس، غضّت إسرائيل النظر. لكن في 31 آب/أغسطس، اعترضت الطائرة التي حلّقت عند حدودها. هذا الاختلاف في التعاطي مع الحادثتَين هو خير دليل على النقاش الداخلي في إسرائيل، وصعوبة اتّخاذ القرارات، فضلاً عن الارتباك الإسرائيلي (والعالمي) حيال الأوضاع الشديدة التعقيد في سوريا. كيف لإسرائيل أن تعرف ما هو الفريق الذي يجب أن تفضّله؟ هل عليها اختيار الأسد القاتل - حليف إيران و"حزب الله" لكنه أيضاً من النوع الذي يفي بوعوده، وقد حافظت مرتفعات الجولان خلال عهده على هدوئها على امتداد 40 عاماً - أو مجموعة مختلطة من العصابات، بعضها علماني وبراغماتي لكن معظمها جهادي وفاقدٌ لصوابه؟

نظراً إلى المشهد الأوسع، لطالما قرّرت إسرائيل أن تضع رِجلاً في البور وأخرى في الفلاحة في التعاطي مع الحرب الأهلية في سوريا. فمثلما تمنّى رئيس الوزراء مناحيم بيغن "النجاح للفريقَين" خلال الحرب الإيرانية-العراقية، ليست الفوضى في سوريا، بالمعنى الاستراتيجي، أمراً سلبياً في نظر إسرائيل. فبعدما كان الجيش السوري يُعتبَر أحد التهديدات الأساسية للأمن القومي الإسرائيلي، لم يعد يطرح مثل هذا التهديد في الوقت الحالي. ولم تعد الجبهة الشمالية تشكّل تهديداً وجودياً. من وجهة نظر إسرائيل، ليس تبادل الضربات في سوريا، بما يبقيها في حالة نزيف مستمرة وتمزُّق بين قوى مختلفة، أمراً سيئاً بالضرورة.

لكن هناك أيضاً المشهد الأضيق المتمثّل في شكل أساسي في مرتفعات الجولان. فعلى امتداد الأعوام الأربعين الماضية، نعمت إسرائيل بهدوء تام في تلك المنطقة التي تحوّلت جوهرة سياحية تتمتّع بالهدوء والمناظر الريفية الخلابة مع عدد كبير من مصانع النبيذ والمزارع، فضلاً عن المسارات المخصصة للجولات السياحية والمجتمعات التي تضج بالحياة. من أجل إنهاك إسرائيل، استخدم الأسد "حزب الله". فقد خاض "محور الشر" الممتد من طهران عبر دمشق وصولاً إلى بيروت، مواجهةً مع إسرائيل على طول الحدود اللبنانية. أما مرتفعات الجولان فحافظت على الهدوء والسلام.

يهزأ بعض الأشخاص الآن في إسرائيل من أولئك الذين دعوا إلى إحلال السلام بين إسرائيل وسوريا، بما في ذلك إعادة مرتفعات الجولان إلى الرئيس السوري حافظ الأسد، ولاحقاً نجله بشار. يسأل المنتقدون الذين ينتمون إلى اليمين السياسي إنما أيضاً إلى دوائر الوسط: "ماذا كان ليحدث لو أنه جرى التوصل إلى اتفاق سلام في ذلك الوقت؟" ويجيبون: "كانت جبهة النصرة لتستهدف طبريا، وتستولي على بحر الجليل، وتعرّض الجليل للخطر. لحسن الحظ، مرتفعات الجولان تحت سيطرتنا".

هذه الحجة منطقية، لكنها ليست مهمة. فالنظر إلى الخلف، إلى ما كان يمكن أن يحدث، أمرٌ عقيم بما أنه تلوح مخاطر كثيرة في الأفق عند النظر إلى الأمام. في ما يتعلق بمرتفعات الجولات، إذا استولت عصابات المتمردين على المنطقة المتاخمة لإسرائيل، قد تصبح الحدود هناك محاصرةً بالإرهاب. ويمكن أن تُستأنف حرب الاستنزاف. قد تتحوّل حياة الإسرائيليين في مرتفعات الجولان جحيماً إذا استهدف الإرهابيون الجماعات المقيمة هناك والقطاع السياحي.

من هذا المنطلق يبرز التردد الإسرائيلي. قال لي مسؤول أمني كبير قبل أسبوعين: "لا يمكننا دعم الأسد. نحن نتحدّث عن رجل قتل عشرات لا بل مئات الآلاف من شعبه، واستخدم الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين. لكن من جهة أخرى، ندرك تماماً واقع الجهاد الدموي على طريقة تنظيم الدولة الإسلامية الذي يتفشّى في مساحات شاسعة من المنطقة. يجب وقف هذه الظاهرة. نعم، نفضّل الوضع السابق في الجولان - النظير الهادئ والمحدَّد بوضوح في الجهة الأخرى، والالتزام بالاتفاقات. لكن هذا لا يعني أننا ننوي احتضان أيٍّ من الأطراف المتناحرة. في هذه المرحلة، نراقب الأحداث عن كثب. نستعّد لأي سيناريو، وسوف نعرف كيف نتصرّف في حال كانت هناك حاجة إلى ذلك".

تطرح سياسة الرد مشكلة أيضاً. على ماذا يجب الرد بالضبط؟ هل يجب أن تدفع كل قذيفة هاون شاردة تنطلق عن طريق الخطأ من المعارك العنيفة الدائرة قرب السياج الحدودي الإسرائيلي، بإسرائيل إلى المبادرة فوراً إلى إطلاق صاروخ "تموز" على هدف سوري؟ وفي هذه الحالة، ماذا سيكون الهدف بالتحديد؟ وكيف يمكن حتى معرفة الجهة التي أطلقت قذيفة الهاون والتي يجب معاقبتها؟

يصف الجيش الإسرائيلي الأحداث الدائرة في الجهة الأخرى من السياج في مرتفعات الجولان بأنها "شديدة التعقيد". اعتباراً من الثاني من أيلول/سبتمبر الجاري، يشنّ جيش الأسد هجوماً مضاداً عنيفاً ضد المتمردين في محاولة لاستعادة السيطرة على "رمز النظام"، أي المعبر الحدودي في القنيطرة ، وإحكام قبضته على المدينة. لا تزال نتيجة هذا الهجوم المضاد غير واضحة. هل سيستعيد الأسد السيطرة على مرتفعات الجولان أم سيخسرها؟ جل ما تستطيع إسرائيل فعله هو مراقبة الأحداث عن كثب وباهتمام شديد.

More from Ben Caspit

Recommended Articles