تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

على حدود غزّة... الهدنة وحدها لا تكفي

A Palestinian farmer harvests barley on a farm near the border of southern Gaza Strip with Israel April 28, 2014. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa (GAZA - Tags: AGRICULTURE) - RTR3MW43

خانيونس، قطاع غزّة- يتخوّف مزارعو المناطق الحدوديّة، شرق قطاع غزّة، من تجدّد الحرب الإسرائيليّة، وفرض منطقة عازلة بحدود 300 متر هناك، إن لم يتمّ التوصّل إلى اتّفاق نهائيّ مع فصائل المقاومة، بعد استكمال المفاوضات المرتقبة أواخر الشهر الجاري في القاهرة. 

فحالة الهدوء السائدة في المناطق الشرقيّة، بعد إعلان الهدنة في 26 آب/أغسطس الماضي، ليست كافية ليعيد المزارعون تأهيل أراضيهم، وسط شكوك في إمكان إعادة تجريفها، كونها تعدّ مدخل الاجتياح البريّ، والضحيّة الأولى لكلّ حرب إسرائيليّة.

كان القياديّ في حركة الجهاد الإسلاميّ والعضو المشارك في مفاوضات القاهرة خالد البطش أكثر صراحة بشأن المنطقة العازلة فقال إنه "لا توجد منطقة عازلة" مؤكداً للمونيتور أن هدنة 2014 أكدت ما جاءت به هدنة 2012 بانسحاب إسرائيل حتّى حدود الصفر،" ملمحاً أنه لن يكون هناك منطقة عازلة في غزة.

وعلى الرغم من ذلك، تمّ اختراق الهدنة الأخيرة أكثر من مرّة، بإطلاق الرصاص على الصيّادين في بحر غزّة ، وقرب أراضي المزارعين شرق القطاع، إضافة إلى توغّل موقّت عند حدود قرية القرارة شرق مدينة خانيونس[z3] .

المزارعون بحاجة إلى ضمانات أنه لن يتم تدمير أراضيهم إذا أعادوا تأهيلها من جديد، إلا أن البطش لم يبد تجاوباً كبيراً وتابع: "الضامن لمرحلة ما بعد المفاوضات هو الله، ثمّ أنّنا في صراع مستمرّ، وقوّة المقاومة موجودة، وإسرائيل مسؤولة عن أيّ عودة للعدوان". ثم أضاف إن "إطلاق النار في تلك المناطق يشكّل خرقاً للهدنة، وعلى الجانب المصريّ أن يسائل الاحتلال عن هذه الخروق".

وفي قرية وادي السلقا على الحدود الشرقيّة للمنطقة الوسطى من قطاع غزّة، يتحسّر المزارع أكرم أبو مغصيب (40 عاماً)، على أرضه التي تركها في الحرب جاهزة للحصاد، لم يصبها التجريف، ولا القصف، لكن ذهب كلّ المحصول سدى، بعدما اصفرّ محصول الكوسا الذي امتدّ على مساحات كبيرة، بين أوراق شجرها البنيّة التي جفّت من العطش.

وتتواجد في جوار أرضه دونمات أخرى من محصول الزهرة، اكتست باللون الأسود بدلاً من الأبيض بسبب عدم ريّها، وكثير من الحمّامات الزراعيّة التي امتلأت بمحصول البندورة التي جفّت أيضاً، وكلّ تلك الخضار، وغيرها كانت قد فقدت من السوق في الحرب .

ويقول المزارع أحمد اللوح (27 عاماً)، حيث كان يتفقّد أرضه الزراعيّة في المكان: "لقد دفعت كلّ ما أملك، و بعت ذهب زوجتي لتجهيز حمّامات زراعيّة استهدفها القصف. الآن، لن أصلحها حتّى أعلم ما سيحدث بعد انقضاء مهلة الشهر، التي قرّروها لعودة المفاوضات".

أمّا في قرية خزاعة الواقعة على الحدود الجنوبيّة الشرقيّة للقطاع، فتزداد مأساة المزارعين، حيث تبدلّت معالم الأرض، بعد تجريفها بالكامل، فتكاد لا تصدّق أنّها كانت عامرة بأشجار الزيتون والنخل التي لم يبق منها سوى آثار جذورها المستوية على سطح الأرض.

من جهّته، طالب مدير دائرة التنمية الاقتصاديّة في وزارة التخطيط، والمزارع المقيم في قرية القرارة شرق خانيونس جابر أبو جامع، أن تشمل المفاوضات التي ستعقد في القاهرة موضوع المناطق الحدوديّة.

وقال أبو جامع في حديث إلى مراسلة "المونيتور": "إنّ المفاوضات شيء، وما يجري على أرض الواقع شيء آخر". وأضاف: "منذ هدنة 2012، زرعنا قرب السلك الفاصل، ووصلنا إلى بعد 200 متر منه، ولم يتمّ الانسحاب الإسرائيليّ إلى حدود الصفر كما قيل".

وأضاف: "بعد الإطاحة بحكم مرسي في مصر، تغيّر الوضع، فزاد الخطر، وبعدت المسافة إلى 300 متر، أمّا بعد الحرب الأخيرة، فزادت مخاوف المزارعين، من الوصول إلى تلك المسافات".

وأكّد المسؤول في وزارة الزراعة نبيل أبوشمالة، في حديث إلى "المونيتور": "ما يصعّب تحديد مسافة الخطر قرب الحدود، عدم وجود اتّفاقيات مكتوبة تتعلّق بالمنطقة الحدوديّة كي يلتزم الطرفان بها".

وخلال جولة مراسلة "المونيتور" على شرق قرية خزاعة الحدوديّة، كانت السيّدة أم محمّد (48 عاماً)، تجلس على كرسيّ في معرش أنشأته فوق أنقاض منزلها المهدّم جزئيّاً، ومزرعتها التي شكّلت مصدر دخلها الوحيد، قبل أن تصبح خاوية على عروشها بعد تجريفها في الاجتياح البريّ للقرية خلال الحرب الأخيرة.

وعلى بعد 400 متر من الحدود، يقع منزلها ومزرعتها، مباشرة في وجه الجنديّ الإسرائيليّ المتربّص في برج المراقبة الإسرائيليّة الثاني في المنطقة، ومع ذلك، لم تبد السيّدة قلقها من ذلك، فتقول لمراسلة "المونيتور": "قبل الحرب، اعتدنا على العيش هنا لمدّة عشرين عاماً. كنّا آمنين فيها، فالقنّاصة الإسرائيليّون يطلقون الرصاص على من يقترب إلى حدود السلك، أو في الهواء، وليس على المنازل".

ولكن، تقول أمّ محمّد إنّ الوضع قد يتغيّر بعد انتهاء مدّة الشهر وعودة المفاوضات، وتضيف: "الأمان الذي عشناه بات من الماضي، فالحرب الأخيرة كانت أسوأ ما عشنا على الإطلاق، ولا ندري ما سيحدث بعد ذلك".

تركت أمّ محمّد الأغنام والحمام وأشجار الزيتون والحمّامات البلاستيكيّة مزروعة بالخضار، قبل نزوحها من المنزل إلى مدارس الأونروا في الحرب، وتقول: "جرفت إسرائيل كلّ شيء، والآن لا نملك ما يمكّننا من إصلاح الأرض، وإن ملكنا المال، نخشى أن نضيّعه سدى، فكلّ شيء سينتهي إن عادت الحرب ثانية".

وفي جوار منزلها المهدّم، تشير إلى ملامح مزرعتها التي اختفت كليّاً، قائلة: "كانت لي مزرعة هنا، لم يبق لي سوى صورها التي أعددتها قبل أسابيع من الحرب لأهديها إلى ولدي الأسير الذي كان من المفترض أن أزوره في السجون الإسرائيليّة في رمضان الماضي، لكنّ الحرب منعتني من ذلك". وتشير إلى زوجي حمام أبيضين فوق أنقاض المنزل قائلة: "لم أجد سواها من أصل 30 زوجاً، وإحدى هذه الحمامات وقفت على كتفي يوم غادرنا المنزل نازحين".

ومع بدء حملة توزيع البيوت المتنقّلة "الكرفانات" على بعض المزارعين في خزاعة، ليسكنوا فيها، تقول أمّ محمّد: "نحن 12 فرداً، لن يتّسع لنا هذا المكان لنسكن فيه، لقد تعبنا من الحلول الجزئيّة، وأتمنّى أن تتمّ المصالحة الوطنيّة، وتنتهي المفاوضات بإيجاد حلّ، ليتمّ إعمار بيوتنا المهدّمة، ونزرع أراضينا بهدوء من جديد".

More from Hana Salah

Recommended Articles