تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف سقطت الثورة المصرية على يد قانون التظاهر

Egyptian protesters use flare lights at Talaat Harb Square in downtown Cairo on November 26, 2013 during a clash with police after the security forces dispersed protesters from a demonstration organized by human rights group "No Military Trials for Civilians" in the first unauthorised protest staged in the capital since the adoption of a law that regulates demonstrations. Egypt's interim president Adly Mansour passed a law that allows security forces to gradually step up force while dispersing protestors. A

صباح يوم الاربعاء القادم، سيكمل 25 مصرياً ومن بينهم بعض أشهر النشطاء الثوريين إعادة محاكمتهم بعد أن حكم عليهم بـ15 عاماً لكسرهم قانون التظاهر المثير للجدل. هؤلاء لم يكونوا إرهابيين أو حاملي سلاح، ولكن النظام الحالي، الذي ساعده بعضهم في الإطاحة بالإخوان المسلمين عام 2013، قرر أن يدرجهم في حملة القمع التي يقودها في أنحاء البلاد لكي يقضي على كل ألوان المعارضة.

لقد قمت بتغطية فيضان المحاكمات العسكرية للمدنيين الذي تلى الثورة المصرية في يناير 2011، زرت أهالي الضحايا ممن لقوا حتفهم خلال أيام التظاهرات الثمانية عشرة والتقيت بمن تحولت إصاباتهم خلال التظاهرات إلى إعاقات مستديمة. لكن بحثي في قضية مجلس الشورى كان مختلفاً، لقد وجدتها مثالاً تفصيلياً لحرب النظام على كل ما وكل من تم إعتباره ثورياً. وبعد التعتيم على هذه القضية من الإعلام الموالي للنظام الحاكم وإهمالها من شعب يقال له أن الثورة كانت مؤامرة، من المحتمل أن يزج ببعض أطهر مواطني مصر في السجن بعد يومين من الآن وأن ينسوا مع من سلتقونهم خلف القضبان.

وبالرغم من عواقب البحث والكتابة في هذه الأمور في مصر، التي صنفت كثالث أخطر دولة للصحفيين في العام 2013، قررت أن أكتب القصة التي حكاها بلا خوف من تعاد محاكمتهم على جريمة التمسك بأبسط مطالب الثورة.

في يوم 26 نوفمبر 2013، تجمع عدة مئات من المتظاهرين أمام مجلس الشورى المصري على حافة ميدان التحرير، أيقونة الثورة التي شوهتها سنين من الظلم. قام الإعلام المملوك للدولة والموالي لها بوصف المتظاهرين عن عمد بأنهم تجمعوا خرقاً لقانون التظاهر، لكن الحقيقة أنهم كانوا معارضين لخطة النظام نقل المحاكمات العسكرية للمدنيين من مجرد إجراء استثنائي مدعزم بقوانين استثنائية لحق عسكري محصن بالدستور الجديد.

تعود قصة المحاكمات العسكرية للمدنيين إلى يوم "جمعة الغضب،" 28 يناير 2011، اليوم الرابع والأكثر دموية في الثورة المصرية. في هذا اليوم، منيت شرطة حسني مبارك بهزيمة غير مسبوقة على يد المتظاهرين السلميين التي قتلت منهم المئات. تطور الأحداث في هذا اليوم دفع القوات المسلحة لأول مرة منذ حوالي 20 عاماً لأن تحلق بطائراتها الإف 16 الخارقة لحاجز الصوت وأن تدفع بمركباتها المزمجرة في شوارع القاهرة والمدن الكبرى لكن تسيطر على زمام البلاد وتبدأ حملة المحاكمات العسكرية للآلاف.

منذ هذا اليوم وإلى أن تم إنتخاب رجل الإخوان المسلمين محمد مرسي ليكون رئيساً يوم 28 يونية 2012، حوكم أكثر من 12000 شخص عسكرياً وحكم عليهم بالسجن أو الإعدام إبان حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة. كان رقماً مفزعاً من الأبرياء الذين سجنوا بتهم ملفقة ومفبركة، رقم تخطى ثلاثين عاماً من حكم حسني مبارك الذي حوكم في عهده حوالي ألفي شخص أمام محاكم عسكرية.

شنت حركة "لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين" التي تم تأسيسها خلال الأيام التي تلت الثورة حرباً للحد من الصلاحيات العسكرية الإستثنائية والتي استبدلت قانون طوارئ حسني مبارك، وفي الحالتين، تم تجريد المتهمين من ابسط حقوقهم القانونية والإنسانية.

وبعد الثلاثين من يونية 2013 والإطاحة بمحمد مرسي – وهو التطور الذي سماه النظام الحالي والموالين له "بالثورة التي تبعت مؤامرة يناير 2011" – قامت لجنة الخمسين المكلفة بتعديل دستور الإخوان المسلمين 2012 والتي ترأسها عمرو موسى، وزير خارجية حسني مبارك، بمناقشة مادة تسمح بما سمي "بالمحاكمات العسكرية المشروطة للمدنيين."

قالت نازلي حسين، الناشطة المعروفة وأحد أهم شخصيات حركة لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين، أن "مناقشة لجنة الدستور لمادة المحاكمات العسكرية وإظهار نيتها للموافقة عليها وضعت القوى الثورية في وسط المعركة الدائرة بين الإخوان المسلمين والنظام الذي أطاح بهم."

بعدها كان أول نداء للتظاهر أمام مجلس الشورى والذي نشر يوم التاسع من نوفمبر، وبعد حوالي أسبوعين، قام مسعد أبو فجر، الناشط المعروف الذي تم اعتقاله بموجب قانون التظاهر إبان حكم حسني مبارك، بالانسحاب من جلسة لجنة الخمسين إعتراضاً على الموافقة العريضة على ما تعتبره المعارضة والقوى الثورية أحد أهم الطرق التي تستخدمها القوات المسلحة لقمع معارضيها.

"إن هذه المادة بصياغتها الحالية مادة معوجة والمعوج لا يستقيم حتى لو صوت عليه العالم كله،" كان هذا ما قالة أبو فجر الذي أضاف أن "هذه المادة لا تليق بدستور يتم صياغته بعد ثورة في القرن الحادي والعشرين." وبالرغم من هذا، تمت الموافقة على المادة يوم 21 نوفمبر.

وبالرغم من منح الحصانة الدستورية للمحاكمات العسكرية للمدنيين، قرر النظام المصري على الاستحواذ على صلاحيات أكبر لقمع المعارضة تحسباً لأن تكون شروط المحاكمات العسكرية، التي باتت دستورية، غير مستوفاه.

في الرابع عشر من نوفمبر، ذات اليوم الذي أطلقت فيه الدعوة الثانية للتظاهر أمام مجلس الشورى، قام الرئيس المؤقت عدلي منصور بتمرير قانون التظاهر الذي لم يستطع مرسي أو المجلس العسكري تمريره أثناء فترة حكمهم. منع القانون أي وجه من أوجه التظاهر إلا بتصريح من الجهات الأمنية، وحتى إذا تم التصريح، تمتعت السلطات بعدد من الأسباب الأخرى لإلقاء القبض على ومحاكمة وسجن أي متظاهر حول البلاد.

تم نشر نص القانون في صحيفة الأهرام المملوكة للدولة وتم تفعيله يوم الخامس والعشرين من نوفمبر 2013.

26 نوفمبر: تجربة قانون التظاهر

وصل محمود يحيى إلى مجلس مجلس الشورى في الساعة الرابعة عصراً يوم المظاهرة، وهو ناشط مصري في الثامنة والعشرين ومعروف بدراجته التي يطوف بها القاهرة حاملاً لافتات سياسية. كان شارع القصر العيني مغلقاً بحائط خرساني يقف على بعد أمتار من مكان المظاهرة.

لاحظ يحيى أن قوات الأمن كانت متمركزة على الشارع الرئيسي بدلاً من مكانها المعتاد في الشارع الجانبي المؤدي لمقر الحكومة.

"كان من الواضح أن الامن يغلق المنطقة لمحاصرة المتظاهرين،" كان هذا رأي يحيى وهو واحد من ثلاثة متظاهرين وافقوا على الحديث للمونيتور دون إخفاء هوياتهم. العديد من الاخرين الذين تحدثوا رفضوا الإفصاح عن هوياتهم خوفاً من الملاحقة.

في الرابع والربع وصل عدد المتظاهرين إلى حوالي 400 شخص. حركة المرور كانت بطيئة والتزم المتظاهرون مكانهم على الرصيف المقابل لمجلس الشورى. غالبية اللافتات المرفوعة والشعارات التي رددت كانت مناهضة للمحاكمات العسكرية للمدنيين وقانون التظاهر في يومه الأول. ضمت المجموعة ستة عضوات على الأقل من حركة لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين بجانب عدد كبير من النشطاء المعروفين من كافة الأطياف السياسية والشبابية.

في خلال عشر دقائق، وصلت سايرة مطافي ووجهت مدفع المياه للمتظاهرين، بينما نادى ظابط الشرطة على المتظاهرين بأن يتفرقوا بينما أحاطت به قواته ومدرعاته.

قال محمد سامي للمونيتور: "أتذكر تحذيره بأن ننهي المظاهرة في خلال أربع دقائق وهو وقت غير كافي لأكثر من أربعمائة متظاهر، لكننا لم نحظى حتى بهذا الوقت،" سامي أيضا في الثامنة والعشرين من العمر وهو ابن خال محمد جابر المعروف بجيكا والذي قتل في مظاهرة إبان حكم الرئيس المعزول محمد مرسي.

يحيى، الذي جلس بجانب سامي أثناء حوارهم مع المونيتور، كان واقفاً في جانب آخر من التظاهرة، وأكد على ما قاله سامي، بينما أظهر فيديو صوره صحافيون محليون ما قاله الإثنان. وقف يحيى بظهره إلى الحائط ليتفادى التدافع المتوقع مع إطلاق المياه، بينما وقف أبوه الدكتور يحيى عبد الشافي في مكان آخر. وحينها بدأ سامي و ممدوح جمال, 19 عاماً، في الركض بعيداً.

أحد الظباط المقنعين عبر الشارع وأمسك بيحيى. "قلت له لا تضرب، أنا لن أهرب لأني لست جبان مثلك، فضربني في وجهي وأصابني بكدمة ظلت لأيام."

سامي، الذي بدأ في الركض مع إطلاق المياه، عاد ليدافع عن نازلي حسين ومتظاهرة أخرى. "رأيت رجالاً بزي مدني يضربون المتظاهرات فعدت لحمايتهم." وتم القبض عليه مع من حاول الدفاع عنهم. أما نعمه سعودي، 20 عاماً، فتم القبض عليها أيضا حينما صرخت في رجال الشرطة وهم يضربون ويجرون سامي.

في الرابعة وأربعون دقيقة كان أكثر من 50 متظاهراً قد تم اعتقالهم بالفعل واحتجزوا في ساحة مجلس الشورى حيث يتم كتابة دستور مصر الجديد. بعض أعضاء اللجنة الدستورية هرعوا للإعتراض على ما تفعله الشرطة وللدفاع عن المتظاهرين، كان مسعد أبو فجر من بينهم. أما عمرو موسى، رئيس اللجنة وأعلى رتبة في المبنى حين تحول إلى مقر احتجاز مؤقت، فقد نظر فقط إلى المتظاهرين بينما أمرتهم الشرطة بالجلوس في وضع الأسرى.

"لم نركع كالأسرى، ولم ينزل عمرو موسى السلم ليتحقق من الأمر." أضاف سامي.

التحدي

"لاحظنا فجأة أن الشرطة بدأت في سحب المتظاهرين الرجال واحداً تلو الآخر ليضعوهم في سيارة الترحيل المنتظرة بالخارج،" قالت نعمة سعودي. "فقمنا نحن المتظاهرات بعمل حاجز بين الشرطة والرجال."

وأصر المتظاهرون المعتقلون على أن يتم ترحيلهم جميعا في نفس السيارة.

قالت نازلي حسين، عضوة لا للمحاكمات العسكرية، أن الأمر "لم يكن بطولة أكثر مما كان خوفاً مما قد يحدث إذا تم فصل المتظاهرين عن المتظاهرات في سيارات مختلفة."

أضافت حسين - التي وثقت عشرات من قضايا الانتهاكات وعنف الشرطة بما في ذلك قضاياها الشخصية خلال عملها كناشطة في حقوق الإنسان - أن "بعض المتظاهرات تعرضن للتحرش أثناء القبض عليهن، والتهديدات والإهانات كانت مرعبة والمتظاهرين الرجال كانوا يضربون. أأمن قرار وقتها كان البقاء معاً لندافع عن بعض ونشهد ما سيحدث لأي منا." 

كان من بين المعتقلين محامين وصحفيين وسياسيين شباب وشخص واحد يحمل الجنسية الأمريكية. فيضان التغريدات على تويتر والرسائل الالكترونية والمكالمات الهاتفية التي أجريت خلال دقائق الإعتقال، بجانب ظهور عدد من أعضاء لجنة الدستور أجبر قيادات الشرطة على قرار إطلاق سراح المعتقلات. لكن محاولاتهم لنزع فتيل الموقف كانت بلا أثر، لقد اعتقلوا تواً مجموعة من أبرز النشطاء السياسيين والحقوقيين.

"رفضنا نحن المتظاهرات أن يطلق سراحنا وأصررنا على أن نعتقل مع الرجال مما أغضب الشرطة أكثر،" قالت حسين.

 القرار كان فورياً وفي الساعة الرابعة وخمسون دقيقة تم اقتياد كل من أصر على البقاء إلى سيارة الترحيل. محمد سامي أقنع نعمة سعودي أن تخرج وبالفعل، ذهبت مع مجموعة أخرى. وحينها تم الزج بستة وأربعين شخصاً، 13 من الإناث و33 من الذكور، في سيارة ترحيلات متوسطة الحجم مخصصة لنقل 20 شخص على الأكثر. إتخذت قيادات الشرطة قرار دفع كل هذا العدد في السيارة بعد شهور قليلة من وفاة 37 متظاهراً قيل أنهم من جماعة الأخوان المسلمين حين ضربوا بالغاز المسيل للدموع داخل سيارة شبيهة، وسميت القضية بأسم مكان موتهم، أبو زعبل.

وصفت حسين المشهد داخل القفص الحديدي لسيارة الترحيلات: وقف المعتقلون على أرجل بعضهم، وقع بعضهم على البعض الاخر وحاولوا انقاذ من يفقد الوعي بنقلهم إلى آخر القفص حيث بعض التهوية. "كل ما دار بذهني هو ضحايا أبو زعبل."

تم مصادرة هواتف المعتقلين عدا اثنين نجحا في تهريبها داخل سيارة الترحيلات، وعندما تحركت السيارة لجهة غير معلومة قمت منى سيف، مؤسسة حركة لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين، بالنداء على الجميع وتسجيل أسمائهم لكي تنشرها على مواقع التواصل الإجتماعي.

"وقفت السيارة أمام قسم شرطة السيدة زينب (على بعد كيلومترات من مجلس الشورى) لمدة نصف ساعة ولكننا ظلننا محبوسين في القفص، ثم تحركت مرة أخرى،" قال محمد سامي الذي وقف طوال الرحلة داخل القفص.

كل من قابلتهم المونيتور من المعتقلين في هذا اليوم أكدوا ان سائق سيارة الترحيلات تعمد الاسراع والوقوف فجأة مما أسقطهم فوق بعضهم وقالت حسين انه كان "يسرع تجاه المطبات بجنون لكي يأذي المحتجزين في القفص، وقد آذاهم بالفعل."

وصلت السيارة أخيراً إلى قسم شرطة القاهرة الجديدة الذي يبعد حوالي 20 كيلومتراً عن مكان المظاهرة. كانت الساعة حوالي السابعة والربع مساءً وبينما خرج المعتقلون من السيارة، قامت رشا عزب، وهي أيضا ناشطة معروفة من حركة لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين، بأخذ زمام الأمر وتحذير الشرطة ألا يعتدوا على المعتقلين.

أضاف سامي أنه "لولا كلمات رشا عزب وعددنا الكبير لكانت الشرطة استقبلتنا بالتشريفة (كلمة عامية مصرية تستخدم للإشارة لضرب المعتقلين اثناء استقبالهم في أماكن الاحتجاز)."

تخلصوا من المتظاهرات

تم احتجاز المتظاهرين الذكور في ساحة قسم شرطة القاهرة الجديدة المؤدية إلى الزنازين، بينما أمرت المتظاهرات بالجلوس على السلم المؤدي للدور العلوي من مبنى القسم.

"كانت هذه آخر مرة رأينا فيها المتظاهرات،" قال محمد سامي، "وبعد فترة قصيرة سمعنا أصوات هتافات من الخارج فعرفنا أن النشطاء والمحامين قد وصلوا لمساعدتنا وأن المظاهرة نقلت إلى خارج قسم الشرطة."

تم أخذ المعلومات الشخصية لكل من المعتقلين الذكور على يد رجلي شرطة، وعلى الجانب الآخر، فشلت محاولات إقناع الإناث بالرحيل طواعية. "تحدثوا مع بعضنا وحاولوا إقناعنا،" قالت حسين "لكن الرد ظل موحداً كما كان في مجلس الشورى. "إما أن نرحل جميعاً أو نبقى في الحجز جميعاً."

تسلم الذكور بعض المأكولات والسجائر ورسائل من بعض محاميي حقوق الإنسان الذين وصلوا الى قسم الشرطة. كانت الرسائل مطمئنة وأشارت إلى أن الجميع سيفرج عنهم خلال ساعات. وفجأة بعد الساعة العاشرة بقليل، سمع الذكور المعتقلون صوت صراخ الإناث. "علا صوتنا وضربنا حوائط ساحة الحجز، لكننا لم نعرف ما حدث وتوقف صراخ الإناث بعد قليل،" قال سامي.

كانت هذه صرخات المعتقلات الإناث حين قرر رجال الشرطة أن يبرحوهن ضرباً ويجبروهن على الصعود في عربة ترحيلات أخرى وقفت في الساحة الخلفية لقسم الشرطة.

"بدأ الضرب حينما عدت من دورة المياه، كل من كانت تجلس على السلم تم التعدي عليها ضرباً من رجلي شرطة، صفعنا ولكمنا وركلنا ثم جررنا إلى باب سيارة الترحيلات،" قالت حسين للمونيتور. وعند باب السيارة، قرر أفراد الشرطة أن رشا عزب، التي حذرتهم وانقذت المعتقلين من التشريفة، ستحظى بحلقة خاصة من الضرب.

وبدأت رحلة مزرية أخرى لمكان مجهول. هذه المرة كانت الحمولة 13 معتقلة، جميعهن يبكين ويفكرن في ما سيأتي.

وصفت حسين المشهد داخل السيارة الثانية في نفس اليوم: "كل واحدة انهارت بطريقتها الخاصة. الأفكار كانت مريعة وكل شيء من الممكن أن يحدث من التعذيب إلى الاغتصاب أو القتل. وإذا اعتقدنا مسبقاً أن سيارة الترحيلات الأولى آلمتنا فلا، هذه المرة كانت فعلاً مؤلمة."

بقي هاتف واحد مخبأ المعتقلات الثلاثة عشر. "ولاحظنا أن سيارة الترحيلات مرت على الطريق الدائري وفي لحظة ما أحسسنا أن السيارة خرجت من على الطريق وسارت في طريق غير ممهد." قالت حسين مضيفة أنهم "خلال الرحلة بعثنا بالإحداثيات من الهاتف الموجود معنا، مررنا خلف سجن طره ثم منطقة حلوان ثم رأينا من نافذة القفص الضيقة لافتة مدون عليها 15 مايو. عرفنا أننا جنوب القاهرة. اخيراً توقفت السيارة وضربنا مرة أخرى ونحن نزج خارج السيارة."

تركت سيارة الترحيلات المعتقلات الثلاثة عشرة في منطقة نائية حوالي منتصف الليل، كانوا قرب طريق غير ممهد يؤدي من جهة إلى ظلمة أكثر ومن الناحية الأخرى إلى ضوء خافت. "تبعنا الضوء حتى وصلنا إليه وأخيراً وجدنا أصدقاء لنا كانوا يتتبعون سيارة الترحيلات. عرفنا أننا قرب الطريق المؤدي إلى الصعيد (محافظات الجنوب المصري)."

"إلتقينا أصدقائنا في الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل."

بالتزامن مع خطة الشرطة للتخلص من المعتقلات الإناث، اللاتي كن سبباً رئيسياً لإكساب القضية زخماً كبيراً في ساعات قليلة، وصل رجال النيابة وأفرجوا عن عدد من المعتقلين الرجال وبقي أربعة وعشرون ممن أصبحوا بعدها بأيام متهموا قضية مجلس الشورى.

وبالرغم من بشاعة الموقف، لم تكن هذه النهاية للمعتقلات.

"ذهب ستة من أعضاء حركة لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين التي نادت بالتظاهرة في الأساس إلى نيابة القاهرة في صباح يوم 27 نوفمبر وحررنا محضراً رسميا بما حدث وتحملنا مسؤولية المناداة للمظاهرة وتحديد ميعادها وتنظيمها،" قالت نازلي حسين التي كانت ضمن الأعضاء الست.

"نظر وكيل النيابة لأمي التي جلست بجانبي خلال التحقيق وسألها: انتي عارفة إن بنتك كده بتعترف بإرتكاب جريمة؟ لم تجبه أمي وأصررت أنا على كل كلمة قلتها."

كل منهن طالبت رسمياً بأن يتم احتجازها مع باقي المعتقلين. لكن الطلب لم يلقى أي اهتمام وتم وصفهم لاحقاً في أوراق النيابة بأنهم "يسعون للظهور الإعلامي."

المتهم رقم 1

علاء عبد الفتاح، أحد أشهر النشطاء المصريين وأخ لمنى سيف، مؤسسة حركة لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين والتي كانت بين المتظاهرات اللتي تم الإلقاء بهن في جنوب القاهرة، كان أيضا في المظاهرة. حوالي 10 مقاطع فيديو صورت للمظاهرة (وعرضت المونيتور سبعة منها) أظهرت القبض على العديد من المتظاهرين وبالرغم من ذلك فإن عبد الفتاح لم يظهر في أي من الفيديوهات ولا أثناء القبض.

عندما انتشرت الأخبار عبر مواقع التواصل الإجتماعي أن المقبوض عليهم تم ترحيلهم لقسم شرطة القاهرة الجديدة، كان عبد الفتاح من بين أول من وصلوا وبقوا هناك يهتفون ومثل أغلب من تواجد، يحاولون المساعدة قدر المستطاع. إثنان من المحامين الذين حضروا الإجراءات الأولية في قسم الشرطة أخبروا المونيتور بأن إسم علاء عبد الفتاح تم إدراجه في محضر القضية كمتهم رئيسي بينما وقف هو على بعد أمتار دون أن يلقى القبض عليه.

وفي يوم 28 نوفمبر، اقتحمت قوات الشرطة منزل عبد الفتاح بعد أن كسرت بابه وتعدت عليه وعلى زوجته أمام إبنهم الرضيع، قامت أيضا بمصادرة هواتفهم وجهاز كمبيوتر محمول قبل أن تخرج بعبد الفتاح وهو ينزف جراء الضرب الذي تعرض له. لم يكن مع رجال الشرطة في هذه الحملة غير أمر القبض على عبد الفتاح ولم يكن لديهم أي ذريعة قانونية لتفتيش أو مصادرة أي من محتويات منزله.

عبد الفتاح، وهو آخر من ألقي القبض عليهم من منزله بعد يومين من الحدث، أضيف إلى ملف القضية على انه المتهم الأول ووجهت له أغلب التهم المفبركة التي أعلنت لاحقاً في الجلسة الأولى من المحاكمة. وبينما تم ترحيله لجهة غير معلومة، الأربعة وعشرون الآخرون تم ترحيلهم إلى سجن طره جنوب القاهرة.

قال محمود يحيى للمونيتور أنهم علموا في هذا الوقت "أن الرسائل التي تلقوها في قسم الشرطة بأنهم سيتم الإفراج عنهم ما كانت إلا محاولة لإمتصاص غضبنا وإقناعنا بأن نهدأ."

وتمت المسائلة الأولى على أيدي موظفي النيابة في غرفتين منفصلتين داخل قسم الشرطة. أغلبية الاربعة وعشرين معتقلاً أقروا بمشاركتهم في المظاهرة وأعطوا تفاصيل القبض عليهم. عين يحيى كانت متورمة جراء ضربة الشرطي المقنع أثناء القبض عليه وبالرغم من ذلك لم تظهر لاحقا في ملف القضية.

"لم نكن أبطالاً ولكننا لم نرتكب جريمة ولم يكن لدينا شيئاً نخفيه. كنت من بين من إنفضوا لكني عدت عندما رأيت رجالاً في زي مدني يعتدون على سيدات، أي شخص كان سيفعل ما فعلت،" قال سامي مضيفاً: "لكن وصولنا لسجن طره كان مدهشاً. بدلاً من تشريفة الضرب المعتادة، إستقبلنا مساعد وزير الداخلية لمصلحة السجون اللواء محمد راتب. في زيه الكامل وابتسامة عريضة، قام بتعريفنا على العنبر الذي تم إخلاؤه خصيصاً في اليوم السابق. الأسرة كانت جديدة والبطانيات مازالت بأكياسها وتم تنظيف العنبر جيداً."

أضاف يحيى أن اللواء راتب قال لنا "ستتم استضافتكم في سجن طره حتى تخلي المحكمة سبيلكم بعد أيام قليلة. قال لنا 'أنا بنتي وابني كانوا معاكوا في ميدان التحرير في 2011، إحنا مفيش حاجة بينا وبينكوا دي مجرد إجراءات روتينية."

بقي المحتجزون الاربعة وعشرين في سجن طرة ثمانية أيام، خلالها تشاوروا في أن يبدؤوا الإضراب عن الطعام والمناداة بمظاهرات أكبر في الشارع. لكن المعاملة الحسنة الاستثنائية والرسائل المطمئنة من المحامين وبعض التهديد من إدارة السجن بتحويلهم للحبس الانفرادي جعلتهم أخذوا قرار انتظار التطورات الايجابية.

"أخيراً اقتنعنا أننا خدعنا لكي لا نصعد، خدعنا بالمعاملة الجيدة من بعض ضباط قسم الشرطة ومساعد وزير الداخلية في السجن وخسرنا فرصتنا أن نكسب زخماً أكبر للقضية،" أضاف يحيى.

في اليوم التاسع، وقف المتهمون الذين وصل عددهم لخمسة وعشرين بعد إضافة علاء عبد الفتاح أمام المحكمة. تم إخلاء سبيل الجميع على ذمة القضية ما عدا عبد الفتاح وأحمد عبد الرحمن الذي إتهم بحمل سلاح: سكين طعام كان موجوداً في حقيبته مع ملعقته وشوكتة والصابون والملابس التي يحملها لعمله كموظف أمن في شركة خاصة.

تلبيس عبد الفتاح

تم تحويل قضية مجلس الشورى رسمياً لمحكمة جنايات القاهرة يوم 3 مارس 2014 وحمل ملف القضية توقيع رئيس نيابة وسط القاهرة وائل شبل وتضمنت الصفحة الأولى من ملف القضية تاريخ الجلسة الأولى يوم 23 مارس 2014.

الصفحات الست الأولى من الملف تضمنت أسماء المتهمين الخمسة وعشرون والتهم الموجهة لهم من النيابة. جزء من الصفحة السادسة خصص للمتهم الأول علاء عبد الفتاح: " المتهم الاول أيضا: أ) دبر تجمهر مؤلف من أكثر من خمسة أشخاص من شأنه أن يجعل السلم العام في خطر وكان الغرض منه ارتكاب جرائم الاعتداء على الأشخاص والممتلكات العامة والخاصة والتأثير على رجال السلطة العامة في أداء أعمالهم بالقوة والعنف على النحو المبين بالتحقيقات. ب) نظم تظاهرة دون أن يخطر كتابة قسم الشرطة الذي يقع بدائرته مكان سير التظاهرة على النحو المبين بالتحقيقات."

شهد خمسة من رجال الشرطة بأن القوات في محيط المظاهرة تمكنت من القبض على "24 من المتهمين" ولم يكن بينهم عبد الفتاح الذي كان محور كل الاتهامات والشهادات.

الشاهد السادس كان المقدم عماد طاحون الذي إدعى أن علاء عبد الفتاح وآخرين قاموا بالتعدي عليه بالضرب وقاموا بسرقة جهاز اللاسلكي الخاص به وأضاف "أنه تعرف على المدعو علاء عبد الفتاح كونه معروف وظهر عدة مرات في التلفاز وعقب ذلك فروا جميعهم هاربين إلا ان القوات تمكنت من ضبط بعضهم."

بينما أكدت شهادة النقيب كريم منصور على الشهادات السابقة وأضاف أنه شاهد علاء عبد الفتاح وهو يضرب ويسرق جهاز اللاسلكي الخاص بالمقدم عماد طاحون. لكن بالتدقيق في ملف القضية، يتضح أن النيابة قد لخصت الشهادة الأصلية في محضر الشرطة من صفحتين إلى سطر واحد مع وجود تضارب بين الشهادة الأصلية وتلك التي أدلى بها طاحون الذي إدعى أنه اعتدي عليه.

التحقيق المكون من 13 عشرة صفحة تحمل توقيع رئيس النيابة وائل شبل لم يقدم أي شيء غير شهادات الضباط، لم يقدم دقيقة واحدة من الفيديو تصور الاعتداء المزعوم الذي أدعى 11 ظابطا مشاهدته بالرغم من أن هذا المكان في وسط القاهرة مغطى تماماً بكاميرات التأمين الخاصة بمبنى مجلس الشورى حيث تم اعتقال المتظاهرين ومبنى مجلس الشعب الملاصق والكاميرات الخاصة ببنكين على الجانب المقابل من الشارع.

الحبس 15 عاماً

المشكلة الأولى والأكثر وضوحاً التي شابت هذه القضية هي مشكلة شابت آلاف القضايا الأخرى على مر السنين: النيابة هي جهة الاتهام والتحقيق في نفس الوقت.

في مصر، توجيه التهم والتحقيق في نفس التهم عمليتين متوازيتين تحت المظلة المحنة لنفس الجهة الحكومية وهي النيابة العامة وهدفها الوحيد هو كسب القضية والإلقاء بالمتهم خلف القضبان أو إرساله مباشرة لحبل المشنقة. وعندما تكون السلطتان في يد جهة واحدة تريد إثبات صحة ودقة عملها، فمن الممكن أن يتم تلخيص ملف القضية أو سوء شرحه أو تغيير بعضه من صفحتين الى سطرين كما الحال في قضية مجلس الشورى، ومن الممكن أن تحاك التهم لكي تتماشى مع التحقيق أو أن تحاك التحقيقات والشهادات والأدلة لكي تثبت التهم.

كريم عبد الراضي، أحد محامي الدفاع في قضية مجلس الشورى وعضو الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، قال للمونيتور أن "فصل سلطتي الاتهام والتحقيق مطلب من أهم مطالب نشطاء حقوق الإنسان ومئات القضاة منذ عام 2005."

في 2005، نظم مئات القضاة مظاهرتهم الشهيرة وسط العاصمة المصرية للإحتجاج على تسييس مبارك المستمر للقضاء لصالح حكمه. عوقبت مظاهرتهم آنذاك كأي مظاهرة أخرى. تم فصل بعضهم عن العمل وإحالة البعض الآخر للتقاعد ولم تجب مطالبهم.

وبجانب احتكار النيابة لسلطة الاتهام والتحقيقات المطلوبة، أكد عبد الراضي للمونيتور أن التحقيقات في قضية مجلس الشورى بنيت فقط على شهادات بعض رجال الشرطة. "وفي حالات عدة، اعتبرت محكمة النقض المصرية أن الشهادات دليل غير كافي وفي أغلبية القضايا المنظورة أمام محكمة الجنايات مثل هذه القضية يتم تبرئة المتهمين بسبب نقص الأدلة."

أضاف عبد الراضي أنه "بالرغم من نقص الأدلة الواضح تم حبس إثنين من المتهمين على ذمة القضية، وهي سياسة النظام الحالي لعقاب النشطاء السياسيين داخل حدود القوانين الجديدة التي استبدلت قانون الطوارئ."

"بعد إلغاء قانون الطوارئ عام 2011، خسر النظام سلطة الاعتقال العشوائي بدون محاكمة ولكن تم استبدال هذه السياسة في 90% من القضايا السياسية بالحبس على ذمة القضية. وعندما تعرف النيابة والقضاء أن ملف القضية ليس بالقوة الكافية ليضمن حبس المتهمين، يتم ابقاؤهم في الحبس على ذمة القضية التي يحددون هم كم الوقت ستستغرق."

يعني هذا الواقع القضائي أنه إذا استمرت القضية لمدة ست جلسات بمدة شهرين بين كل جلسة، سيبقى المتهم البريء في حبس قانوني لمدة 12 شهراً قبل أن يصدر قرار بشأنه. في العموم، وزارة العدل هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن تحديد مواعيد بدأ القضايا، وفي قضية مجلس الشورى، تم حبس علاء عبد الفتاح وأحمد عبد الرحمن لمدة اربعة أشهر منذ تاريخ تحويل القضية من نيابة وسط القاهرة لمحكمة الجنايات وإلى أن تم تحديد ميعاد أول جلسة وتحديد القاضي المختص.

في الجلسة الأولى يوم 23 مارس 2014 والتي يشار إليها بجلسة الطلبات، طلب محامو الدفاع شهادة عدد من الشخصيات من بينها أعضاء اللجنة الدستورية ممن شهدوا الأحداث أمام مجلس الشورى وطلبوا أيضا إضافة فيديوهات كاميرات الأمن الخاصة بمجلسي الشعب والشورى.

أما الأدلة الملموسة التي قدمتها النيابة للمحكمة فكانت عبارة عن نصل حاد طوله 30 سنتيمتر، هاتف محمول، اسطوانة كمبيوتر، وتقرير ادارة الدعم الفني في وزارة الداخلية.

القرار الوحيد الذي اتخذته المحكمة في هذه الجلسة كان الإفراج عن عبد الفتاح وعبد الرحمن بكفالة 10 آلاف جنيه لكل منهما وتم تحديد الجلسة الثانية يوم 6 ابريل 2014.

أتت هذه الجلسة الثانية من القضية بتفاصيل مذهلة حيث قدم محامو علاء عبد الفتاح طلباً "لرد القاضي محمد مصطفى الفقي،" وهو أمر معتاد في المحاكم المصرية ويعني تعيين قاضي مختلف للقضية وعادة ما يتم قبوله إذا ما قدم صاحب الطلب تبريراً منطقياً. في الواقع، تنحى عدد من أكبر قضاة مصر الذين عينوا لنظر قضايا كبرى لمجرد إحتمالية وجود خصومة بينهم وبين المتهمين.

تبرير عبد الفتاح للطلب كان منطقياً جداً.

قال طاهر ابو النصر، أحد محاميي عبد الفتاح، أن "هيئة الدفاع طالبت برد رئيس المحكة نظرا لوجود خصومة بين علاء ومحاميه على خلفية نشره تفاصيل تزوير انتخابات 2005 و2010 والتي تضمنت الدائرة الانتخابية التي أشرف عليها القاضي." وأضاف أن "عبد الفتاح تقدم شخصياً بقضية للنائب العام في 2013 يطلب فيها التحقيق في تزوير الانتخابات."

كان رد وزارة العدل والقاضي تجاهل الطلب.

"يالإضافة لسلطة النيابة تقرير ما يعتبر مشاركة أو بلاغات جادة وما هو غير جاد، وتجاهل وزارة العدل لطلب رد القاضي والأمور القضائية العامة التي تشوب القضية ومئات القضايا الأخرى، لم يكن هناك جلسات استماع أو شهود ولم يتسنى للمحامين فرصة أن يترافعوا،" قالت نيرة السيد، محامية دفاع أخرى من الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

في يوم 5 مايو 2014، تم تأجيل الجلسة ليوم 11 يونية، وفي الجلسة الرابعة أوقفت قوات أمن معهد أمناء الشرطة حيث تعقد المحاكمة استثنائياً علاء عبد الفتاح واثنين من المتهمين خارج بوابة لعدم وجود التصاريح اللازمة بينما اعتبر القاضي كل المتهمين غائبون واصدر حكمه بالسجن 15 عاماً لكل منهم.

بعد الحكم بدقائق، تم القبض على علاء عبد الفتاح والمتهمين الآخرين.

"عندما يغيب المتهم يفقد حقه في الدفاع،" قالت نيرة السيد، "لم نستطع الدفاع عن موكلينا لأن أمن المبنى الغير قضائي الذي تعقد فيه المحاكمة منعهم من الدخول."

وفي هذا اليوم، اصدر القاضي حكمه في الساعة التاسعة والنصف صباحاً، أي حوالي نصف ساعة قبل أن يبدأ يوم العمل المعتاد في المحاكم.

غالبية المتهمين الباقين وهم اثنان وعشرون حضروا لمعهد أمنائ الشرطة بعد الحكم المبكر ولم يقبض على أي منهم. وفي خلال يومين، تم الموافقة على طلب إعادة المحاكمة المقدم من الجميع والافراج عنهم عدا علاء عبد الفتاح، أحمد عبد الرحمن ووائل السمري الذين ظلوا في محبسهم.

بعد الحكم بعشرة أيام، 21 يونية 2014، ألقي القبض على سناء سيف، أخت علاء عبد الفتاح الصغرى التي تبعت تاريخ عائلتها في الدفاع عن حقوق الإنسان أثناء تظاهرة نظمتها للمطالبة بالإفراج عن معتقلي مجلس الشورى وتم تحويلها إلى سجن في القاهرة حيث لا تزال لليوم.

وفي أثناء مقابلة المونيتور مع محاميي الدفاع في مقر الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بوسط القاهرة، أكدت تقارير وفاة والد علاء عبد الفتاح ومحامي حقوق الإنسان المعروف أحمد سيف الإسلام بعد أسبوع قضاه في غيبوبة.

تم السماح لعلاء وأخته سناء بحضور جنازة أبيهم تحت حراسة مشددة وبزي السجن.

"أبونا مات شهيد وانتوا عارفين اللي قتله،" قال عبد الفتاح لمئات حضروا لتشييع أبيه.

تقنين القمع

على مر الأسابيع الماضية من البحث في ملف القضية وكتابة هذا المقال، سألت كل من وافق على الحديث للمونيتور ما إذا كانوا قلقين من عواقب تصريحاتهم. كل منهم قال انهم يتوقعون الأسوء نتيجة لحديثهم مع وسائل الإعلام، أو الإضراب عن الطعام والمناداة بمظاهرات أكبر. لكن لعدم وجود ضمانات لما سيحدث قبل أو خلال الجلسة القادمة يوم 10 سبتمبر 2014، فقد قرروا جميعاً التصعيد.

" قالت لي أمي أنه إذا اراد النظام سجنك وأنت بريئة سيفعل، وإذا أراد إطلاقك وأنت مجرمة أيضا سيفعل،" قالت نازلي حسين. "ما قالته أمي كان وصفاً دقيقاً لتجربتي مع هذه القضية."

"لقد ذهبت للنيابة وتحملت مسؤولية المناداة للمظاهرة وتنظيمها وبالرغم من ذلك فإن علاء عبد الفتاح في السجن لما اعترفت انا به، هذه حرب على الشباب الثوري، تنتقي وتستهدف الشخصيات المعروفة لإرهاب كل من يفكر في الانضمام للمعارضة."

أضافت حسين أن الفرق هذه المرة "هو انضمام النيابة للحرب ضدنا – وهي التي كانت نظرياً محايدة على عكس القضاء والشرطة والإعلام المسيس. وقد أعلن النظام أن هذه الحرب شخصية عندما احتجز علاء عبد الفتاح خارج قاعة المحكمة بينما أصدر القاضي حكماً غيابياً."

"لقد أكملت النيابة محور الظلم مع الشرطة والقضاء."

ويعتقد محمد سامي أن ما يحدث هو "حملة موجهة للقضاء على الرموز الثورية التي تحرك المعارضة. وإذا لم سكن الأمر كذلك فلم نحن طلقاء بالرغم من المرور بنفس العملية القضائية التي مر بها علاء عبد الفتاح."

يقول سامي أن النظام الحالي - تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع السابق – كان من الممكن أن يفتح صفحة جديدة مع الشباب الثوري بالرغم من القمع والمعارضة المستمرة، لكن بدلاً من ذلك، "وصل هذا النظام ومعه السجن وحملات قمع أشد، ومن الواضح أنه يريد سحق المعارضة على مر السنين القادمة من خلال تدمير حياة ومستقبل 25 شخصاً أغلبهم في العشرينيات."

أما محمود يحيى الذي يمر بهذه المحنة بجانب ابيه، يحيى عبد الشافي، فقال "أن هذا هو وقت التصعيد لوصم هذا النظام ورؤوسه بالعار." وأضاف أنهم خدعوا في البداية ليظلوا صامتين، "خلال ايامنا في السجن عاملونا برفق، قالوا أنهم سيفرجون عنا، وهددونا بالحجز الانفرادي إذا أضربنا عن الطعام وقررنا عدم التصعيد."

"ولكن بما أننا محكوم علينا بالسجن 15 عاماً وننتظر بينما يلقى أصدقاؤنا في السجن واحداً تلو الآخر، فلا خيار أمامنا غير التصعيد في وجه هذا النظام القمعي."

وبدأ التصعيد بالفعل من خلف القضبان. علاء عبد الفتاح وأخته سناء سيف بدأوا الإضراب عن الطعام مع عدد من النشطاء المحبوسين. كتب عبد الفتاح رسالة حزينة من زنزانته وتم نشرها قبل وفاة والده بيوم واحد.

الخاتمة

حضرت عزاء أحمد سيف الإسلام يوم 30 أغسطس 2014، وقد اقيم في مسجد عمر مكرم المحاذي لميدان التحرير والذي كان مقراً للمستشفى الميداني خلال أيام ثورة 25 يناير الدامية. حضر المئات من كل مناحي الحياة السياسية والإجتماعية في مصر. بينما وقف رجال الشرطة متربصين لعلاء وسناء الذين وقفا بجانب اختهم منى التي طالما حاربت المحاكمات العسكرية للمدنيين، وأمهم ليلى سويف التي ناضلت بحجم نضال أبيهم في الدفاع عن حقوق الإنسان.

كان أحمد سيف الإسلام، الذي سجن وعذب لخمس سنوات في الثمانينيات، قد أرسل رسالة لإبنه الوحيد السجين قبل مرضه. تم تسجيل رسالته في مؤتمر صحفي يوم 4 يناير 2014، بعد أن أعتقل إبنه للمرة الأولى في القضية. خاطبت الرسالة كل من شارك في ثورة يناير 2011.

"هل سيورث جيلكم أحفادي، أولادكم، مجتمعاً أفضل من المجتمع الذي ورثناكم إياه؟ أرجو ذلك، أرجو أن تنجحو فيما فشلنا فيه. وعذراً مرة أخرى. عذراً لم نستطيع أن تحقق لكم ما كنا نطمح إليه."

وأخيراً، يبقى هذا المجتمع الأفضل، الذي يحلم به علاء عبد الفتاح وجيله والذي وعدته ثورة 2011، مجرد طموح.

More from Mohannad Sabry

Recommended Articles