تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف خسر المالكي اللعبة في العراق؟

إنّ الائتلافات التي بناها المالكي كانت هشّة في طبيعتها وغير مبنيّة على أسس تفاهمات وتعاونات حقيقيّة بين أطراف مشاركين في العمليّة السياسيّة. ويبرّر هذا بالضبط، سبب انهيار هذه الائتلافات خلال مدّة قليلة جدّاً.
Nuri al-Maliki (C), acting Defence Minister Saadoun al-Dulaimi (2nd R) and Lieutenant General Abboud Qanbar (L) attend the funeral ceremony of Gen. Majid Abdul Salam, at the defence ministry in Baghdad August 13, 2014. Gen. Majid Abdul Salam was the pilot of the Iraqi army helicopter carrying aid and evacuating displaced members of the Yazidi minority in northern Iraq that crashed on Tuesday, in an accident that also wounded passengers, a government spokesman said.  REUTERS/Stringer (IRAQ - Tags: CIVIL UNRE

لم يكن بحسبان المالكي إطلاقاً أنّ كتلته البرلمانيّة القويّة والمتماسكة جدّاً تتلاشى بهذه السهولة، ويرفع حلفاؤه الداخليّون والخارجيّون أيديهم عنه، متّجهين نحو مسار سياسيّ آخر. فقد تبخّرت جهود المالكي لسنوات طويلة في الإصرار على الحصول على ولاية ثالثة خلال ساعات، حيث انصدم بتكليف زميله في الحزب حيدر العبادي بتشكيل الحكومة، من دون علم مسبق له بذلك، ممّا أجبره أخيراً على قبول الخسارة والتراجع عن موقفه في 14 آب/أغسطس.

على الرغم من أنّ المالكي جاء إلى السلطة ضمن عمليّة ديمقراطيّة، لكنّه سار على منهج غير ديمقراطيّ في بناء علاقاته وائتلافاته الداخليّة والخارجيّة. فقد بذل جهداً كبيراً في تفتيت الائتلافات الكبرى المنافسة له، وأبرزها ائتلاف "العراقيّة" الذي كان يرأسه أياد علاوي. وقد فاز في انتخابات 2010 بأصوات قليلة على ائتلاف "دولة القانون". كما أنّه بسط سلطته على السلطتين القضائيّة والتشريعيّة بأساليب تعسّفية، منها تحديد صلاحيّات تلك السلطات والنفوذ فيها، عبر شخصيّات موالية له في تلك السلطتين.

وخارجيّاً، فقط استخدم الأسلوب نفسه المتداول من قبل الأنظمة الديكتاتوريّة في المنطقة في تخويف الغرب بصعود الإرهابيّين في حال التخلّي عن دعمه له. وقد تعاون مع الجانب الإيرانيّ في كلّ الملفّات والقضايا المشتركة بين البلدين للحصول على دعمه الكامل له. وكان يراهن على التهديد الإرهابيّ لتنظيم "الدولة الإسلاميّة" ليجمع البلدين أي إيران وأميركا في دعمهما له في ولايته الثالثة.

وفي علاقته مع المرجعيّة الشيعيّة، استخدم منهج الترهيب من جهّة ومنهج صناعة البديل من جهّة أخرى، ليتغلّب على السلطة الدينيّة لهذه المؤسّسة التي من شأنها أن تسبّب له إزعاج في حال إصراره على التشبّث بالسلطة. واجتماعيّاً، فقد بنى علاقات واسعة مع شيوخ العشائر ورجال الأعمال بطرق مختلفة، كاستخدام المال السياسيّ لضمان استمرار دعمهم له. كما أنّه استخدم طريقة جمع الملفّات القضائيّة ضدّ السياسيّين لاستخدامها ضدّهم كوسيلة ضغط عليهم. وكان يراهن على شرخ الصفّ الكردي والسنّي بالطريقة نفسها.

يبرز هذا كلّه أنّ التحالفات التي بناها المالكي كانت هشّة في طبيعتها وغير مبنيّة على أسس تفاهمات وتعاونات حقيقيّة بين أطراف مشاركين في العمليّة السياسيّة. ويبرّر هذا بالضبط، سبب انهيار هذه الائتلافات خلال مدّة قليلة جدّاً.

وينطبق ما سبق حتّى على أعضاء حزبه، الذين انتشر بينهم عدم الرضا من أدائه في الفترة الأخيرة. فقد أطلع مصدر من داخل الحزب "المونيتور" أنّ "عدداً من قادة "الدعوة" كانوا ينتقدون المالكي حول كيفيّة تعامله مع الوضع السياسيّ وإصراره على مواقفه، ممّا كان سيضرّ بموقف الحزب وضمان بقائه في السلطة على المدى غير البعيد". وأضاف المصدر أنّ "حيدر العبادي وهو المكلّف تشكيل الحكومة الجديدة كان من أبرز المعارضين لسلوك رئيس الوزراء العراقيّ المنتهية دورته، وهذا ما أعطاه رصيداً لدى المعارضة الشيعيّة التي كانت مصرّة على موقفها وهو عدم التمديد للمالكي لولاية أخرى. كما أنّ العبادي لم يكن مشاركاً في عمل تنفيذيّ بارز من شأنه أن يخلق ضدّه انتقادات من قبل مختلف الكيانات السياسيّة العراقيّة، ولم توجد ضدّه ملفّات فساد أو انخراط في عمل قمعيّ ضدّ المعارضة العراقيّة بمختلف كياناتها".

فقد أدّى الاختيار الذكيّ للعبادي، وهو عضو بارز في حزب "الدعوة" و"دولة القانون" بتجميع أصوات المعارضة بكلّ تنوّعاتها لصالحه. هذا من جهّة، ومن جهّة أخرى، أدّى ذلك إلى تفتيت ائتلاف "القانون" وحزب "الدعوة" نفسه، حيث أنّ المعترضين على المالكي الذين لم يكن بودّهم خروج السلطة من ائتلافهم وحزبهم، مالوا سريعاً نحو العبادي وتركوا المالكي بسهولة. وهذا ما انكشف في الظهور الأوّل للمالكي بعد تكليف العبادي، حيث لم يحضر مع المالكي سوى 28 شخصاً من مجموع 95 عضواً في ائتلاف "دولة القانون"، كما لم يحضر معه القادة الكبار لـ"الدعوة" أيضاً.

ومن الجانب الإيرانيّ، فقد كان المالكي يعوّل على دعم قاسم سليماني له حتّى اللحظة الأخيرة، وكان يتمنّى أن يقلب سليماني الأوراق في شكل يسهّل عليه العوائق المشكّلة أخيراً أمامه. ولكن، يبدو أنّ الجانب الإيرانيّ غيّر رأيه في الدقيقة التسعين من اللعبة لسببين: أوّلاً، الموقف الصارم للسيستاني والمعارضة الشيعيّة، وثانياً، تغيير المسار التمدّدي لـ"الدولة الإسلاميّة" نحو إيران. فقد استلم تنظيم "الدولة الإسلاميّة" الرسالة الأميركيّة بوضوح، وهي أنّ "إقليم كردستان هو خطّ أحمر أميركيّ لا يمكن للتنظيم تجاوزه". ولذلك، اتّجه مباشرة بعد الضربات المحدودة التي تلقّاها من الطيران الأميركيّ، نحو الحدود الإيرانيّة وسيطر على مدينة جلولاء الواقعة 115 كيلومتراً شمال شرق بغداد، متّجهاً نحو خانقين التي لا تبعد سوى 20 كيلومتراً عن الحدود الإيرانيّة.

وأخيراً، ما يجب على العبادي تبّنيه بعد التجربة التي مرّ بها زميله نوري المالكي، هو الاتّجاه نحو بناء تفاهمات وطنيّة شاملة تجمع المكوّنات العراقيّة في القرارات العامّة للبلد. هذا من جهّة، ومن جهّة أخرى، الانفتاح على الأطراف الدوليّة والإقليميّة في شكل متوازن يحفظ المصالح الوطنيّة العراقيّة، وذلك، بدلاً من صنع ائتلافات هشّة مبنيّة على أساليب غير مشروعة، من شأنها أن تتفتّت في لحظة ما، مثل ما حدث مع المالكي. وهذا ما يتمنّاه التحالف الشيعيّ الذي أخذ ضمانات من العبادي في أمور مرتبطة بالحفاظ على التوافق الوطنيّ، وعدم انزلاق رئيس الوزراء الجديد نحو التفرّد بالسلطة.

More from Ali Mamouri