تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

صفقة عرسال: رهانان متناقضان ونتيجة واحدة

Damage is seen on a building and a mosque from the fighting between Lebanese army soldiers and Islamist militants, in the Sunni Muslim border town of Arsal, in eastern Bekaa Valley August 7, 2014. Militant Islamists have mostly withdrawn from the Lebanese border town of Arsal, which they seized at the weekend, taking with them captive Lebanese soldiers, militant and security sources said on Thursday, as a truce to end the deadly battle appeared to hold. REUTERS/Ahmad Shalha (LEBANON - Tags: POLITICS CIVIL U

سلسلة طويلة من الانتقادات طاولت التسوية التي توصلت إليها الحكومة وقيادة الجيش اللبنانيّين مع المسلّحين الأصوليّين السنّة، لإنهاء الاشتباكات في منطقة عرسال، لكن مصادر وزاريّة وحزبيّة مواكبة للملف، أكّدت لموقعنا، أنّ "المسألة لم تنته بعد، وأن ما انتهى ليل الخميس في 7 آب لم يكن غير الجولة الأولى من الحرب".

في الوقائع، وبحسب مقال سابق، كانت الاشتباكات قد اندلعت في هذه المنطقة الحدوديّة بين لبنان وسوريا، في 2 آب الجاري، وذلك إثر توقيف الجيش اللبنانيّ لأحد المطلوبين بشبهة انتمائه إلى المجموعات الإرهابيّة التّابعة لتنظيم "القاعدة". بعدها شنّ المسلّحون الأصوليّون من فصائل "داعش" و"جبهة النصرة" سلسلة هجومات على مراكز الجيش، أدّت إلى سقوط أكثر من عشرين شهيداً من القوى المسلّحة اللبنانيّة. فضلاً عن تمكّن المسلّحين من أسر 42 عسكريّاً لبنانيّاً، 22 من الجيش اللبنانيّ و20 من قوى الأمن الداخليّ. بعدها، بدأت المعارك العسكريّة بين الطرفين. كما بدأ التفاوض بين الحكومة وقيادة الجيش من جهة، وبين المسلّحين من جهة ثانية، عبر مجموعة من المشايخ السلفيّين القريبين من المسلّحين. وليل 7 آب، أقرّت التسوية المفاجئة، وهي قضت بانسحاب المسلّحين من عرسال إلى جرودها، الواقعة أيضاً ضمن الأراضي اللبنانيّة. مع السماح لهم بنقل العسكريّين اللبنانيين الأسرى التسعة وثلاثين، بعدما كانوا قد أطلقوا ثلاثة منهم أثناء التفاوض.

ما الذي جعل تلك التسوية ممكنة؟ جهات وزاريّة وأخرى قريبة من "حزب الله"، كانت قد واكبت الملف بكامل مراحله وتفاصيله، أجابت عن هذا السؤال لموقعنا بما يلي:

أولّاً، كانت ثمّة استحالة بالنّسبة إلى مختلف القوى المسلّحة اللبنانيّة الرسميّة لحسم المعركة في عرسال وجوارها، ذلك أنّ عدد المسلّحين كان ولا يزال مجهولاً، خصوصاً بعدما تبيّن أن كثيرين منهم خرج للقتال من مخيّمات النّازحين السوريّين في عرسال، فضلاً عن الذين كانوا يتحصّنون في جرود المنطقة. علماً أنّ عدد النازحين المسجّلين في تلك المخيّمات بالذات، هو نحو 123 ألفاً، ممّا يجعل أعداد المسلّحين المحتملين من بينهم كافياً لإيقاع كارثة في المنطقة.

ثانياً، صحيح أنّ الجيش وجد نفسه أمام استحالة حسم المعركة، غير أنّ الصحيح أيضاً أنّ المسلحين وجدوا أنفسهم أمام مأزق آخر كذلك، ذلك أنّ تقدمهم في اتّجاه الغرب لاحتلال مناطق أخرى قرب عرسال بات صعباً جداً، فيما تراجعهم صوب الداخل السوريّ أكثر صعوبة. إذ ضربت عليهم من الشرق كمّاشة الحصار من قبل الجيش السوريّ ومن قبل مقاتلي "حزب الله" الذين بدأوا منذ أسابيع يمشّطون تلك الجبال ويقفلون مسالك تسلّل المسلّحين الأصوليين فيها، إضافة إلى أنّ اندلاع المعارك في مدينة عرسال نفسها، حرم المسلّحين من مورد تموينهم الأساسيّ، ذلك أن مختلف حاجاتهم اللوجستية، من حياتيّة وعسكريّة حتّى، كانت تصلهم عبر لبنانيّين مقيمين في عرسال أو جوارها، من المتعاطفين مع المسلّحين أو المعارضين للسلطات السوريّة. وبالتّالي، أدرك المسلّحون ألاّ مصلحة لهم إطلاقاً في استمرارهم في المعركة داخل عرسال، تحت طائلة حرمان أنفسهم من الحصول على الإمدادات اللاّزمة لهم للاستمرار في القتال، أو حتى للبقاءعلى قيد الحياة.

هكذا، تتابع الجهات نفسها لموقعنا، صار الطرفان المتقاتلان، الجيش اللبنانيّ كما المسلّحين، جاهزين لإقرار تسوية ما تنقذهما من مأزقيهما. عند هذا الحد، تكشف هذه الجهات، أنّ وساطة المشايخ السلفيّين نقلت مطلباً للمسلّحين بتأمين انتقال مجموعة كبيرة منهم، لا تقلّ عن 1500 مسلح، من جرود عرسال إلى محافظة الرقّة شمال شرق سوريا، التي تسيطر عليها "داعش"، ممّا يفترض توافقاً بين السلطتين اللبنانيّة والسوريّة على تأمين حماية لجيش صغير مسلّح، أثناء انتقاله في أرض عدوّة لأكثر من 500 كيلومتر. وهكذا بدا سريعاً أنّ الطلب مرفوض، وهو ما أكّده السوريون فوراً. فصارت الأوضاع ضاغطة أكثر على فريقي الصراع في عرسال. وصارت الخيارات ضيّقة أمام الجهتين، أمام الجيش كما أمام المسلحين. عندها نضجت التسوية المفاجئة. قبل المسلحون بالانسحاب إلى جرود عرسال، من دون أي ضمانات حول وجودهم المهدد هناك، من قبل الحصار المتقدّم صوبهم من الشرق. كما قبلت السلطات اللبنانية ببقاء الجنود اللبنانيين أسرى مع المسلحين المنسحبين.

ماذا تعني هذه التسوية الغريبة؟ تؤكّد الجهات نفسها لموقعنا، أنّ الصفقة المذكورة قامت على رهانين مخفيين أو على حسابين مستترين: المسلّحون قبلوا بالانسحاب إلى منطقة غير آمنة، وهم يراهنون على قيام ثورات داعشيّة أخرى داخل لبنان أو في جواره، تفتح أمامهم مجدّداً إمكان زعزعة الأوضاع اللبنانيّة برمتها. علماً أنّ استمرار أسرهم لتسعة وثلاثين جندياًّ لبنانيّاً، يعطيهم ضمانات أمنية كافية للانتظار، بحسب رأيهم. أمّا السلطات اللبنانيّة فقبلت بتلك الصفقة، وهي تراهن على تبدّل موازين المعركة الإقليميّة مع "داعش" في كلّ المنطقة، من شمال غرب العراق وصولاً إلى سوريا انتهاء بجرود عرسال. فضلاً عن اتكال السلطات اللبنانيّة نفسها، على تقدّم مقاتلي "حزب الله" في الجرود شرق عرسال، لإطباق الحصار الكامل على المسلحين المنسحبين إليها، خصوصاً مع انقضاء الصيف ووصول أيّام الصقيع القاتل في مناطق وعرة، يبلغ ارتفاعها في بعض النقاط أكثر من 2500 متر عن سطح البحر.

هكذا يبدو في مكان ما أنّ صفقة عرسال كانت نتيجة اطمئنان "داعش" إلى أسرها نحو 40 جنديّاً لبنانيّاً، مقابل رهان سلطات بيروت على حصار "الجنرال صقيع" للمسلّحين بعد أكثر من 40 يوماً. رهانان يعطيان خلاصة واحدة، وهي أنّ معركة الأسبوع الأوّل من آب في عرسال، لم تكن غير جولة أولى.

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles