تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا كان الحصار الإسرائيليّ على غزّة غلطة

ينبغي إعادة النظر في سياسة الحصار التي تعتمدها إسرائيل منذ وقت طويل في غزّة، والتي لم تقضِ على حركة حماس، بل استفزّتها لتعزّز تسلّحها.
Israel's Prime Minister Ehud Olmert attends an education conference in Holon near Tel Aviv, August 27, 2007.   REUTERS/Gil Cohen Magen (ISRAEL) - RTR1T5EN

نشر قائد الجناح العسكريّ لحركة حماس، محمد ضيف، الذي يرد اسمه على لائحة "أهمّ المطلوبين" الإسرائيليّة منذ منتصف التسعينيّات، تسجيلاً هذا الأسبوع (27 تموز/يوليو) طالب فيه برفع الحصار المفروض على قطاع غزّة كشرط مسبق لوقف إطلاق النار. وقد تمحورت كلّ النزاعات العسكريّة بين إسرائيل وحماس حول هذه المسألة. فحماس تريد، قبل كلّ شيء، إنهاء الحصار لأنّ الحالة الراهنة تصعّب عليها إدارة القطاع وتلبية حاجات الشعب. أمّا إسرائيل فترفض رفضاً قاطعاً الرجوع عن القرار الذي اتّخذه رئيس الوزراء إيهود أولمرت في 15 حزيران/يونيو 2007.

وقد اتّخذ أولمرت هذا القرار بعد يوم من الانقلاب العسكريّ الذي نفّذته حماس في قطاع غزّة. وكان رئيس الوزراء يتخبّط من أجل البقاء السياسيّ بعد نشر تقرير لجنة فينوغراد الموقّت الذي نظر في إخفاقات حرب لبنان الثانية في العام 2006. وفي اليوم التالي، كان يُفترض بأولمرت التوجّه إلى الولايات المتّحدة للاجتماع بأمين عامّ الأمم المتّحدة بان كي مون والرئيس الأميركيّ جورج بوش. وقبل رحيله، أمر أولمرت المنظومة الدفاعيّة بإقفال جميع المعابر الحدوديّة إلى غزّة. ولتفادي انتقاد الأميركيّين له واتّهامه بتنفيذ "عقاب جماعيّ"، أمر أيضاً باستمرار المساعدات الانسانيّة.

يمكن الافتراض أنّه تمّ قبول هذا القرار المستعجل في الدرجة الأولى للنظر في أهميّة تحوّل حماس إلى القوّة الحاكمة في قطاع غزّة، والتعرّف إلى تشعّبات هذا الواقع الجديد. وفي مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيليّ بعد يومين من الانقلاب، قال وزير البنية التحتيّة بنيامين بن إليعازر: "علينا وقف كلّ أعمال الإغاثة والمساعدة في القطاع. سأوقف كلّ شيء إلى أن أفهم ما الذي يحصل هناك. علينا ببساطة تعميق الانقسام بين غزّة ويهودا والسامرة لعزلهم [حماس] بالكامل. إنّ المنفذ الوحيد الذي ينبغي الإبقاء عليه هو باتّجاه رفح".

لم تجرِ حكومة أولمرت وحكومة نتنياهو التي خلفتها يوماً محادثات جديّة وعميقة مع المنظومة الدفاعيّة والإدارة المدنيّة بشأن هذا القرار الذي تحوّل من قرار خاصّ إلى سياسة استراتيجيّة. وقد افترضت إسرائيل آنذاك أنّ الضغط الاقتصاديّ على قطاع غزّة قد يسبّب اضطراباً في صفوف السكّان، ما قد يُجبر حماس على التخلّي عن السلطة عندما تصبح عاجزة عن تأمين الرفاه لهم. وقد نالت هذه السياسة تشجيع المقرّبين من الرئيس محمود عباس في رام الله، الذين أُخرجوا من غزّة بقسوة.

في كتابي "لمعرفة حماس" (To Know Hamas) الذي صدر سنة 2012، كشفتُ أنّه بعد يوم من فرض الحصار على قطاع غزّة، بعثت الحركة رسائل إلى إسرائيل عبر ممثّلين رسميّين وتجّار من غزّة. ونقل هؤلاء رسالة مفادها أنّه إذا فتحت إسرائيل المعابر الحدوديّة، فستوقف حماس كلّ الأعمال الإرهابيّة ضدّ إسرائيل. وقد أكّد غازي حمد، الذي كان متحّدثاً باسم حكومة حماس ورئيس الوزراء اسماعيل هنية، هذا الأمر في مقابلة أجريتُها معه في 10 تموز/يوليو 2007، بعد حوالى شهر من الانقلاب. فقد قال: "لا مشكلة لدينا بحصول تواصل وتعاون (بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين) كخطوة إنسانيّة نحو فتح المعابر. نقترح تشكيل لجنة مشتركة... نحن مهتمّون بفتح كلّ المعابر... لا أتكلّم عن اتّصالات سريّة، بل علنيّة، على الطاولة".

مع مرور الوقت، أصبح قرار أولمرت ثابتاً لا يتغيّر، وشدّدت إسرائيل سياستها المتعلّقة بنقل البضائع إلى قطاع غزّة. فمنعت دخول الثياب والأحذية والحقائب والدفاتر لتلاميذ المدارس. حتّى الكزبرة باتت ممنوعة بعد أن ارتأى أحدهم في الإدارة المدنيّة أنّ هذا النوع من التوابل هو رفاهية ينبغي حرمان سكّان غزّة الذين تجرّأوا على اختيار حماس منها. وأعدّت مكاتب الإدارة أيضاً وثيقة عن كيفيّة احتساب السعرات الحراريّة بغية تنفيذ الحصار من دون التسبّب بمجاعة وكارثة إنسانيّة.

وفشل جناح حماس السياسيّ في رفع الحصار الذي اشتدّ أكثر فأكثر، ما أدّى إلى تقوية جناح الحركة العسكريّ. فأخذ هذا الجناح، الذي كان برئاسة أحمد جبري آنذاك ويرأسه اليوم محمد ضيف، على عاتقه فتح غزّة على العالم بوسائله الخاصّة، أي بإطلاق صواريخ على إسرائيل، واللجوء إلى التصعيد العسكريّ، والمطالبة بفتح المعابر وتخفيف الحصار كشرط مسبق لوقف إطلاق النار. لكنّ هذه السياسة فشلت بدورها، وتسبّبت بكارثة في قطاع غزّة وجعلت سكّانه يدفعون ثمناً غالياً جداً. وفيما دمّر الحصار غزّة اقتصاديّاً، تسبّبت ثلاثة نزاعات عسكريّة متلاحقة بخراب هائل وآلاف الوفيّات وعشرات آلاف الجرحى.

وأخطأت إسرائيل عندما اعتقدت أنّ الحصار قد يقضي على حركة حماس. فقد شجّعت سياستها هذه الحركة على التسلّح وتقوية نفسها كي تثبت للفلسطينيّين أنّها قادرة على تحمّل الضغوط. وكان هذا أحد العوامل التي دفعت حماس إلى بناء شبكة الأنفاق الضخمة وتجهيز مخزن يضمّ آلاف الصواريخ. مع ذلك، يعتبر إسرائيليّون كثر أنّ تخفيف الحصار كان ليؤدّي إلى النتائج نفسها لأنّ حماس منظّمة إرهابيّة.

وعلى الرغم من الأخطاء التي ارتكبتها إسرائيل، تقع مسؤوليّة المأساة في غزّة على قيادة حماس السياسيّة والعسكريّة. وقد توهّم من ظنّ أنّه باستطاعة حماس الحفاظ على روتين حياتيّ منطقيّ بعد الانقلاب العنيف الذي نفّذته. فقيادة حماس كانت تدرك (حتّى قبل عمليّة الرصاص المصبوب في نهاية العام 2008) أنّ إصرارها على إثبات قدرتها على إدارة غزّة مهما كان الثمن قد يسبّب كارثة للشعب. وضحّى نظام حماس بحياة الكثير من الفلسطينيّين بسبب شغفه بالسلطة. وعلى مدى سنوات، رفضت حماس كلّ محاولات الصلح مع فتح. ولم يكن قادتها مستعدّين للتخلّي عن امتيازات السلطة، واستغلّوا كلّ موارد القطاع لتعزيز قوّتهم العسكريّة. وبالتالي، بدلاً من أن تخدم حماس غزّة، خدمت غزّة حماس.

واليوم، بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بداية عمليّة الجرف الصامد، علينا أن نسأل: أيّ طرف سيُظهر مرونة قبل الآخر؟ لن تتمكّن إسرائيل، على ما يبدو، من إسقاط نظام حماس. فلم يتعرّض أيّ من قادة الحركة للأذى في القتال، لا في الصفوف العسكريّة ولا في الصفوف السياسيّة، ومن الواضح أنّ الحركة ستستمرّ في إدارة غزّة.

إنّه الوقت المناسب لدراسة خيار فتح المعابر الحدوديّة تدريجيّاً، وفي إطار المفاوضات. فهذه هي الوسيلة الوحيدة لكبح اندفاع حماس لتعزيز قوّتها العسكريّة.

More from Shlomi Eldar

Recommended Articles