تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

البغدادي... "خليفة" معدّ له بعناية!

People walk past a banner (in black and white) belonging to the Islamic State in Iraq and the Levant (ISIL) in the city of Mosul, June 28, 2014. Since early June, ISIL militants have overrun most majority Sunni Muslim areas in the north and west of Iraq, capturing the biggest northern city Mosul and late dictator Saddam Hussein's hometown of Tikrit. The banner reads, "There is no God but God, and Mohammad is his messenger."  REUTERS/Stringer (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS) - RTR3W71S

بظهوره العلني في الموصل، قام ابراهيم عواد السامرائي الذي يعرف باسم أبو بكر البغدادي والذي أعلن نفسه خليفة على المسلمين، بإعلان الحرب على الجميع داخل العراق وخارجه. وتُظهر الطريقة التي قام من خلالها تنظيم البغدادي بالسيطرة على الموصل ومدن أخرى أن السيطرة على هذه المدن لم تكن من قبيل الصدفة إنما الاستعدادات لاحتلال هذه الأراضي كانت قد بدأت منذ سنوات عدة.

ما يمكن وصفه باعتباره رسالة أساسيّة، هو أنّ ظهور البغدادي، جاء بعد إعلان نفسه "خليفة للمسلمين"، وهذا الوصف تترتّب عليه اعتبارات دينيّة عميقة. فالخليفة في كثير من مفاصل الدين الإسلاميّ يجمع بين سلطتين زمنيّة (روحيّة) ومكانيّة (سياسيّة)، ومن الواجب أن يتبع، وإن كانت الفرق الإسلاميّة تختلف في معايير هذا الخليفة.

في الاختلاف السنّي-الشيعيّ حول معايير "الخليفة"، يبرز موضوع "النسب" بمعنى السلالة المقدّسة التي تعود في جذورها إلى النبّي محمّد (ص)، وإنّ الخلافات بين الفرق الإسلاميّة حول هذه الجذور نسبيّ وليس جوهريّاً.

ويمكن الحديث في هذا السياق عن أنّ تنظيم "الدولة الإسلاميّة في العراق" الذي أعلن عام 2006 بزعامة أبو عمر البغدادي كان تنبّه إلى محاولة جمع أكبر قدر ممكن من مواصفات "الخليفة النموذجيّ" بين مختلف الفرق الإسلاميّة، على الرغم من أنّه لم يعلن آنذاك الخلافة رسميّاً، لكنّه عرّف عن أميره في السياق التالي:

"أبو عمر الحسيني الهاشمي القرشي البغدادي".

وفي كلّ من هذه الأوصاف، إشارة إلى نسب يمهّد لمشروع "الخلافة"، علماً أنّ تنظيم "القاعدة" في كلّ فروعه، وأيضاً حركة طالبان الأفغانيّة، لم يهتمّا كثيراً بموضوع أصل الأمير وسلالته، حيث يرتبط اهتمام "الدولة الاسلاميّة" بهذا التفصيل بخصوصيّة عراقيّة، تحاول استيعاب الطوائف العراقيّة وخلفيّاتها، لكنّه من وجه أكثر يقيناً، يشير إلى أنّ مشروع "الخلافة" لم يكن طارئاً، في تفكير "الدولة الإسلاميّة" ويعود إلى بداية إعلانها عام 2006.

ويمكن القول في هذا السياق أن إعلان البغدادي للخليفة يمثل قطيعة كاملة عن تنظيم القاعدة التقليدي بقيادة أيمن الظواهري. ووفقاً للأيديولوجيات التي يستند عليها التنظيمان حتى على المستوى الديني لا يمكن أن يكون لهما إلا قائد واحد يجمع بين الصفات الدينية والسياسية.

أمّا الإشارة الأخرى التي اكتنفها شكل البغدادي في ظهوره الأخير، (علماً أنّه حمل الصفات السلاليّة نفسها التي حملها سابقه) فهي "العمامة السوداء" التي ارتداها، والتي تشكّل بدورها رسالة تحمل المضامين نفسها. فالعمامة السوداء ارتداها آخر خليفة للدولة العباسيّة، وهي العمامة نفسها التي يرتديها علماء الشيعة الكبار، الذين يعودون بنسلهم إلى النبيّ. مع العلم أنّ العثمانيّين الذين سيطروا على معظم مناطق الدولة الإسلاميّة القديمة، رفعوا شعار "الخلافة"، وحصلوا على بعض الفتاوى الدينيّة، لكنّهم لم يكتسبوا شرعيّة حاسمة من رجال الدين السنّة والشيعة بسبب قضيّة "السلالة"، ولهذا لم يرتدوا العمامة السوداء.

كما أراد البغدادي من خلال طبيعة الخطبة التي ألقاها، والتي حاول فيها الظهور بمظهر الواعظ، الملهم، أكثر من مظهر المحارب، تأكيد أنّ "لحظة "الخلافة" لم تكن طارئة بالنسبة لتنظيمه، وأنّ وصوله إلى منبر الموصل، كان كأنّه حدث مقدّر ومعدّ له مسبقاً".

تكشف طريقة إدارة تنظيم البغدادي للموصل بعد اجتياحها في التاسع من حزيران/يونيو 2014 بدورها أنّ التخطيط لاجتياح المدينة، والسيطرة عليها، ومن ثم إدارتها، لم يكن من دون استعدادات، ربما استمرّت شهوراً أو سنوات. ناهيك عن تفاصيل أسلوب تعامل "الدولة الإسلاميّة" مع السكّان، وعقدها حلفاً مع مجموعات بعثيّة وأخرى تنتمي إلى فصائل عشائريّة ودينيّة مختلفة، تتضمّن تصدير الوجوه البعثيّة السابقة لإدارة المدينة. فإنّ دخول الموصل، ومن ثم معظم المدن السنيّة الأخرى، يتضمّن خططاً ذات طبيعة اقتصاديّة وإداريّة، تشمل توفير الوقود، والمستلزمات الغذائيّة، وتوزيع الأراضي، والبحث عن مصادر التمويل من آبار النفط، سواء المكتشفة والعاملة، أو تلك التي ما زالت في طور التوقّعات الجيولوجيّة.

على مدى شهرين ماضيين، لم تدخل "الدولة الإسلاميّة" في شكل كامل إلى مصفى بيجي، مع أنّ القوّة العسكريّة التي تتمركز داخل المصفى محدودة، وهي لا تختلف من حيث الجوهر عن أيّة قوّة أخرى.واقع الحال أنّ "الدولة الإسلاميّة"، تتعامل مع مصفى بيجي الاستراتيجيّ، ومع منشآت نفطيّة وصناعيّة في المناطق التي تسيطر عليها، باعتبارها أصبحت ملكها، وهي جزء من نظامها المستقبليّ للتمويل، ويبدو أنّها تحاول السيطرة عليها من دون تعريضها لأضرار تعيق استخدامها في مرحلة قريبة.

وبالطبع، يتناقض ذلك تماماً مع استراتيجيّة "الدولة الإسلاميّة" التقليديّة التي تقوم على ضرب مرتكزات الدولة، وتدمير البنى التحتيّة فيها، واستهداف أنابيب نقل النفط. المعلومات الاخيرة التي كشفت عنها صحيفة دلي ميل البريطانية تؤكد ان تنظيم "داعش" يحقق نحو مليون دولار يومياً من عمليات بيع النفط العراقي الى تجار.

فيما تشير معلومات اخرى الى ان التنظيم يبيع 150 الف برميل نفط يومياً من حقول النفط السورية. واكثر من هذا ان التنظيم الذي يوصف بانه اغنى تنظيم مسلح في العالم، استولى على نحو 425 مليون دولار من المصارف العراقية في الموصل. وكل تلك الاموال، باتت تعيد انتاج تركيبة "داعش" من الداخل، فبات يتصرّف كدولة، ويستعين برموز الدولة التي حكمت في ظلّ النظام السابق، من خبراء وفنيّين وإداريّين وعسكريّين، بل ويطلب خبراء من الخارج لفرض وجود دولته الجديدة وإظهارها بمظهر مختلف عن المتوقّع. خطر تنظيم البغدادي، في قدرته على التخطيط لمراحل طويلة، واستثمار كل ما يمكن استثماره لتطبيق هذه الخطط.

قد يغيّر تنظيم البغدادي قواعده، ويتعامل مع علمانيّين أو قوميّين مختلفين أو حتّى "شياطين" من وجهة نظره، ويتكيّف مع الأوضاع والظروف، وصولاً إلى غاية أكبر، وهي التمسّك بالأرض.

More from Mushreq Abbas

Recommended Articles