تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

روسيا لن تتسبب بتخريب الوضع في العراق

يجب ألا تتوقع الولايات المتحدة مساعدة كبيرة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
RTX196JA.jpg

من المنطقي انتقاد الخبراء في الشؤون الدولية لفشلهم في توقع أي من الأحداث المصيرية التي جرت في العقود القليلة الماضية، فسقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية، وانهيار الاتحاد السوفياتي، و"الربيع العربي" قد أخذت جميعها الخبراء على حين غرة. لكن في المقابل، يصح العكس في بعض الحالات حيث يحذر المتنبئون السياسيون بالإجماع من أمر معين لكن صناع القرار يصرفون النظر عنه ببساطة. والعراق يمثل تمامًا إحدى تلك الحالات.

في خريف العام 2002، وعندما اتضح أنّ حكومة جورج دبليو بوش كانت تضغط بغية التحرك عسكريًا ضد الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، برز إجماع فعلي في أوساط المستشرقين الروس، ففي ما عدا بعض الاستثناءات البسيطة، أكدوا بالإجماع على أنّ خطوة مماثلة ستسبب الفوضى وتقود في نهاية المطاف إلى زوال العراق كدولة موحدة.
قام الخبراء الروس في جميع المؤتمرات الدولية واللقاءات الشخصية بتحذير زملائهم الأميركيين من القيام بذلك، فوافق البعض منهم، وأومأ آخرون إشارة إلى درايتهم بالأمر، لكن لم يكونوا مقتنعين، في حين استهجن آخرون الأمر، بخاصة الذين يعملون مباشرة مع الحكومة الأميركية، وعلقوا قائلين، لا حاجة إلى تخويفنا، لا مفر من التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط، هو فقط بحاجة إلى محفز.

لكن بعد عام أو اثنين، وعلى خلفية الاضطرابات الدموية في العراق، اضطر كثير من المتفائلين للاعتراف بأنّ المشككين الروس كانوا على حق. وفي وقت لاحق، بعد فرض النظام بعض الشيء في العراق مع بداية الإجراءات الديمقراطية نسبيًا، بدا مجددًا أنّ موسكو بالغت في توقعاتها. لكن الروس لم يعلقوا آمالاً كبيرة على مستقبل العراق حتى في تلك الفترة. وقد خلصت معظم التفسيرات حول انسحاب القوات الأميركية من هناك إلى واقع أنّ الولايات المتحدة كان لها مهمة واحدة، وهي الحرص على عدم انهيار الديمقراطية في العراق مباشرة بعد تحرره من الاحتلال، ما يحفظ ماء وجه الأميركيين.

لم يحل انعدام الثقة في فرص العراق دون إقامة موسكو علاقات مع القيادة العراقية، بخاصة بعد أن أوصلت الانتخابات الديمقراطية إلى السلطة قوى أكثر تناغمًا مع إيران منها مع الولايات المتحدة، وهو أمر كان من السهل توقعه نظرًا للتركيبة الطائفية في العراق. بعد الإطاحة بصدام، بدا أنّ شركات النفط الروسية، بخاصة شركة لوك أويل، قد خسرت نهائيًا السوق العراقي وموارده، لكنها بدأت تدريجيًا بإعادة الاستثمار في المشاريع السابقة مثل تطوير حقل غرب القرنة الكبير. وفي سياق غير متصل، تم بناء علاقات مع القيادة الكردية. وفي العام 2012، تم التوصل إلى صفقة مهمة لبيع بغداد أسلحة تفوق قيمتها 4 مليارات دولار، ما سبب إزعاجًا واضحًا لواشنطن. لم يكن حتى قد أُبرِم الاتفاق بعد عندما عندما نشب نزاع حول الموضوع، غير أنّ رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سعى إلى التنويع قدر الإمكان في العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية تجنبًا للاعتماد الحصري على أي من اللاعبين الرئيسيين.

حتى لو لم يتطابق تمامًا موقف العراق من النزاع السوري مع موقف روسيا وإيران، لا شك في أنه اختلف جذريًا عن موقف بقية الدول العربية. وجرى الحديث حتى عن محور روسي-شيعي في الشرق الأوسط، هو محور موسكو-طهران-بغداد-بيروت (حزب الله).

لم يؤثر استئناف العلاقات الفاعلة على تقييم موسكو لفرص العراق المستقبلية، فالعلماء الروس يؤكدون منذ فترة طويلة أنّ حربًا أهلية جديدة تتحضر سريعًا للنشوب في البلاد. وفي السنتين أو الثلاث سنوات الماضية، كان هذا موضوع حديث رئيسي، والغريب أنّ العراق لم تكن حتى في دائرة التركيز. وإنّ الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي أصبح انسحابه من العراق أحد أبرز إنجازات عهده الرئاسي، لم يرد الاعتراف بأنّ الوضع في البلاد كان يتدهور سريعًا وأنه لا بد من التصرف حيال الأمر.

لعبت العراق دورًا هامًا في السياسة الروسية، فالغزو الأميركي في العام 2003 شكّل من نواح عدة نقطة تحول في تقييم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للولايات المتحدة والغرب وإمكانية التعاون الكامل والمتكافئ معهما.

لا بد من الإشارة إلى أنّ بوتين لم يكن وقتها الخصم الأكبر للولايات المتحدة، بالرغم من تعبيره عن معارضته الشديدة لتدخل واشنطن العسكري في العراق وتحذيره من العواقب. لكن ازدادت حدته بشكل كبير تحت تأثير الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك الذي قاد الحملة ضد الغزو الأميركي. عوّل الرئيس الروسي على حقيقة أنّ دعمه لشيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر، أحد المنتقدين الآخرين لبوش، سيساهم على الأرجح في تطوير علاقات مختلفة نوعيًا مع الاتحاد الأوروبي. وفي ذلك الوقت، كانت إقامة هذه العلاقات إحدى رغبات بوتين الرئيسية. وقد شكل الصراع العراقي القضية الأولى- والأخيرة حتى الآن – التي لا تتخذ فيها روسيا موقفًا ضد الغرب ككل، بل تقف إلى جانب جزء منه ضد الآخر.

لم تتحقّق هذه الآمال لأسباب مختلفة، لكن بوتين توصّل إلى استنتاجات حول النظام العالمي. أثبتت مسألة العراق برأيه أنّ الولايات المتحدة تفعل وستفعل ما تريده وتراه مناسبًا، حتى لو كان يتعارض مع حكم القانون، وتطلب التلاعب بالأدلة. ولم يأتي صدفة ذكر بوتين مؤخرًا للأنابيب التي تحتوي على الأدلة الدامغة المزعومة بأنّ صدام امتلك أسلحة دمار شامل، والتي عرضها وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولين باول على مجلس أمن الأمم المتحدة. وكان الرئيس الروسي يتحدث عن الاتهامات بأنّ روسيا تريد إشعال حرب في أوكرانيا عندما قال "أظهروا الدليل؟ أو أنكم مجددًا، كما في الماضي، لا تملكون سوى أنابيب فيها بودرة مجهولة؟"

طرأت تغييرات تدريجية، بالكاد واضحة في البداية، على السياسة الخارجية في روسيا بعد حملة العراق. ويبدو أنّ موسكو فهمت ما قد حصل، كما فعلت مرات كثيرة في السابق، وبدأت حتى بالتعاون بشأن العراق في إطار الجهود الدولية لتحقيق الاستقرار. تم اتخاذ قرارات على المدى البعيد بعدم إمكانية الوثوق بالولايات المتحدة، وضرورة اعتماد روسيا على نفسها والتركيز على نقاط قوتها وقدراتها للدفاع عن مواقفها في عالم تعمه الفوضى والعدمية القانونية. وفي هذا الإطار، بدأ تحرك روسيا نحو شبه جزيرة القرم يوم وطأت الدبابات الأميركية أرض العراق.

والغريب أنّ العراق، كمشروع اختباري لتعزيز الديمقراطية عالميًا، كان باكورة "الثورات الملونة" في الاتحاد السوفياتي السابق، بخاصة في جورجيا وأوكرانيا. بشكل عام، كانت جميعها عناصر لسياسة واحدة، حتى لو اختلفت سبل تنفيذها، ففي الصميم تكمن نظرية "السلام الديمقراطي" التي تعتبر أنّ ازدياد الديمقراطيات في العالم يقلّص الحروب والتهديدات الناشئة عنها، كي يتم إرساء الديمقراطية بأي وسيلة. أما اليوم، فقد انعكس النظام المتبع. أولاً، بدأت المشاغبات في أوكرانيا، كجزء ثانٍ من الثورة الديمقراطية للعام 2004، لكن اليوم مع استعمال العنف على نطاق واسع وخطر انهيار الدولة. بالإضافة إلى ذلك، تفجّر الوضع في العراق مرة أخرى: إنّ البذور التي زُرِعت منذ أكثر من عقد من الزمن نبتت أخيرًا. ما من صلة مباشرة بين هذه الأمور، لكنها حلقات في سلسلة واحدة في السياق العام لعالم مليء بالجنون غير المتوقع.

لم يحالف الحظ السلطات الأوكرانية الجديدة، فمن الواضح أنّ الكارثة العراقية تصرف انتباه الولايات المتحدة عن أوكرانيا، ويصب ذلك في مصلحة روسيا والقوات الأوكرانية الموالية لروسيا شرق البلاد.

يصعب التنبؤ بمدى حدة العواقب الناتجة من الأحداث الحالية في العراق. توشك روسيا على خسارة الاستثمارات، لنفترض 4 مليارات دولار في لوك أويل، لكن ذلك لا يُحتسب مقارنة مع تأثير الدومينو المحتمل. من الممكن أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية جديدة في العراق قد تصب زيتًا على نار الصراع السوري والمواجهة الشاملة بين السعودية وإيران، أي السنة والشيعة. أما نشوء دولة كردستان المستقلة فسيؤدي إلى إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية كاملة، ويضع تركيا في موقف صعب للغاية. ولا يمكن التنبؤ بأثر ذلك على أفغانستان، وهكذا دواليك.

على الرغم من المواجهة الجدية بين روسيا والولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، لن تحاول موسكو طبعًا تخريب الوضع ومفاقمة المشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة في المنطقة، إذ يهدد ذلك بانهيار النظام الإقليمي برمته، على مقربة من الحدود الروسية. ويصح ذلك أيضًا لأنّ إيران الصديقة لروسيا يهمها في هذا الظرف بقدر ما يهم الولايات المتحدة الحفاظ على الوضع الراهن في العراق.

لكن في الوقت عينه، من غير المرجح أن تقوم موسكو بخطوات لافتة لمساعدة واشنطن، فبالنسبة للقيادة الروسية والرأي العام الروسي، ما يحدث في العراق هو عقوبة تفرض نفسها على السياسة الأميركية الكاملة بعد الحرب الباردة، ورمز للفشل الذريع للذين لم يبينوا إلا مؤخرًا عجرفة قصوى تجاه كل من اختلف مع سياساتهم. يرى بوتين في العراق دليلاً إضافيًا يبين كم كان على حق، وإنّ محاولات القيادة في أعظم الدول لا تعود إلا بالدمار وتحقق نتائج عكسية، سواء أكانت جهود الاتحاد الأوروبي لجر أوكرانيا إلى دائرة نفوذها، ما أدى إلى اضطرابات خطيرة، أم انهيار العراق الذي دفعت إليه رغبة واشنطن في إقامة النظام "الصحيح" في الشرق الأوسط.

More from Fyodor Lukyanov

Recommended Articles