تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في العراق.. غابت البرامج الواقعيّة وحضرت الوعود

يتوجّب على الحكومة العراقيّة المقبلة أن تعلن برنامجاً يضع إطاراً لخططها، تلتزم به أمام الشعب والبرلمان. وعادة، يستمدّ البرنامج الحكومي من برنامج الكتلة التي تشكّل الحكومة، لكن هذا الأمر لم يحصل في العراق لأن الحكومات تتشكّل بائتلافات واسعة تجعل الإعلان عن أي برنامج تفصيلي أمراً شبه مستحيل.
A man looks at an election campaign poster of Iraq's Deputy Prime Minister Hussain al-Shahristani in Baghdad April 3, 2014. Iraq's parliamentary election is scheduled for April 30. REUTERS/Ahmed Saad (IRAQ - Tags: POLITICS ELECTIONS) - RTR3JUTM

مع انطلاق الحملات الدعائيّة للانتخابات العراقيّة في بداية شهر نيسان/أبريل الجاري، يعود العراق مجدداً إلى جدليّة البرنامج الانتخابي الغائب عن إستراتيجيات معظم الكتل السياسيّة، ويتجدد سوء فهم القوى السياسيّة العراقيّة لمفهوم البرنامج الذي يتم اختصاره في كلّ مرّة بشعارات عامة.

ما زالت القوى السياسيّة العراقيّة التي تتنافس في الانتخابات تبرّر غياب البرامج  الحقيقيّة بالإشارة إلى أن العراق يمرّ بمرحلة انتقاليّة، وأن ثمّة خلافات على أسس العمليّة السياسيّة مثل الدستور وشكل الحكم وطريقة اتخاذ القرار والعلاقة بين المركز والإقليم والمركز والمحافظات. وبالتالي فإن مثل هذا الواقع يفرض على القوى تحويل برامجها إلى خيارات وشعارات حول هذه القضايا.

وبالفعل، فإن بعض الحملات رفعت شعار تعديل الدستور، في حين تبنّت أخرى حكومة الغالبيّة السياسيّة، ورفعت ثالثة شعار اللامركزيّة، واستعانت رابعة بالحرب على الإرهاب.

في الواقع، إن المرحلة الانتقاليّة والخلاف على الأسس لا يبرّر غياب البرنامج الاقتصادي، ولا يبرّر غياب البرامج التنمويّة والموقف من قضايا الإسكان والصحة والتعليم والتنمية البشريّة وحقوق الإنسان والحريات.

وبغرض الابتعاد عن التعميم، تجدر الإشارة إلى أن قوى سياسيّة قدّمت بالفعل برامج تفصيليّة.

لكن المشكلة أن الناخب العراقي يجد نفسه أمام مقارنة إجباريّة بين برنامج تفصيلي وبين اللابرنامج، وهو لا يقارن بالطبع بين برامج وحلول مختلفة.

وبعض القوى لا تعير هذا الجانب اهتماماً في الأساس، وترى أن الوعي الديمقراطي للناخب العراقي ما زال قاصراً عن تحليل برامج معقّدة وتفصيليّة. فقضايا مثل الضرائب والسوق الحر والإصلاح الإداري ودعم الصناعة وتنظيم الجمارك والحكومة الإلكترونيّة وشفافية المعاملات الرسميّة وغيرها، لا تقارن باهتمام المواطن بقضايا يتعايش معها يومياً مثل أزمتَي الأمن والسكن ومرتبات الموظفين الحكوميّين المنخفضة والتقاعد والكهرباء والماء الصالح للشرب والبطالة.

شكلياً، يمكن القول إن الناخب العراقي غير مدرّب على تحليل البرامج الاقتصاديّة والتنمويّة، وإن النخب الثقافيّة والسياسيّة والإعلاميّة لا تنشغل في زمن الانتخابات بتحليل هذه البرامج بقدر انشغالها بالاتهامات والفضائح المتبادلة.

ولهذا تحديداً، عندما يقول مرشّح ما في برنامجه "سوف أحلّ أزمة السكن في خلال عام واحد" على سبيل المثال، فما من أحد يسأل هذا المرشّح عن الطريقة التي يمكن من خلالها توفير هذا الكم الهائل من الوحدات السكنيّة في ضوء الإمكانات والمشكلات العراقيّة!

والحال ينطبق على شعارات يتمّ تسويقها كبرامج مثل "القضاء على الإرهاب". فلا يكفي أن يعلن المرشّح نيّته القضاء على الإرهاب لتصديقه، بل يجب عليه أن يقدّم للنخب السياسيّة وللمختصين أقلّه خريطة طريق واضحة للقضاء على الإرهاب.

العراق في حاجة ماسة إلى برامج عمل صالحة للتطبيق. فالوعود الانتخابيّة العريضة لم تقد في خلال السنوات الماضية سوى إلى إضعاف ثقة الناخب بالوسط السياسي وبالعمليّة الديمقراطيّة، ما أنتج نسب مقاطعة لافتة في انتخابات المحافظات في نيسان/أبريل 2013.

وما يغفله العديد من الكتل السياسيّة التي ترغب في نيل أصوات الناخبين، هو أن المواطن العراقي وبعد تجارب انتخابات متكرّرة أصبح أكثر قدرة على التمييز ما بين الوعود القابلة للتطبيق وبيت تلك الخياليّة.

لا يختلف اثنان في العراق على أن جزءاً أساسياً من الأزمة العراقيّة يعود إلى عدم وضع الأشخاص المناسبين في مكانهم المناسب. وهذا الأمر ينطبق على البرامج الانتخابيّة. فليس من اختصاص السياسي أن يضع برنامجاً اقتصادياً، بل هي مسؤوليّة يجب أن يتكفل بها اقتصاديّون بالدرجة الأساس ويجب أن تقوم على دراسة حقيقيّة وفهم تفصيلي للواقع الاقتصادي، بالإضافة إلى الاستعانة بتجارب وخبرات شعوب ودول أخرى. فالأمر ليس مجرّد رصف أمنيات اقتصاديّة.

ويبقى أنه على الحكومة المقبلة أن تعلن برنامجاً يضع إطاراً لخططها، تلتزم به أمام الشعب والبرلمان. وعادة، يستمدّ البرنامج الحكومي من برنامج الكتلة التي تشكّل الحكومة، لكن هذا الأمر لم يحصل في العراق لأن الحكومات تتشكّل بائتلافات واسعة تجعل الإعلان عن أي برنامج تفصيلي أمراً شبه مستحيل.

More from Mustafa al-Kadhimi

Recommended Articles