تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

البغدادي أكثر غموضاً من أسلافه.. وأكثر مكراً!

الكشف عن صورة زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي كان اختراقاً كبيراً للتنظيم. لكن القبض على البغدادي أو قتله ما زالا مهمّة صعبة بسبب الغموض الذي ما زال يلفّ شخصيّته.
Fighters of al-Qaeda linked Islamic State of Iraq and the Levant carry their weapons during a parade at the Syrian town of Tel Abyad, near the border with Turkey January 2, 2014. Picture taken January 2, 2014. REUTERS/Yaser Al-Khodor (SYRIA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST CONFLICT) - RTX170U3

الصورة التي كشفتها قبل أيام وزارة الداخليّة العراقيّة للمرّة الأولى معلنة أنها لزعيم تنظيم "الدولة الإسلاميّة في العراق والشام" (داعش) أبو بكر البغدادي، تمثّل اختراقاً هو الأول من نوعه منذ سنوات. وكانت هذه الصورة قد التقطتها له عندما كان معتقلاً في سجن بوكا (جنوب العراق) الذي كانت تديره القوات الأميركيّة بين العامَين 2005 و2009.

وتشير المعلومات المتوّفرة من تنظيم "القاعدة" ومن تسريبات وزارة الداخليّة العراقيّة إلى أن البغدادي الذي يلقّب أيضاً بـ"أبو دعاء"، هو إبراهيم عواد إبراهيم علي البدري السامرائي.

والبغدادي بحسب المصادر التي لم يتمّ توثيقها رسمياً، من مواليد 1971 وقد حصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلاميّة من الجامعة الإسلاميّة في بغداد. وتفيد بعض المصادر أنه عمل أستاذاً للفقه الشرعي قبل أن يتحوّل إلى داعية سلفي وينشئ في مدينة ديالى مجموعة مسلّحة لم تنل شهرة، تحمل اسم "جيش أهل السنّة والجماعة".

وتختلف المصادر حول المعلومات التي تقول بانضمامه إلى "مجلس شورى المجاهدين" الذي تأسس من مجموعات ترتبط بتنظيم "القاعدة" في العام 2006، خصوصاً وأن بعض المصادر تشير إلى عضويّة البغدادي لهذا المجلس.

لكن هذا الافتراض لا يتّفق مع اعتقال البغدادي على يد الجيش الأميركي واحتجازه في سجن بوكا منذ العام 2005، ولا يتّفق أيضاً مع الإعلان الرسمي لتشكيل المجلس الذي ضمّ حينها ستّة فصائل مسلحة هي: تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وجيش الطائفة المنصورة، وسرايا أنصار التّوحيد، وسرايا الجهاد الإسلاميّ، وسرايا الغُرباء، وكتائب الأهوال. وذلك على الرغم من أن بعض التسريبات تؤكد أن البغدادي كان منتمياً أساساً إلى مجموعة "سرايا الجهاد الإسلامي".

وتاريخ البغدادي المسلّح، ما زال الاختلاف حوله مستمراً، كالخلاف بين أن يكون فلاحاً تحوّل زعيماً بعد تدريبه على يد عناصر "القاعدة" في داخل سجن بوكا وبين أن يكون ناشطاً سلفياً معروفاً حتى لدى سلطات النظام السابق وقد غادر العراق إلى أفغانستان وكان من المقرّبين من أبو مصعب الزرقاوي. وبصرف النظر عن دقّة المعلومات حوله، إلا أن البغدادي يُعَدّ علامة فارقة وغامضة في التطوّر البنيوي لتنظيم "القاعدة" في العراق.

والبغدادي استلم قيادة تنظيم "القاعدة" الذي كان يعمل في العراق تحت اسم "دولة العراق الإسلاميّة"، بعد مقتل زعيمه السابق أبو عمر البغدادي أو حامد الزاوي في منتصف العام 2010. حينها، كان التنظيم يعيش أسوأ مراحله ويواجه انهيارات كبيرة ومتتالية، وكانت نسب أعمال العنف في العام 2010 قد انخفضت بشكل عام مقارنة بالأعوام السابقة.

وبالإضافة إلى ما يُنقل عنه حول قدرته التنظيميّة والذي يفتقر إلى التوثيق، فإن البغدادي اعتمد في خلال الشهور الأولى من تسلمه المنصب ما يمكن أن يُطلَق عليه "الانسحاب التنظيمي". وعلى الرغم من أنه حافظ على منهج سلفه في ما يتعلّق بتنفيذ هجمات متفرّقة ومدروسة بعناية تحصد اهتماماً إعلامياً، إلا أن هذا التوجّه سرعان ما تغيّر في أواخر العام 2011 لتظهر بوادر متغيّرات إستراتيجيّة في عمل تنظيم "الدولة الإسلاميّة في العراق" باتجاه تنفيذ عمليات اقتحام كبيرة للسجون ومحاولة احتلال مواقع رسميّة وبناء معسكرات في مناطق صحراويّة.

ومن الواضح أن البغدادي كان على مستوى التفكير في أسلوب عمل التنظيم، يشبه أبو مصعب الزرقاوي أكثر مما يشبه أبو عمر البغدادي. فالزرقاوي كان ميالاً إلى اعتماد الحرب المباشرة واحتلال المدن وفرض حكم "القاعدة" المباشر عليها، فيما كانت فترة تولي أبو عمر البغدادي القيادة قد شهدت المزيد من التحفّظ على الظهور العلني لعناصر التنظيم والاكتفاء بالتخطيط لهجمات على مؤسسات أو أسواق في وقت واحد وبالتزامن في مدن عدّة، وذلك لحصد أكبر تأثير ممكن مع الإبقاء على الطابع السرّي للتنظيم.

ربما كان الغموض الذي أحيط به أبو بكر البغدادي سواء على مستوى شخصيّته وتحركاته في ما يتعلّق بأقاربه وعائلته والمقرّبين منه، مردّه المصير الذي آل إليه زعيمَي التنظيم السابقَين اللذَين تمّ الكشف عن تحركاتهما ومن ثم قتلهما.. الأول في قصف جوي في ديالى في العام 2006 والثاني في عمليّة عسكريّة متقنة في الثرثار في العام 2010.

والسريّة التي أحيط بها البغدادي بحسب ما يؤكد ضابط تحقيقات في جهاز مكافحة الإرهاب العراقي لـ"المونيتور"، مردّها أن "البغدادي كان حريصاً على أن تكون تحرّكاته محدودة للغاية وأن يكون اتصاله بعناصر قليلة تعرفه بشكل مباشر، فيما أن عدداً كبيراً من المعتقلين من أعضاء التنظيم وبعضهم من قياداته لم يلتقوا بالبغدادي في حياتهم، أو أنهم التقوه وهو يرتدي اللثام".

تلك المعلومة تعطي تصوّراً أكثر وضوحاً عن أسلوب حماية البغدادي لنفسه حتى من أتباعه، ما يجعل الصور التي عثر عليها أخيراً والوثائق التي أتت بخطّ يده سبقاً أمنياً. وهذا السبق يشير بدوره إلى أن المتغيّرات التي حدثت في سوريا وإعلان البغدادي عن تنظيم "داعش" ومعركة كسر العظم التي تمّ خوضها مع "جبهة النصرة" (الشقّ السوري لتنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري)، كلها عوامل ساهمت في تخلي البغدادي عن تحفّظه الشخصي.

وصراع كسب الشرعيّة الذي خاضه البغدادي مع أمير "النصرة" أبو محمد الجولاني ومن ثم مع زعيم تنظيم "القاعدة" الدولي أيمن الظواهري حول حقّه في القتال في سوريا ودعوة بقيّة الفصائل المكوّنة من مقاتلين عرب وأجانب ومقاتلين محليّين سوريّين إلى مبايعته، تطلّب بالإضافة إلى إظهار القدرة العسكريّة على الأرض قدرة على تسويق فرضيّة "داعش" على المستوى الشرعي، بمعنى الاهتمام بالجانب العقائدي في الترويج للتنظيم. وهو ما أثبتته الخطب والرسائل التي تبادلها البغدادي والجولاني والظواهري، والتي تناولتها المنتديات الجهاديّة والتعليقات عبر شبكات التواصل الاجتماعي لإثبات حقّ البغدادي الشرعي.

في الحقيقة، لم تكن القدرة الخطابيّة وحدها التي سمحت للبغدادي بتحدّي الظواهري في منتصف العام 2013. بل إن الفترة الممتدّة بين العام 2010 عندما تولى رئاسة التنظيم في العراق والعام 2013 عندما أعلن عن "داعش"، كان البغدادي يعيد هيكلة تنظيمه ويحصل على موارد إضافيّة عبر طريقَين:

الأول: الدخول على خط التمويل الأساسي لتنظيم القاعدة الدولي والذي يعتقد أنه يتكوّن من تبرّعات سخيّة تقدّمها جمعيات وأصحاب رؤوس أموال ودول تحاول حفظ مصالحها وإبعاد تهديدات التنظيم عن أراضيها. ما يعني أن تمرّد البغدادي على الظواهري سبق العام 2013 وبدأ مع اختراق شبكة التمويل الدولي وعدم انتظار ما يقدّمه الظواهري من دعم.

الثاني: توسيع نطاق الأتاوات الداخليّة التي توسّع بها التنظيم ابتداءً من العام 2010 لتتحوّل إلى منظومة دقيقة باتت تستحصل حصصاً للتنظيم حتى في المشروعات التي يقوم بها مقاولون وتجّار في عدد من المدن.

الشبكة المعقّدة التي أسسها البغدادي على المستوى التنظيمي والتمويلي أتاحت له تأسيس "جبهة النصرة" مع اندلاع أعمال العنف في سوريا، بحسب ما كشف البغدادي نفسه في خطابه الذي أعلن فيه تأسيس "داعش" وإلغاء تسميتَي "النصرة" و"دولة العراق الإسلاميّة".

وتجربة "داعش" في سوريا حقّقت للبغدادي ما كان يحلم به. فللمرّة الأولى منذ سنوات يتمكّن من إخضاع مناطق سوريّة كاملة وتشكيل هيئات عسكريّة ومقرات علنيّة ومحاكم شرعيّة. فوجود مقرات آمنة للتنظيم في مناطق واسعة ومحميّة غيّر نمط التعامل وآلياته. وثمّة شكوك قويّة بأن البغدادي نقل بالفعل مقرّ إقامته وقيادته إلى الأجزاء التي يسيطر عليها في شمال غرب سوريا.

وعلى الرغم من الانقلاب عليه هناك من قبل فصائل مسلحة بعضها تحت إمرة الظواهري مثل "النصرة" وغيرها، إلا أن البغدادي لا يبدو مستعداً للتخلي عن صيده الثمين خصوصاً في المناطق المحاذية للحدود العراقيّة. واندلاع أزمة الأنبار كانت مناسبة جديدة لفتح الحدود وتوسيع نطاق السيطرة والاستفادة من الإمكانات الماليّة والبشريّة المتوفّرة في العراق.

ومنذ أن اندلعت المعارك في الأنبار، كان البغدادي يطرح نفسه كبديل أمام السنّة العراقيّين، ليس على مستوى الحكومة في بغداد التي يقودها الشيعة بل كبديل للطبقة السياسيّة السنيّة التي لم تعد تحظى بقبول الشارع السنّي من جهة، وبديلاً لزعماء العشائر ورجال الدين المعتدلين الذين يتّخذون مواقف عدائيّة من تنظيم البغدادي.

إذا كان بالإمكان إطلاق وصف "ماكر" على البغدادي، فإن هذا الوصف انطبق عليه بقوّة في خلال الأسابيع الماضية ليس فقط على مستوى إدارة العمليات الحربيّة في الأنبار وإشغال القوات الحكوميّة بجبهات مختلفة، بل في تجنّبه استثارة الأهالي الذين يحتفظون بذكريات سيّئة عن تنظيم "القاعدة".

حتى اليوم لم يتعرّض مقاتلو البغدادي لرجال الدين والعشائر في الأنبار، حتى أولئك الذين شكلوا قوات "الصحوة" وحتى قوات الشرطة. وعندما رفضت العشائر رفع راية دولته في الفلوجة، أمر مقاتليه بعدم رفع تلك الراية وبمحاولة استمالة مقاتلي المجموعات المسلحة والعشائر ورجال الدين.

سياسات البغدادي المهادنة في الأنبار، كشفت مرّة أخرى عن سلوك براغماتي لم يكن قادة القاعدة السابقون يتمتّعون به. وهذا ربما من بين الأسباب التي أطالت أزمة الأنبار ومنعت حتى اليوم من إيجاد حلول لها.

من جهة أخرى، أعلن "تنظيم القاعدة" في الثالث من شهر شباط/فبراير الجاري تبرّأه من تصرّفات ما يعرف بـ"الدولة الإسلاميّة في العراق والشام" (داعش). وذلك لأن "تنظيم القاعدة" الأم لم يتمّ إخطاره بإنشاء هذا التنظيم، وهو لم يأتِ بأمر منه ولم تتمّ استشارته ولم يوافق عليه، بل أمر بوقف العمل به.