تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ما الذي أرادته "حماس" من خطاب هنيّة؟

Ismail Haniyeh, prime minister of the Hamas Gaza government, prays before delivering a speech in Gaza City October 19, 2013. Haniyeh urged rival Palestinian President Mahmoud Abbas to speed up the implementation of the faltering Egyptian-brokered unity deal to heal six years of political rifts. REUTERS/Mohammed Salem (GAZA - Tags: POLITICS) - RTX14GN2

على مدى أسابيع عديدة استعدّت الأوساط الصحافيّة والإعلاميّة الفلسطينيّة لخطاب حركة "حماس" التاريخي الذي كان من المتوقّع أن يلقيه قائدها خالد مشعل، في ظلّ التطوّرات السياسيّة الإقليميّة تحديداً وما تشهده الحركة من إعادة تموضع في تحالفاتها وعلاقاتها العربيّة.

لكن مصادر مطّلعة في "حماس" أبلغت "المونيتور" أن الاعتبارات الداخليّة تحديداً وتركيز الأنظار على قطاع غزّة في ظلّ التوتّر السائد مع مصر وتعثّر المصالحة مع حركة "فتح"، أمور جعلت الحركة تغيّر قرارها وتختار إسماعيل هنيّة رئيس حكومة غزّة ونائب مشعل لإلقاء الخطاب، لا سيّما وأنه سيكون وجهاً لوجه مع الشخصيات الفلسطينيّة وليس عبر شاشة  أو من خلال اتصال عبر الفيديو ما يفقده بعضاً من الحيويّة والتفاعل.

وفعلاً جاء الخطاب بحسب ما خطّطت "حماس" يوم السبت في 19 تشرين الأول/أكتوبر الجاري  في قاعة مركز رشاد الشوا الثقافي، وهي الأكبر في قطاع غزّة. وقد حضره أكثر من 500 شخصيّة من مختلف الأحزاب والقطاعات والمؤسّسات الرسميّة وغير الحكوميّة ومن المثقّفين والصحافيّين من بينهم مندوب "المونيتور". كذلك حظي بتغطية إعلاميّة كبيرة واستمرّ تسعين دقيقة.

البعد التعبوي

لم يكن توقيت الخطاب عفوياً ربما، بقدر ما كان لازماً ومطلوباً في ظلّ ما تعيشه "حماس" من تطوّرات داخليّة وخارجيّة. لكن هنيّة أكّد من جديد على قدرته المعروفة عنه في مخاطبة المشاعر والعواطف، بعيداً عن إصدار مواقف سياسيّة بعينها وإعلان قرارات مفصليّة تاريخيّة كما تمّ الترويج له طوال الأسابيع الماضية من خلال وسائل الإعلام المقرّبة من "حماس" وقد بدا أنه سيتضمّن مفاجآت في جوانب عدّة.

ولعلها المرّة الأولى الأكثر وضوحاً التي يوجّه فيها هنيّة خطاباً بوضعه السياسي المزدوج: رئيساً لحكومة غزّة ونائباً لرئيس المكتب السياسي لـ"حماس". وهو كرّر في خلاله أكثر من مرّة عبارة "أحدثكم باسم الحركة والحكومة"، وذكر اسم الحركة 18 مرّة فيما اكتفى بالإشارة إلى الحكومة أربع مرّات فقط!

وهو ما يعيد من جديد معضلة "حماس" في الجمع ما بين "الحكم والمقاومة". وربما لم يحظ ذلك بكثير من الترحيب في بعض أوساط "حماس" الذين التقاهم "المونيتور" على هامش الخطاب، لأنهم يرون هنيّة بهذا الخطاب الموجّه إلى الشعب الفلسطيني رئيساً للحكومة وليس قائداً لـ"حماس" حتى لو كان كذلك من الناحية العمليّة.

ومع ذلك، فقد اختارت "حماس" عبر خطاب هنيّة التأكيد على جملة مواقف متعلقة بالجانب الداخلي على صعيد المصالحة. والرجل لم يأت بجديد يذكر في هذا الملف، لكنه أعلن في سابقة هي الأولى من نوعها موقفه من إثارة القلاقل الأمنيّة في غزّة للإطاحة بحكومته من خلال دعوات "تمرّد" التي لم يسمّها صراحة، وهي قضيّة كان قد تناولها "المونيتور" في تقرير سابق.

وقد اكتفى هنيّة بالقول "أي محاولة لاستنساخ سيناريو إقليمي في غزّة، سيفشل. ولا يمكن أن ينفذ إلى الساحة الفلسطينيّة العصيّة على الكسر، ذات الصلابة في وجه الاحتلال والفوضى والفلتان الأمني". وقد حظيت عبارته هذه بتصفيق حاد من الحضور، لا سيّما قادة الأجهزة الأمنيّة التابعة للحكومة الذين كان حضورهم لافتاً.

لكن ما لفت النظر في خلال الخطاب هو غياب كامل لقيادات حركة الجهاد الإسلامي الحليف الأقرب لـ"حماس"، بالإضافة إلى غياب ممثلين عن حركة "فتح" وحضور لافت لزعماء فصائل اليسار من الجبهتَين الشعبيّة والديمقراطيّة على الرغم من أن علاقاتهم مع "حماس" ليست في أحسن أوضاعها.

وقد عبّرت قوى سياسيّة فلسطينيّة عدّة عن رضاها على خطاب هنيّة لأنه قد يفتح باب الحوار حول آليات تنفيذ المصالحة، مشيرة إلى تطوّر إيجابي في حديثه عن العمل المقاوم والسياسي بعد أن كشف هنيّة عن لقاءات وطنيّة يقودها عضو المكتب السياسي لـ"حماس" عماد العلمي تبحث في الوضع الفلسطيني الراهن والحديث عن ضرورة إطلاق حوار وطني شامل.

لكن لا بدّ من الإشارة إلى أن خطاب هنيّة أحدث خلافاً في داخل حركة "فتح"، بين من رأى فيه كلاماً متكرراً لا جدوى منه وبين آخرين اعتبروه دعوة جديّة يمكن البناء عليها.

عدم الاعتذار

لم يعد سراً أن "حماس" أصيبت بانتكاسة إقليميّة جرّاء التطوّرات المتلاحقة حولها نتيجة خسارة بعض حلفائها بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين، فحاولت العودة إلى تحالفات سابقة مع إيران وتخفيف حدّة التوتّر مع مصر. وهو ما قام به نائب رئيس مكتبها السياسي الدكتور موسى أبو مرزوق في خلال مقابلة معه على قناة "الميادين" المقرّبة من سوريا، حين أوضح أن خالد مشعل رفع علم الثورة السوريّة عن طريق الخطأ وأن الحركة ارتبطت بعلاقة متينة مع إيران لأنها كانت الدولة الأكثر دعماً لها على الرغم من أن تلك العلاقة أصبحت ضعيفة بسبب الموقف مما يجري في سوريا.

وقد رغبت أوساط في داخل "حماس" التقى بها "المونيتور" أن يؤكّد هنيّة على نيّة عودة تلك التحالفات في ظلّ ما تعانيه من أزمة خانقة، وذلك من خلال إطلاق مواقف جديدة يعلن فيها التقارب مع إيران ويفتح صفحة جديدة مع سوريا. لكنه اكتفى بالقول "حماس لا تغازل ولا تستجدي أحداً، ولا تندم ولا تعتذر عن المواقف المشرّفة حتى ترضي آخرين، ولا تشعر أنها في مأزق حتى تدفع ثمناً لأحد للخروج منه".

أحد المقرّبين من دوائر صنع القرار في غزّة والذي كان حاضراً في خلال إلقاء الخطاب، تساءل في حديث إلى "المونيتور" عن مدى مساعدة مثل هذه العبارات في التسريع بالمصالحة الكاملة مع إيران، بعد أن بدأت الخطوات بين الجانبَين تأخذ أبعاداً جادة في الآونة الأخيرة.

أما مصر فقد كانت حاضرة بشكل ملحوظ في خطاب هنيّة، إذ أعاد التأكيد مجدداً على المواقف ذاتها المتعلقة بالتطورات الداخليّة، وعلى أن لا علاقة لحماس بالأحداث الأمنيّة في سيناء معلناً إدانته لها. والجديد في هذا الملف، أنه دعا الأجهزة القضائيّة في مصر إلى تزويد "حماس" بأي معلومات لمتابعتها وإزالة أي هواجس وشكوك تجاهها.

إلى ذلك لم يتطرّق خطابه إلى الإطاحة بالحليف الاستراتيجي ممثلاً بالإخوان المسلمين ولم يأتِ على مفردات "الانقلاب وعودة الشرعيّة"، وهو ما دأبت وسائل إعلام الحركة على تكراره حتى كتابة هذه السطور وهو ما اعتبره المصدر ذاته المقرّب من "حماس" استنتاجاً لديها بعدم عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل إسقاط الرئيس المصري المعزول محمد مرسي ومحاولة لتقليل الخسائر من العلاقة المتوتّرة مع النظام الحاكم في القاهرة اليوم.

أما الملاحظة الأكثر أهميّة في خطاب هنيّة، فهي عدم تلميحه لا من قريب ولا من بعيد إلى مواجهة مرتقبة مع إسرائيل، في إشارة إلى استقرار التهدئة بينهما، على الرغم من أن توقيت الخطاب جاء في الذكرى السنويّة الثانية لصفقة تبادل الأسرى الذي اعتبر أنها ألغت خطوط إسرائيل الحمراء موجهاً التحيّة لكتائب القسّام.

أخيراً، يبقى أن هنيّة الذي استعدّ جيداً للخطاب الذي ترقّبه عدد كبير من الفلسطينيّين، ظهر أكثر تماسكاً على الرغم من الضربات التي تعرّضت لها حركته، لكنه لم يحدث قفزة نوعيّة في سلوك "حماس" كما توقّع الكثيرون.. وربما اكتفاؤه بتأكيد المؤكّد، يشير من جديد إلى أن الوضع الفلسطيني سيبقى في حالة جمود حتى إشعار آخر!

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles