تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مع النظام السوري أو ضدّه.. ويحتدم الجدال في الشارع الفلسطيني

portrait.jpg

على رصيف شارع ركب وسط مدينة رام الله، احتّل بورتريه للرئيس السوي بشّار الأسد زاوية الرصيف، ليصبح منذ نحو أسبوع مثاراً للجدال بين المارة. بعضهم يقترب ويلقي نظرة عن كثب على الرسم ويعبّر عن رأيه بكلمات إعجاب أو بنقد لاذع للفنان عبد الهادي يعيش، أما البعض الآخر فيترجم رأيه بتعليق يكتبه على المساحة البيضاء التي تتضمّنها اللوحة.

ويقول يعيش لـ"المونيتور" إن "البورتريه تحوّل إلى محطّ نقاش ساخن بين المارة، حتى أن عراكاً بالأيدي كاد يقع قبل يومَين بين مؤيّد ومعارض لنظام بشّار الأسد". وتجدر الإشارة إلى أن يعيش يتّخذ من رصيف شارع ركب محترفاً فنياً له في الهواء الطلق منذ نحو ثلاث سنوات.

وتأتي تعليقات المارة لتعكس الانقسام الكبير في الشارع الفلسطيني تجاه الأزمة السوريّة، ما بين معارض ومؤيّد للنظام. وعلى سبيل المثال "عاشت سوريا.. إرحل يا بشار" أو "سوريا الأسد.. البعث أقوى من الموت"، وغيرها من التعليقات التي تعبّر عن الرأي العام الفلسطيني.

والمسيرات والوقفات الاحتجاجيّة التي ينظّمها الفلسطينيّون من أنصار النظام السوري، عادة ما تشهد تلاسناً حاداً ومشادات كلاميّة ما بين أنصار النظام ومعارضيه الذين يرون في بشّار الأسد ديكتاتوراً يقتل شعبه ويذكّرون دائما بمسؤوليّة الأسد الأب عن مجرزة مخيّم تلّ الزعتر في العام 1976 التي استهدفت اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان. وكان آخر تلك التحرّكات، المسيرة التي نظّمها أنصار النظام في الأوّل من شهر أيلول/سبتمبر الجاري.

ويرى الكاتب والمحلّل السياسي خليل شاهين أن الأزمة السوريّة عمّقت الشرخ الذي يعيشه المجتمع الفلسطيني.

ويقول شاهين لـ"المونيتور" "في بداية الأزمة السوريّة قبل نحو عامَين، كان الشارع الفلسطيني متعاطفاً مع الأحداث الجارية في سوريا لأن النضال ضدّ النظام كان شعبياً سلمياً. لكن مع تحوّل الصراع نحو التسلّح والقتل والإبادة الجماعيّة وتدخّل أطراف جديدة فيه مثل السلفيّة الجهاديّة، برز خوف من استبدال نظام ديكتاتوري بآخر دموي، أي إعادة إنتاج للاستبداد".

وتُنظَّم جميع المسيرات ووقفات الاحتجاج والبيانات الداعمة للنظام السوري على الأراضي الفلسطينيّة، من قبل حزب البعث العربي الاشتراكي في الضفّة الغربيّة.

يبدو أمين عام حزب البعث العربي الاشتراكي في فلسطين إحسان سالم منهمكاً في التحضير لمهرجان خطابي كبير يقام في رام الله في خلال الأسبوع المقبل، تأييداً للنظام السوري.

وتجدر الإشارة إلى أنه ومنذ بداية الأزمة السوريّة، نظّم حزب البعث الفلسطيني عشرات الفعاليات ووقفات الاحتجاج والدعم للنظام السوري، رفرفت في خلالها الأعلام السوريّة وصور الرئيس بشّار الأسد.

فيقول سالم في حديث إلى "المونيتور" إن "الرأي العام الفلسطيني يقف ضدّ التآمر الحاصل في سوريا من قبل بعض قوى الاستبداد العربي والاستعمار الغربي. وقد أصبحت الأمور حالياً أكثر وضوحاً وتكشّفت خيوط التآمر على سوريا لنهب مقدّراتها والسيطرة عليها، لأنها تشكّل خطراً على إسرائيل".

وكان حزب البعث العربي الاشتراكي في فلسطين المنضوي في إطار طلائع حزب التحرير الفلسطينيّة "قوات الصاعقة"، قد تأسّس في العام 1966. وهو يُعتبَر جزءاً من منظّمة التحرير الفلسطينيّة، لكنه مستنكف عن حضور أي نشاط أو اجتماع لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة منذ عشرين عاماً احتجاجاً على توقيع المنظّمة اتفاقيّة أوسلو للسلام مع إسرائيل.

وأتت الأحداث الدمويّة في سوريا لتترك انطباعاً عند عدد كبير من الفلسطينيّين بعدم اليقين. لكن تهديد واشنطن بتوجيه ضربة لدمشق، أعاد الاصطفاف الشعبي ضدّ الولايات المتّحدة.

وقد عكست تعليقات ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"تويتر"،  هذا الاصطفاف عبر عبارات مختلفة لعلّ أبرزها "بفهم تكون مع النظام في سوريا، وبفهم تكون ضدّ النظام في سورياة، لكن أن تكون مع ضرب سوريا فأنت عميل".

وعلى الرغم من التحوّل في الرأي العام الفلسطيني ووقوفه ضدّ أي ضربة عسكريّة خارجيّة لسوريا، إلا أن المسيرات المؤيّدة للنظام السوري عادة ما تواجَه بمناكفات وانتقادات حادّة من قبل فلسطينيّين يرون في الأسد الأب قاتلاً للفلسطينيّين وفي الأسد الإبن قاتلاً لأبناء شعبه.

من جهتها، عبّرت الفنانة المسرحيّة ميساء الخطيب عن استغرابها الفلسطينيّين المؤيّدين للنظام السوري والذين لا يخجلون من رفع صورة الرئيس بشّار الأسد.

وتقول الخطيب المولودة في مخيّم تلّ الزعتر والتي عادت إلى رام الله بعد توقيع معاهدة أوسلو في العام 1993، إنه "من حقّ كل إنسان أن يمتلك موقفاً ويعبّر عن موقفه. لكني أستغرب لا بل أقف عاجزة عن التصديق أن ثمّة فلسطينيّين يدعمون النظام السوري الذي حاصر مخيّم تلّ الزعتر في العام 1976 ومخيّم شاتيلا في العام 1985. لقد قتل النظام السوري الذي كان يرأسه الأسد الأب 76 فرداً من عائلتي. كيف يمكنني أن أدعم اليوم ابنه الذي لا يقلّ دمويّة عنه؟!".

أضافت "أنا أتكلم عن حقائق تاريخيّة وليس عن رأي شخصيّ، والتاريخ يسجّل كيف أباد الأسد الأب في العام 1982 المعارضة في حماة. فكيف من الممكن أن يدعم جزء من الفلسطينيّين النظام السوري؟! أنا لا أفهم ذلك!".

وتجدر الإشارة إلى أن حزب البعث العربي الاشتراكي الفلسطيني عادة ما يدعو شخصيات فلسطينيّة بارزة للمشاركة في أيّ احتجاج أو مسيرة تضامن مع النظام السوري، بهدف كسب المزيد من التأييد الشعبي الفلسطيني. ومن هذه الأسماء البارزة المطران عطاالله حنا المعروف بمواقفه الوطنيّة فلسطينياً، والذي عُرف منذ بداية الأزمة السوريّة بمواقفه الداعمة للنظام السوري. كذلك نجد أمين عام اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيّين الشاعر مراد سوداني والمثقّف اليساري البارز عادل سمارة وغيرهم.

ويشير سالم إلى أن "ثمّة حضوراً كبيراً لحزب البعث بين الشباب الفلسطينيّين، لكن ذلك لا يأتي بأسلوب استعراضيّ على طريقة الفصائل الفلسطينيّة، بل بأسلوب أكثر عمقاً يحمل الفكر القومي الذي ينادي به حزب البعث".

ويبقى انقسام الرأي العام الفلسطيني مع أو ضدّ النظام السوري سيّد الموقف، ما بين مؤيّد يرى في النظام السوري نظاماً مقاوماً ضدّ إسرائيل، ومعارض يرى فيه نظاماً قتل الفلسطينيّين في حين يقتل اليوم أبناء بلده. وبالتالي يبقى الجدال خارج دائرة الحسم.

More from Naela Khalil

Recommended Articles