تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سرّ خروج العماد حبيب بعد "كيميائي الغوطة"

Syria's President Bashar al-Assad (R) waves as he arrives with Syrian Defense Minister General Ali Habib (C) and Chief of Staff General Dawoud Rajha to attend a dinner to honour army officers on the 65th Army Foundation anniversary in Damascus August 1, 2010. REUTERS/Sana (SYRIA - Tags: ANNIVERSARY POLITICS MILITARY) - RTR2GZ1H

هل حقّقت حادثة "كيميائي الغوطة" في 21 آب/أغسطس الماضي الفرصة المنشودة منذ عامَين ونيّف، لاتفاق أميركي–روسي يؤمّن انتقالاً هادئاً للسلطة في دمشق؟ وما علاقة ذلك بالأخبار المتواترة منذ أسبوعَين عن مغادرة أحد كبار ضبّاط الجيش من العلويّين المتقاعدين، إلى خارج سوريا؟

مسؤول سياسي لبناني متابع عن كثب للاتصالات الأميركيّة-السعوديّة حول سوريا، شرح لموقعنا أن واشنطن منذ اشتداد الأزمة السوريّة وتحوّلها إلى حرب استنزاف دمويّة بلا أفق، كانت تفكّر بمشروع تسوية ينفّذ على مراحل. وكانت منذ عامَين على أقلّ تقدير تطرح لذلك عنوان "تسوية تبدأ مع الأسد وتنتهي من دونه". وغالباً ما وُصفت تلك التسوية بعبارة "حلّ يمني في سوريا"، بمعنى إطلاق مسار هادئ وبطيء يراعي عدم حصول انقلاب في التموضع السياسي الإقليمي لسوريا، ويحقّق التدرّج في التسوية بحيث تنطلق مع أهل النظام الحاليّين وتصل إلى استبدال أشخاصهم بهدوء. أي إنه نوع من الحلّ الموزّع على ثلاث مراحل وقواعد: أولاً، لا تغيير للنظام الآن ولا تغيير طبعاً لأشخاصه بل الاكتفاء بإدخال عناصر جديدة معارضة عليه وشريكة نسبياً في إدارته. ثانياً، تغيير الأشخاص في مدى زمني متوسّط . ثالثاً وأخيراً، الأمل بالوصول إلى تغيير للنظام في مدى زمني بعيد نسبياً.

في المقابل، لم تكن موسكو بعيدة بالمطلق عن هذا التفكير، ولو جزئياً. ذلك أن موفدين روس اعتادوا التنقّل في مهام رسميّة ما بين دمشق وبيروت، وكان "المونيتور" يلتقيهم في معظم زياراتهم تلك، وغالباً ما كانوا يتساءلون: ما هي الشروط اللازمة لتأمين حلّ في سوريا على الطريقة اليمنيّة؟ قبل أن يجيبوا أنفسهم: ثلاثة شروط مطلوبة لذلك. أولاً ضمان موقع الجيش في التسوية. ثانياً ضمان مشاركة الأقليات في الحكم الجديد، بحيث لا تنتهي التسوية إلى مذبحة أصوليّة سنيّة ضدّ العلويّين والمسيحيّين والدروز وحتى ضدّ السنّة المعتدلين. وثالثاً، توافر فرصة سانحة لإطلاق تسوية كهذه.

وكان واضحاً في خلفيّة كلام المسؤولين الروس هذا، أن موسكو موافقة مبدئياً على ملاقاة واشنطن في معادلة "حلّ يبدأ مع الأسد وينتهي من دونه". لكن الشرط كي تضمن هذه المعادلة، هو أولاً بقاء الجيش في الحكم في دمشق كي لا تتكرّر تجارب بغداد أو طرابلس الغرب. ثانياً أن يظلّ العلويّون العامود الفقري لمشاركة الجيش السوري في الحكم. وثالثاً أن يأتي هذا التغيير في سياق فرصة طبيعيّة لتحقيقه، لا في إطار عمليّة عنفية أو محاولة قسريّة خارجيّة. وهو ما يضمن إطلاق آليّة الحل في الداخل السوري من دون أي تغيير في جوهر النظام، خصوصاً من دون المسّ باصطفافه الإقليمي وتموضعه الدولي. وهو ما تعتبره موسكو مصلحة حيويّة لها، وتقدّمه في الوقت نفسه للأميركيّين على أنه ضرورة من أجل إقناع حلفاء دمشق من طهران وبغداد إلى حزب الله في بيروت، بالسكوت عن تسوية من هذا النوع.

يعتقد السياسي اللبناني المعني بالأزمة السوريّة والمتابع لها، أن أزمة كيميائي الغوطة شكّلت "الفرصة" التي كان ينتظرها الجميع. فهي تشكّل إلى حدّ كبير لحظة مماثلة لمحاولة اغتيال الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح بانفجار استهدفه في مسجد صنعاء في الثالث من حزيران/يونيو 2011. يومها، نجا صالح من الاغتيال. لكنه خرج منه مصاباً بحروق بالغة، ما فرض عليه الانتقال لتلقّي المعالجة في السعوديّة. هكذا بات الرئيس اليمني السابق عملياً تحت الرعاية السعوديّة الكاملة، التي أطلقت عمليّة التسوية التدريجيّة في اليمن.

أزمة كيميائي الغوطة تشبه انفجار مسجد صنعاء إلى حدّ كبير. صحيح أنها لم تنجح في اغتيال الرئيس السوري بشّار الأسد، لكنها أصباته بحروق سياسيّة بالغة. وفرضت عليه الانتقال الكامل إلى موسكو، ليصبح الحكم السوري تحت وصاية روسيّة مطلقة، ما قد يساعد موسكو على إنضاج الحلّ وإطلاق عمليّة تنفيذه.

في هذا الوقت، يشير المسؤول اللبناني نفسه إلى أهميّة ورود خبر مغادرة أحد كبار ضباط الجيش السوري من العلويّين المتقاعدين، إلى خارج سوريا. الضابط المقصود هو العماد علي حبيب. وهو الذي شغل منصب رئيس هيئة أركان الجيش السوري بين عامي 2004 و2009، ومن ثم منصب وزير الدفاع حتى إحالته إلى التقاعد بعد اندلاع الأزمة السوريّة في الثامن من آب/أغسطس 2011. ذلك أن حبيب، في حال تأكّد خروجه من سوريا، يكون أرفع ضابط قد غادر البلاد. والأهمّ أنه ضابط علوي من قلب المنطقة العلويّة، من قرية المندرة منطقة صافيتا في محافظة طرطوس على الساحل السوري. بالإضافة إلى ذلك، فإن حبيب نفسه معروف عن كثب من قبل الأميركيّين والسعوديّين. فهو من قاد الوحدات العسكريّة السوريّة الرمزيّة التي شاركت "قوات التحالف" في حرب تحرير الكويت بعد اجتياح الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين في خلال العامين 1990 و1991. ويذكره قائد القوات السعوديّة في تلك الحرب خالد بن سلطان بكلمات الثناء والتقدير الكبيرَين، في كتاب مذكراته "مقاتل من الصحراء". وهو من ظلّ حتى ورود خبر مغادرته دمشق، يسكن في مباني "مساكن البرجيات" في ضاحية دمشق الغربيّة على الطريق المؤدية إلى بيروت، وهي المساكن المخصّصة للخبراء الروس!

هكذا يبدو نظرياً أن حبيب يجسّد الشروط الروسيّة النظريّة للحلّ. فهو ابن الجيش السوري، لا بل شغل فيه أعلى منصب حتى اندلاع الحرب السوريّة. وهو ما لم يكن مؤمّناً في مدنيّ سياسيّ من أمثال رئيس الوزراء المنشقّ رياض حجاب أو نائب الرئيس فاروق الشرع. ثم إنه علوي، من قلب المنطقة العلويّة. وهو ما لم يكن متوافراً في مناف طلاس مثلاً، الضابط السنّي المنشقّ الذي تحوم حوله وحول عائلته أخبار الفساد. وعلي حبيب هو "ابن النظام"، الذي قد يكون مقبولاً من شركاء "الحلّ السوري". ويكتمل هذا السيناريو مع كلام عن أن خروج حبيب في حال صحّته، تمّ بالاتّفاق مع موسكو من دون ضجّة ولا تصاريح عدائيّة للنظام ولا بيانات انشقاق أو انقلاب... مسألة تستحقّ المتابعة للتأكّد مما إذا كان "الحلّ اليمني" قد بدأ فعلاً في سوريا، أم أنه مجرد رهان نظري آخر.

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial