تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حماس تعيد صياغة علاقتها بمصر

An Egyptian soldier guards the border between Egypt and southern Gaza Strip September 16, 2013. The Egyptian army is clearing buildings deemed a security threat at a distance of up to one km (0.6 miles) from the Gaza border, an army spokesman said on Sunday, accusing groups in the Hamas-run territory of mounting joint attacks with Sinai militants. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa (EGYPT - Tags: POLITICS MILITARY) - RTX13N6S

منذ إطاحة الجيش المصري بالرئيس المعزول محمد مرسي في الثالث من تموز/يوليو الماضي، شعرت حركة "حماس" بأن زلزالاً مدوياً أصابها، سواء بسبب ارتباطها الأيديولوجي بجماعة الإخوان المسلمين أو التبعات السلبيّة المتوقّعة على غزّة حيث تسيطر. وهو ما تمّ بالفعل في ضوء الإجراءات المصريّة المتمثلة بإغلاق معبر رفح الحدودي وهدم 80% من الأنفاق التي تربط ما بين غزة وسيناء، إلى جانب الحملات الدعائيّة المسيئة إلى الفلسطينيّين في الإعلام المصري. أما آخر الإجراءات، فإقامة منطقة أمنيّة عازلة ما بين مصر وغزّة، الأمر الذي تناوله "المونيتور" في تحليل سابق.

وبعد مرور أكثر من شهرَين على هذه الأحداث، تشعر بعض أوساط "حماس" التي التقاها "المونيتور" في غزّة أن الأوضاع المصريّة في طريقها إلى الاستقرار، وإن كانت الأجواء متوتّرة أمنياً ومتراجعة اقتصادياً، وذلك في ضوء جملة عوامل أهمّها: حجم الضغط الأمني على الإخوان المسلمين في داخل مصر من جهة، وجملة القرارات الداخليّة التي أصدرتها السلطات المؤقّتة كتعيين لجنة الدستور وبدء الحديث عن مواعيد للانتخابات البرلمانيّة من جهة ثانية، وانشغال الدول العربيّة والمجتمع الدولي عن مصر بالملف السوري من جهة أخرى.

لذلك، سرت في أوساط مقرّبة من "حماس" في الأيام الأخيرة نقاشات جادة حول فتح صفحة جديدة للتعامل مع الواقع المصري، في محاولة للتخفيف من حدّة الاحتقان بين الجانبين في ضوء أن الفلسطينيّين هم الأكثر تضرراً في الإجراءات المصريّة المتواصلة.

الاعتذار العلني

وفي لقاء تلفزيوني غير مسبوق مع نائب رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" الدكتور موسى أبو مرزوق  على قناة "دريم" المصريّة أوائل شهر أيلول/سبتمبر الجاري، قدّم القيادي اعتذاراً علنياً للجيش المصري وقد اعتبره "خطاً أحمر"، رافضاً انتقاد الجنرال عبد الفتاح السيسي من قبل بعض رموز "حماس" ومشدّداً على وجوب محاسبتهم.

وقد علم "المونيتور" أن جدالاً حاداً شهدته صفوف الحركة عقب اعتذار أبو مرزوق للمصريّين، إذ اعتُبر تنازلاً غير مقبول على الرغم من تفهّم الكثيرين لموقعه الجغرافي الحساس. فهو ما زال يقيم في القاهرة، وقد استضافته قناة تلفزيونيّة لا تخفي عداءها للإخوان المسلمين وتأييدها لكلّ خطوات الإطاحة بمرسي. وقد نظر إليه البعض كـ"مطفئ حرائق" بين الجانبَين.

كذلك تحدّثت أوساط صحافيّة عن رسالة غاضبة بعثت بها قيادة "حماس" في الخارج إلى نظيرتها في غزّة، حذّرت فيها من مظاهر علنيّة لتأييد الإخوان المسلمين وطالبتها بالكفّ عن النشاطات المنطوية على دعمهم ومنع التصريحات والتظاهرات ضدّ الجيش المصري.

لكن مصدراً في داخل "حماس" اتّصل به "المونيتور"، رفض تأكيد الرسالة أو نفيها، إلا أن تسريب مثل هذه الأخبار يشير إلى أن الموضوع المصري يطغى على النقاشات الداخليّة للحركة، لا سيّما وقد باتت متأثّرة سلبياً بكلّ الإجراءات المصريّة ضدّ قطاع غزّة.

أما الإجراء الأكثر بروزاً الذي اتّخذته "حماس"، فقد تمثّل بزيارة رئيس حكومتها في غزّة إسماعيل هنيّة إلى الحدود مع مصر في 13 أيلول/سبتمبر الجاري على رأس وفد ضمّ نواباً ووزراء وقادة أجهزة أمنيّة. وبعد أن شاهد حفارات وآليات عسكريّة مصريّة متمركزة خلف الحدود بالقرب من بوابة صلاح الدين، طالب هنيّة قوات الأمن الفلسطينيّة بضبط النفس وتأمين الحدود مع من أسماها "الشقيقة مصر".

من جهته، دعا وزير الأوقاف في حكومة غزّة إسماعيل رضوان الخطباء والوعاظ في خلال لقائهم به قبل أيام إلى تجنّب الحديث عن مصر في خلال دروسهم الدينيّة وخطب صلاة يوم الجمعة، ما قد يثير حفيظة المصريّين.

وتجدر الإشارة إلى أن خطباء المساجد هم الذين يصدرون الموقف السياسي لـ"حماس" وإن بصورة غير رسميّة، وهم الذين ينقلون ما تريد الحركة إيصاله إلى مئات الآلاف من الفلسطينيّين الذين يؤمّون المساجد كلّ يوم جمعة.

في المقابل، تراجعت حدّة التصريحات الصادرة عن "حماس" المحذّرة من شنّ الجيش المصري هجوم عسكري على قطاع غزّة. وقد أكّد القيادي في الحركة صلاح البردويل أن شنّ مثل هذا الهجوم غير متوقّع، قائلاً "لا نشعر بالخوف على الإطلاق من أي حصار أو تضييق من مصر ضدّ غزّة".

إلى ذلك، علم "المونيتور" أن "حماس" تشهد حراكاً داخلياً لمواجهة ما تسمّيه الضغط الاقتصادي و"الخنق المعيشي" الذي يمارس على قطاع غزّة بفعل إغلاق المعبر وهدم الأنفاق، ما يتوجّب قيام ردّ فعل فلسطيني لمواجهته على أقلّ تقدير من خلال تظاهرات واعتصامات سلميّة.

لكن الخوف الذي يحيط بإصدار قرار مماثل، يكمن في إمكانيّة أن يغلب على المسيرات الطابع العفوي والشعارات المستفزّة للمصريّين ورفع اللافتات المؤيّدة للإخوان المسلمين والمندّدة بالجيش، ما يعني أن تأتي هذه الفعاليات بهدف عكسي وتصبّ مزيداً من الزيت على نار العلاقات المشتعلة أصلاً مع المصريّين.

ردّ تصعيدي

في الاتجاه ذاته ، لا يبدو أن الخطوة الذي تنوي "حماس" القيام بها قريباً على نار هادئة، تلاقي في المقابل جهداً مصرياً للتخفيف من حدّة الأزمة، بل إن الإعلام المصري في معظمه يسير باتجاه ما قاله مسؤول في "حماس" في غزّة لـ"لمونيتور" وهو "شيطنة الفلسطينيّين" وتحميلهم مسؤوليّة ما يحصل في سيناء من حوادث أمنيّة.

ووصل الأمر إلى درجة قيام محكمة مصريّة بتجميد القرار الصادر عن الرئيس المعزول مرسي بمنح الجنسيّة المصريّة لخمسين ألف فلسطيني من غزّة، مع ما يترتّب على ذلك من آثار، على الرغم من أن القرار اتّخذه مرسي بالتوافق مع جميع الأجهزة الأمنيّة والسلطات القضائيّة في حينه.

إلى ذلك، فإن دراسات أنجزها مدير هيئة المعابر في غزّة ماهر أبو صبحة تتحدّث عن أزمة إنسانيّة متفاقمة يُمنع بموجبها عشرات آلاف الفلسطينيّين من السفر في حين أن الجانب المصري يبرّر دائماً إغلاقه للمعبر بحجّة الأوضاع الأمنيّة الصعبة في سيناء بالإضافة إلى خلل في شبكة الحواسيب، وهو ما يسفر عنه قلق دائم لدى "حماس". ويشير أبو صبحة إلى ما يقارب ستّة آلاف فلسطيني مسجّلين في كشوفات الحكومة، وهم بحاجة ماسة إلى السفر للحفاظ على مصالحهم.

أخيراً، يبقى أن التوصيف الأكثر دقّة لما يُعتقد أنه سياسة جديدة تنتهجها "حماس" تجاه مصر، هو ما عبّر عنه مسؤول بارز في الحركة لـ"لمونيتور" بالقول "حماس تحاول تطبيق القاعدة العسكريّة القائلة بالتراجع خطوة إلى الوراء للتقدّم عشر خطوات إلى الأمام، لأنها تعتقد أن مصر هي أنبوب الأكسجين الذي تتنّفس منه وتحصل من خلاله على الطعام والشراب والهواء، ما يحتّم البحث عن آليّات جديدة لإعادة المياه إلى مجاريها معها"، آملاً أن تنجح.