تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مفاوضات بين الكنيسة الأرثوذكسية ولجنة مهرجانات بعلبك لتمرير حفلة لمصمم الرقص العالمي الشرقاوي تتضمن ترنيمة !

The Caracalla Dance Theatre performs a new theatrical production of "The village" (Al-Dayaa) during a dress rehearsal during the Baalbeck International Festival in Baalbek, in the Bekaa valley, July 14, 2009. The Baalbeck International Festival is an annual entertainment festival that takes place in July and August in the Roman Ruins of the Baalbek Temples. REUTERS/Ahmed Shalha (LEBANON SOCIETY ENTERTAINMENT) - RTR25NWB

في واحدة من المرات النادرة تضامنت جماعة متشددة هي رابطة العلماء المسلمين مع احتجاج كنسي أرثوذكسي في لبنان على عمل فني يقدم من ضمن مهرجانات بعلبك الدولية، التي نقلتها تفاعلات الحرب في سوريا من مكانها بين آثار الهياكل الرومانية في مدينة الشمس، إلى معمل للحرير يعود إلى القرن التاسع عشر في إحدى ضواحي بيروت الشمالية، سد البوشرية .

يعود الإحتجاج الكنسي، الذي عبّر عنه كهنة بيروت الأرثوذكس باسم متروبوليت الأبرشية، المطران الياس عودة، إلى تضمين الحفلة الوحيدة التي يقدمها مصمم الرقص العالمي سيدي العربي الشرقاوي، وهو بلجيكي من أصل مغربي، ترنيمة بيزنطية  تبجل السيدة العذراء، مطلعها "إن البرايا بأسرها". قال الكهنة في رسالتهم إلى لجنة إدارة المهرجان  ما فحواه "إننا مع تقديرنا لجهودكم  ودعمنا للفنون وللثقافة عموما ، نرفض رفضا قاطعا المزج بين ما هو مقدس وما هو فني، ونطلب منكم (...)عدم استعمال الترتيلة التي اخترتموها لمرافقة اللوحة الراقصة". 

وسرعان ما لاقتهم "رابطة العلماء المسلمين ببيان أبرز ما فيه: " (...)نعلن تضامننا مع الكنيسة في موقفها من هذا العرض المسيء والمدان، ونطالب رئيس الجمهورية ميشال سليمان بالتدخل الفوري العاجل عبر الاجهزة المعنية ومنها الأمن العام لوقف هذه الإساءة انتصارا للحرية المسؤولة وللدستور اللبناني الذي ينص في المادة 9 على ان: "حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الاجلال لله تعالى تحترم كل الاديان والمذاهب(...)".

إلى حد ما ذكّر موقف رجال الدين المسلمين هؤلاء بموقف مجلة "لاكروا" الفرنسية الكاثوليكية التي تضامنت على طريقتها مع المحتجين على رسم صور كاريكاتورية لرسول الإسلام العام الماضي وانتقدت بحدة مجلة "شارلي أبدو" الكاريكاتورية الساخرة التي نشرت تلك الرسوم، رغم أن غالبية وسائل الإعلام المكتوبة في فرنسا تضامنت معها في وجه الحملة التي تعرضت لها  من المسلمين الذين شعروا بالإهانة من تلك الرسوم ، في ايلول / سبتمبر 2012.

وتلت رسالة الكهنة الأرثوذكس حملة على صفحات الفايسبوك تدعو إلى مقاطعة مهرجانات بعلبك وتلوح بخطوات لتصعيد الإحتجاج على الحفلة.

إلا أن المتحدثة باسم لجنة مهرجانات بعلبك زينة صفير أوضحت لـ"المونيتور" أن الكنيسة الأرثوذكسية التبس عليها الأمر، إذ شاهد الكهنة إعلانا تلفزيونا عن الحفلة ركبت فيه رقصات بطريقة المونتاج على خلفية الترنيمة البيزنطية. في حين أن الأمر لن يكون كذلك على المسرح. وأضافت أن اتصالات تجري لحل المسألة "ولا يزال أمامنا متسع من الوقت. فموعد الحفلة 30 آب / أغسطس آخر هذا الشهر. وأبدت ثقتها بأن التجاوب الذي يبديه الجانبان سينهي الأمر إيجاباً. وقد أطلعنا المعنيين في الكنيسة على المقطع الصحيح".

وركزت على روعة العمل الفني الذي وضعه الشرقاوي، عمل يحاكي علاقة الإنسان بالحجر ويبعث على التأمل العميق لأنه يستلهم الحضارات في تطلعاتها وتعابيرها الروحية القديمة، وهو خلافاً لغيره جميعاً ترافق موسيقاه الأداء حية على المسرح ، وبتعابير من كل أنحاء العالم الذي تجول فيه أعمال الشرقاوي. وهو اليوم يقدم عمله في اليابان ، ولا نعرف حتى الآن إذا كان سيحضر إلى لبنان أم لا. 

أما اسم العمل فهو «بازل»، ويتعاون الشرقاوي مرة جديدة مع فرقة A filetta و«كازوناري أبي» كما مع الفنانة اللبنانية فاديا طنب الحاج. وتتنوع الموسيقى الحية في العرض بين الإنشاد الديني الإسلامي والمسيحي، فتؤدي الحاج «إن البرايا» من الطقس البيزنطي، إلى جانب فرقة «أ فيلياتا» المؤدية للموسيقى التقليدية الكورسيكية في قالب معاصر.

وتتدخل  المؤسسات الدينية المسيحية والمسلمة على السواء في لبنان بين حين وآخر كأنها سلطة رقابية على الأعمال الفنية، مما يثير سخطا كل مرة في صفوف الفنانينوالمثقفين وقطاعاً واسعاً من الجمهور. تتذرع هذه المؤسسات بالمادة 9 من الدستور ، على ما فعلت "رابطة العلماء المسلمين" في بيانها، وتتجاهل نصاً صريحاً ورد في مقدمة الدستور يؤكد أن الدولة اللبنانية تلتزم "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء" . كذلك تتجاهل أن "حرية التعبير كما وردت في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هي حق مطلق، لا يرتبط بمشاعر الآخرين او معتقداتهم. وهي لا تخضع لأي قيود، إلا في حالتي الحض على الكراهية، او الدعوة إلى الإيذاء أو القتل".

إلا أن القضاء اللبناني الذي تلوح المؤسسات الدينية دوما باللجوء إليه لمنع ما تعتبره إساءات إلى المعتقدات التي تدافع عنها، بدا في أكثر من مناسبة أوسع صدراً . ففي حكم قضائي أصدره في قضية الفنان مارسيل خليفة لتلحينه آية قرآنية في اغنية "انا يوسف يا ابي"، اعتبر ان "انشاد القصيدة بوقار ورصانة ينمان عن إحساس عميق بالمضمون الإنساني الذي عبرت عنه، والتزم التعبير شكلا ومحتوى بأداء لا يحمل أي مس او اساءة لقدسية النص ومكانته الدينية، وهو بالتالي لا يشكل اساءة للمقدسات الدينية او تحقيرا للأديان".

More from Elie Hajj

Recommended Articles