تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ميليشيات رجال الدين في العراق

على الرغم من التاريخ الطويل لمحاولات علماء الشيعة التأثير في المجال السياسي في مجتمعاتهم، إلا أن الوسط الشيعي لم يعرف ظاهرة قيادات دينيّة تتزعّم ميليشيات عسكريّة قبل عقود قليلة من الزمن.
Posters of late Shi'ite Mehdi Army members are displayed on their graves in a Sadrist cemetery in the holy city of Najaf, 160 km (100 miles) south of Baghdad September 13, 2008. Forced off Iraq streets and with diminished political clout, what anti-American Shi'ite cleric Moqtada al-Sadr and his Mehdi Army militia do next will be crucial if they are to remain relevant.  Picture taken September 13, 2008. To match feature IRAQ/SADR     REUTERS/Ceerwan Aziz (IRAQ) - RTX8SVI

على الرغم من التاريخ الطويل لمحاولات علماء الشيعة التأثير في المجال السياسي في مجتمعاتهم، إلا أن الوسط الشيعي لم يعرف ظاهرة قيادات دينيّة تتزعّم ميليشيات عسكريّة قبل عقود قليلة من الزمن. من الممكن اعتبار حركة "فدائيان إسلام" الإيرانيّة أوّل نموذج من هذا القبيل، وكان يقودها رجل دين شاب اسمه نواب صفوي مستهدفة الشخصيات الفكريّة والدينيّة والسياسيّة المعارضة لرؤيتها الدينيّة. ومن أشهر من قتل على أيدي جماعة هذه الحركة هو الباحث التاريخي واللغوي الايراني الشهير "أحمد كسروي". وقد تحوّل نواب صفوي إلى بطل رمزي بعد الثورة الإيرانيّة، الأمر الذي أدّى إلى رغبة لدى عدد كبير من الجماعات الثوريّة الشيعيّة بالاقتداء به، إلى جانب التأثير العام لحركات الإخوان المسلمين الجهاديّة على الأحزاب الشيعيّة الثوريّة.

يعتبر حزب "الدعوة" أوّل نموذج عراقي من الأحزاب الشيعيّة التي تربطها علاقة وصلة ببعض رجال الدين الشيعة. وقد قام الحزب بأعمال عسكريّة ضدّ النظام العراقي السابق، كان يذهب ضحيّتها بعض المدنيّين أحياناً. لاحقاً وفي العام 2003 تحديداً، تأسّس "جيش المهدي" بقيادة مقتدى الصدر ليكون أوّل ميليشيا شيعيّة في العراق يقودها رجل دين بشكل مباشر. لم يكسب "الجيش" أي نوع من الدعم والقبول من قبل الجهات الرسميّة في الحوزة العلميّة، بل وُجّهت انتقادات إليه من قبل المرجعيّة الشيعيّة في النجف بحسب ما هو مذكور في كتاب "الرحلة العلاجيّة للسيّد السيستاني وأزمة النجف" الذي وضعه الناطق الرسمي باسم السيستاني، حامد الخفاف. وقد نقل السيّد محمد بحر العلوم من رجال الدين البارزين في حوزة النجف، في خلال حوار مع الكاتب بأن السيستاني حذّره من القيام بأي نوع من الدعم لميليشيات شيعيّة معتبراً إياها مخالفة للدين والقانون.

وأخيراً اضطرّ مقتدى الصدر أن يجمّد فعاليات جيش المهدي في آب/أغسطس 2007 بعدما تورّطت وحدات وعناصر من الميليشيا بأعمال تخريبيّة وانتهاكات واسعة لحقوق الانسان، وأيضاً على أثر تحوّل فكري ظهر في مواقف مقتدى الصدر تجاه العمل السياسي والديني في العراق. وقد أدّى ذلك إلى انشقاق جماعات من جيش المهدي وتأسيس ميليشيات جديدة أشهرها "عصائب أهل الحق" التي استمرّت بعملياتها العسكريّة بخاصة ضد الجيش الأمريكي في العراق، وذلك بدعم من إيران. وقد التقى مراسل "المونيتور" عدداً كبيراً من قيادات "العصائب" في إيران، في خلال تلقّيهم دورات تعليميّة أو علاجاً طبياً وقد أصيب بعضهم في عمليات عسكريّة. وتحوّلت "العصائب" بعد خروج القوات الأميركيّة من العراق إلى العمل السياسي، وراحت تطلق على نفسها اسم "حركة أهل الحق". إلى ذلك، هي تعمد إلى  استهداف ما تعتبره مخالفاً للشريعة الإسلاميّة.وأفاد الناشط الاجتماعي العراقي مهنّد الغزي في حديث إلى "المونيتور"، أن جماعات من "العصائب" تستهدف مقاهي في منطقة الكرادة في بغداد منذ بدء شهر رمضان هذه السنة، وقد قُتل أحد المهاجمين في خلال اشتباكات مع أصحاب المقاهي. أضاف أن "العصائب" عادة ما ترفع في خلال  الإعلان عن وفاة عناصرها لافتات تقول "استشهد في أثناء الواجب المقدس". كذلك، ثمّة أنباء متواترة عن مشاركة العصائب في القتال الطائفي في سوريا.

إلى ذلك، أعلِن عن تشكيل ميليشيا جديدة في الأشهر الأخيرة على يد رجل دين يُدعى واثق البطاط. فهو قام بتأسيس حزب سياسي تحت اسم "حزب الله-النهضة الإسلاميّة" بهدف دخول المنافسة الانتخابيّة وإقامة الحكم الديني في العراق وفقاً للنموذج الإيراني، ويترافق ذلك مع أعمال عسكريّة ضدّ البعثيّين والتكفيريّين بحسب ما صرّح البطاط في خلال مقابلة تلفيزيونية مع قناة "البغداديّة". وكان البطاط قد ارتبط سابقاً بـ"فيلق بدر" الجناح العسكري للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وبعد ذلك بـ"جيش المهدي" في خلال قتاله الجيش الأميركي. وهو قضى فترة طويلة في إيران، وحصل فيها على شهادة ماجستير من إحدى الكليات العسكريّة بحسب ما أشار في خلال مقابلته مع "البغداديّة". وقد أوضح البطاط أيضاً في تلك المقابلة أن تأسيسه "جيش المختار" أتى مدعوماً من قبل علماء شيعة، من بينهم قائد الثورة الإيرانيّة السيّد علي الخامنئي والسيّد كمال الحيدري وفاضل المالكي. وهو أمر لم يتمّ تفنيده من قبل الشخصيات المذكورة.

وكانت الحكومة العراقيّة قد أصدرت أمراً بإلقاء القبض عليه، طالبة تعاون المواطنين معها. وأتى ذلك في وقت يظهر البطاط بشكل علني عبر القنوات الفضائيّة ويقيم اجتماعات رسميّة وعلنيّة. وعليه، تثير مسألة عجز الحكومة العراقيّة عن إلقاء القبض عليه، احتمالات حصوله على دعم إقليمي يصعب على الحكومة العراقيّة مواجهته، بخاصة وأن البطاط كان قد تبنّى في وقت سابق الهجوم على معسكر "ليبرتي" حيث يتواجد عناصر منظّمة "مجاهدي خلق" المعارضة للحكومة الإيرانيّة.

ويبقى أن ظاهرة صعود المليشيات الشيعيّة قد تؤدّي إلى رغبة لدى رجال الدين السنّة بأعمال مشابهة، بخاصة بعد الحضور المكثّف لهم في الاحتجاجات الأخيرة في المناطق السنيّة. وهذا أمر يحمل مخاوف جديّة من تصاعد الأزمة الطائفيّة في العراق والمنطقة بشكل عام.