تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حملة غير منظّمة "ليحكم الجيش" في لبنان

في هذه المقالة يتناول الكاتب إيلي الحاج ظاهرة الدعوة إلى إقامة حكم الجيش في لبنان وتعبيراتها، ويحلّل الدوافع إليها عارضاً ذرائع المؤيّدين والمنتقدين على السواء. 
Lebanese army soldiers march during a military parade to celebrate the 65th anniversary of Lebanon's independence day in downtown Beirut November 22,2008.      REUTERS/Jamal Saidi      (LEBANON) - RTXAUII

فور اندلاع الإشتباك المسلح الذي أدّى في بلدة عبرا في منطقة صيدا جنوب لبنان إلى القضاء على ظاهرة الشيخ أحمد الأسير وجماعته المسلّحة في 23 حزيران/يونيو الماضي، اشتعلت في الصالونات اللبنانيّة وفي فضاء مواقع الإتصال الإجتماعي لا سيّما في البيئة المسيحيّة، حملة غير منظّمة ومتعدّدة المنطلق تقدّس الجيش اللبناني وتؤلّهه إلى درجة الدعوة إلى أن يحكم لبنان بعدما أثبتت الأحزاب والتنظيمات والقوى السياسيّة على اختلافها أنها أخفقت في رسم حلول لمشكلات لبنان وشعبه، فكيف بتحقيقها؟

تغذّت الحملة ببراءة وطنيّة صافية عند كثيرين من اللبنانيّين ممّن يرون وعن حقّ في المؤسّسة العسكريّة مدرسة في الوطنيّة تقدّم الشهداء من أجل الوطن ككلّ وليس في سبيل فئة، كما أنها تشكّل الضمان الأقوى والدعامة الرئيسيّة للدولة وحقوق المواطن.

لكن نقيض البراءة العفويّة بدأ يظهر من خلال محاولات تجيير "صورة البطل" بعد معركة عبرا إلى هذا المسؤول العسكري الكبير أو ذاك. تحديداً، انقسمت الصورة على صفحات موقع فيسبوك خصوصاً بين القائد الحالي للجيش العماد جان قهوجي وقائد فوج المغاوير العميد شامل روكز الذي يصادف أنه صهر رئيس "التيار الوطني الحر" و"تكتّل التغيير والإصلاح" القائد السابق للجيش العماد ميشال عون. يبدو  بوضوح للمتمعّن في الصورتَين أن في الخلفيّة صراعاً سياسياً، ليس في المؤسّسة العسكريّة بل على مستوى الإنقسام اللبناني الأوسع. صراع أدّى إلى تأجيل جلسة لمجلس النواب كانت مقرّرة الإثنين في الأوّل من تمّوز/يوليو الجاري بذريعة دستوريّة، هي عدم صلاحيّة مجلس النواب للتشريع في قضايا غير طارئة وفائقة الأهميّة بغياب الحكومة، علماً أن حكومة تصريف الأعمال برئاسة الرئيس المستقيل نجيب ميقاتي تدير البلاد موقتاً في المبدأ، إلى حين يشكّل الرئيس المكلّف تمام سلام حكومته التي لن تتشكّل في المدى المنظور. فالرجل يقول إنه ينتظر موافقة الرئيس نبيه بري وكذلك رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، على تركيبة حكوميّة لا يتمثّل فيها "حزب الله". ومن رابع المستحيلات أن يوافق بري خصوصاً وجنبلاط عموماً على خطوة كهذه تتحدّى الحزب.

لكن الذرائع الدستوريّة لم تخفِ عن أعين السياسيّين والمراقبين أن موقع قيادة الجيش، الذي تتوافر غالبيّة نيابيّة نظرياً لإبقاء القائد الحالي العماد قهوجي فيه لمدّة سنتَين من خلال رفع سنّ التقاعد للضباط الكبار، هو موقع ذو صلة وإن غير أكيدة بانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة في النصف الأوّل من العام 2014.

وفي أذهان من يربطون بالإستنتاج بين القيادة والرئاسة، أن رئيسَين بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهليّة (1975- 1990) انتقلا من مقرّ قيادة الجيش إلى قصر الرئاسة، وهما الرئيس السابق إميل لحود والرئيس الحالي ميشال سليمان. وقبل "الطائف" مباشرة، كانت مرحلة انتقالية مشوبة بالملابسات والإعتراضات والمواجهات العسكريّة كان بطلها النائب العماد ميشال عون نفسه. والمثال الأعلى في هذه الحالة يظل ماثلاً ويفعل فعله في الذاكرة الجماعيّة للبنانيّين، وقد سوّغ لقادة الجيش الموارنة الذين تعاقبوا بعده الطموحات الكبيرة. إنه الرئيس الراحل الأمير واللواء فؤاد شهاب، أوّل قائد للجيش اللبناني، والذي تسلّم الرئاسة بعد حرب أهليّة مصغّرة عن الحرب التي اندلعت في العام 1975. كان ذلك في آخر ولاية الرئيس الراحل كميل شمعون (1952- 1958). وأعاد شهاب توحيد البلاد متفاهماً على السياسة الخارجيّة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ويعتبر عهده من أكثر العهود في تاريخ لبنان الحديث استقراراً وبناءً للمؤسّسات في الدولة.

توحّدت في حملة "الجيش هو الحلّ" عفويّة الوطنيّة اللبنانيّة البريئة إذاً، مع نتيجة العمل التقليدي لأجهزة تمارس العمل نفسه منذ عقود لتزيين صورة الجيش في كلّ الظروف، مع حسابات وطموحات لتيار سياسي وازن انبثق من خلفيّة عسكريّة هو "التيار العوني". لكن الحملة بقيت محصورة في الأطر الشعبيّة. ففي أوساط النخب السياسيّة والثقافيّة يلتقي المرء في كلّ مكان من يشبّهون شعار "الجيش هو الحلّ" بشعار "الإسلام (السياسي) هو الحلّ" الذي هوى بسرعة في مصر وتونس وسواهما.

وتعبّر الحملة عن نفسها في بيارق وأعلام ومواكب سيّارات يلوّح من فيها بأعلام لبنان والجيش اللبناني الذي يحمل شعار "شرف، تضحية، وفاء". وكذلك في لافتات عملاقة عُلّقت في الساحات الرئيسيّة وملصقات تمجّد الضباط والجنود وشهداء الوطن. ومن ردود فعل المواطنين العاديّين يتبيّن أن الحملة ناجحة، إذ إنها تدغدغ الأحلام الرومنسيّة النائمة عند كثيرين من اللبنانيّين الذين يتطلّعون إلى وطن تسير فيه حياة شعبه كما تسير الساعة السويسريّة (مثل لبناني قديم). ربما لشدّة وطول ما عانوا الفوضى وأهوالها، يريد أبناء هذا الشعب حياة منضبطة ملتزمة على غرار خبط أقدام العسكر في الإستعراضات.

يقول بعض من يدافعون عن وجهة النظر هذه شفوياً أو في كتاباتهم على صفحات موقعَيّ فيسبوك وتويتر، إن أي فريق في لبنان لا يمكن مقارنته ولو من بعيد، بالمؤسّسة العسكريّة في ابتعادها عن الطائفيّة والمذهبيّة والفساد السياسي والمالي وحتى الأخلاقي. وفوق ذلك كله تتفوّق في الوطنيّة والإستعداد الدائم لأداء الواجب حتى الإستشهاد.

لكن ثمّة رأياً مقابلاً، إذ يسهو عن بال أصحاب دعوة "ليحكم الجيش" أن مشكلات لبنان هي نفسها تتكرّر منذ ما قبل نشوء كيانه السياسي الحديث، وأن تجربة حكم العسكر لم تحمل حلولاً لأي دولة أو شعب على وجه الأرض لا في الشرق ولا في الغرب، وأن التعقيدات اللبنانيّة يصعب حلّها حتى حدود الإستحالة تقريباً على السياسيّين المحترفين، فكيف بالعسكر المتخصّصين في مجال آخر مختلف تماماً.

كذلك فإن تجربة حكم العسكر خارج إطار الإنتخابات الديمقراطيّة –حتى لو اقتصرت على الشكل-، أقل ما يُقال فيها أنها لا تشجّع على تكرارها. ثم أن الرئيس فؤاد شهاب مثل كلّ القادة التاريخيّين لا يتكرّر. والتاريخ شديد البخل في هذه المنطقة من العالم.