تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السعودية تقود التسوية في لبنان

Lebanon's former Prime Minister Saad al-Hariri (L) speaks to Prince Mansour bin Saud bin Abdul Aziz as they arrive for the funeral of Prince Badr bin Abdul Aziz, former deputy commander of the National Guard at Imam Turki bin Abdullah Mosque in Riyadh, April 2, 2013. REUTERS/Faisal Al Nasser (SAUDI ARABIA - Tags: POLITICS ROYALS) - RTXY5TQ

تسعى السعودية لوراثة الدور السوري في لبنان الذي استمر من عقد سبعينات القرن الماضي لغاية خروج قواتها منه عام ٢٠٠٥ اثر اتهامها باغتيال الرئيس رفيق الحريري . وكانت السعودية مرت في علاقاتها مع لبنان بعدة مراحل . فخلال فترة صعود الناصرية ( نسبة للرئيس جمال عبد الناصر ) ، تموضعت سياسة الرياض في لبنان بمواجهته . ثم بعد وفاة الرئيس المصري ناصرعام ١٩٧، وبدء الحرب الاهلية اللبنانية، وتعاظم التداخل السوري المؤثر فيها ، أنشأت الرياض  علاقة خصام تارة و وهدنة ووئام تارة اخرى  مع دمشق فوق الساحة اللبنانية . وخلال السنوات العشرة الاخيرة ، كان لبنان أشبه بمراة تنعكس فوق صفحتها حميمية او توتر العلاقة بين الرياض  من ناحية  وتحالف دمشق وطهران من ناحية ثانية . و اخر لحظة وئام سورية - سعودية   في لبنان ، حدثت بعد مبادرة  الملك عبد الله للمصالحة  مع الرئيس الاسد في قمة الكويت العربية الاقتصادية  عام ٢٠٠٨. ونشا انذاك مصطلح توافق السين - سين اللبناني ( اي التوافق بين  سوريا والسعودية لإدارة الازمة اللبنانية ). واثمر  هذا التوافق  تهدئة سياسية في لبنان وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة الحليف الأبرز للرياض سعد الحريري ضمت حزب الله وكل مكونات تناقضات الطيف السياسي اللبناني  . ولكن سرعان ما انفرط عقد تفاهم السين - السين ، وانقلب معه حزب الله على حكومة الحريري . والسبب في ذلك ان  دمشق، تحت ضغط إيراني، تخلت عن اتفاق اخر في سلة تفاهمهما ، قوامه العمل معا على تشجيع وصول أياد علاوي الى رئاسة الحكومة العراقية بدل نوري المالكي .

وطوال الفترة  التالية لكانون الثاني العام ٢٠١١ ، ( التوقيت الذي نفذ فيه حزب الله وحلفاؤه انقلابا ساسيا على سعد الحريري افضى الى اقصائه عن حكومة الوحدة الوطنية ، لمصلحة حكومة صنفت دوليا بانها حكومة حزب الله ، وتراسها نجيب ميقاتي المتصف بانه وسطي)، ابتعدت السعودية عن ممارسة اي دور سياسي في لبنان . وهذه سمة في سلوكها الذي يتجه لإدارة الظهر للساحة التي تنقلب عليها . ومنذ  الاحداث السورية ، رفعت الرياض شعار ان الأولوية في سياستها تجاه المشرق هي لمساعدة المعارضة السورية على تغيير نظام الاسد . وابتعد منذ  تلك الفترة حليفها الحريري عن لبنان ، بقرار سعودي وكتعبير عن رغبتها بممارسة " ناي بالنفس" عن الوضع اللبناني . وبمقابل ذلك امتعنت الرياض عن اجراء اي استقبال رسمي لميقاتي ، الا في اخر ايام عهده ، وهو امر غير مسبوق في علاقة الرياض مع الرئاسة الثالثة السنية في لبنان. 

ولكن الأسابيع الاخيرة، حملت تغييرا جوهريا في سياسة ادارة الظهر السعودية للبنان . ودللت الاحداث اللبنانية الاخيرة ان السعودية قررت العودة ، وبقوة ، لتفعيل نفوذها داخل ساحته السياسية . وكانت خطوتها الأبرز  على هذا الصعيد ، مبادرتها لإدارة ازمة الشقاق اللبناني الذي نتج اثر الخلاف الداخلي على قانون الانتخاب وعلى تسمية شخصية لرئاسة الحكومة تخلف ميقاتي. 

ما الذي قاد السعودية لتغيير موقفها والعودة للأنغماز في الرمال اللبنانية ؟

تتقاطع مصادر عدة على اعتبار ان السعودية تتجه لمراجعة سياستها تجاه سوريا . ونقطة المراجعة لا تتعلق بتغيير موقفها من قضية اسقاط النظام السوري. فهذا الامر لا يزال يشكل ثابته في مقاربتها  للازمة السورية ، والأمر الذي  طرا عليه تعديل هو اختلاف نظرتها عن نظرة كل من قطر وتركيا بخصوص  ماهية البديل السياسي الذي يجب ان يرث النظام السوري في حال سقوطه . وفيما تدعم  الدوحة وأنقرة وصول الاخوان المسلمين ، فان المملكة السعودية تعارض ذلك بشدة، بل تقوم بجهد دبلوماسي كبير من اجل قطع الطريق على تعميم تجربة حكم الاخوان للبلدان العربية . وتعتقد الرياض بحسب متابعين لمواقفها ، ان سيطرة الاخوان المسلمين على الحكم في سوريا، سيؤدي الى سيطرة إخوان الاردن على الحكم فيه ، ويهدد بالتالي انتقال طفرة الثورات العربية من مرحلة اسقاط الأنظمة الرئاسية العسكرتارية الشمولية العربية الى مرحلة اسقاط عائلات الحكم الملكية . كما تخشى الرياض من ان سقوط الاردن بيد الاخوان سيجعلها محاطة بأنشوطة من الأنظمة الإخوانية، ما يهدد بوصول طفرتهم الى داخل سوريا ودول خليجية ملكية أخرى .

ووفق هذه المصادر فان الرياض بدات تتحرك بكثافة على ثلاثة محاور : الاول قطع الطريق على وصول الاخوان للحكم في سوريا . ثانيا : طرح بديلها للنظام السوري، وقوامه السلفيين وايضا شرائح منشقة من الجيش السوري. وتقول معلومات دبلوماسية انه خلال زيارة وزير الخارجية الاميركية جون كيري الى الرياض  ابلغه محادثوه السعوديون ان تجربة حكم الاخوان تشي بانها فاشلة وفق نسختها المصرية ، وان الرياض تعارض بقوة ان يحكم الاخوان المسلمين سوريا.المحور الثالث العودة الى لبنان ، والهدف من ذلك يندرج ضمن ان السعودية تعتقد انه لا يمكنها ان تججز لها مقعدا في التفاوض على بديل النظام السوري، الا اذا كان لديها أوراق نفوذ مشرقية وداخل المعارضة السورية . وهذه الاهداف هي التي تبرر سعيها الان لان ترث   الدور السوري في لبنان، نظرا  لصلة أحداثه بالوضع السوري ، اضافة الى سعيها لامتلاك  نفوذ بين قوى المعارضة السورية من خارج جسد الاخوان ، سيما وان المعلومات تفيد بان كل من باريس وقطر تدرب نحو ألفي عنصر من الاخوان في الاردن ، فيما تركيا تدعم " دروع الاخوان في شمال سوريا " ( " دروع " هو اصطلاح خاص بالإخوان ويطلقونه على مجموعاتهم المقاتلة ، كمثال " درع أدلب " الذي يضم نحو ألفي مقاتل ، و" درع حلب " ، الخ .. في حين ان السلفيين يطلقون على مجموعاتهم مصطلح " لواء " كلواء أحرار الشام " و " لواء الاسلام " و " لواء ذو النورين " التابع للشيخ عدنان العرعر ، الخ ..).

ويعتبر رئيس الحكومة اللبنانية العتيدة الذي نجحت السعودية باقناع  كافة الأطراف اللبنانية على التوافق على تسميته ، ابن عائلة سياسية عريقة مؤيدة للسعودية . فوالده الزعيم السني المعروف صائب سلام الذي شغل لعدة مرات منصب رئاسة الوزراء خلال الجمهورية اللبنانية الاولى ( استمرت منذ الاستقلا عام ١٩٤٣ لغاية العام ١٩٨٩ حيث اعتمد لبنان دستور مصالحة الطائف)،   كان حليفا كبيرا للسعودية في لبنان. وكان صائب سلام ترك لبنان في مرحلة الوجود السوري فيه، وسيطرتهم على مقاليد ادارة شؤونه . وكان هذا الامر احد التعبيرات عن انسحاب النفوذ السعودي عن لبنان لمصلحة النفوذ السوري . وعلى النحو الرمزي ذاته، فان تسمية تمام سلام رئيساً لتشكيل الحكومة العتيدة ، يعبر عن ان النفوذ السعودي عاد الى لبنان ، ليقوم بدور ادارة أزماته السياسية والخلافية  على نحو يشي بانها ترث الدور الذي كانت فيه سوريا  قبل أزمتها . وتطرح الرياض نفسها الان في لبنان كحكم وليس كطرف في صراعات قواه السياسية والدينية. فهي تقدم أفكارا  وسطية للحل ، وتحاول بناء علاقات ثقة حتى مع أخصام الأمس الذين بينهم حزب الله . و تنشئ مع الطائفة الشيعية في لبنان عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري ( رئيس الحزب الشيعي الاقوى بعد حزب الله في لبنان ) ،  قنوات اتصال لإيجاد صيغ مصالحة سياسية بينهم وبين التيارات السنية ، وعلى راسهم تيار المستقبل بزعامة حليف الرياض الاقوى سعد الحريري .

ورغم ان تجربة تفعيل النفوذ السعودي في لبنان لا تزال في بدايتها الا انها حتى الان نجحت في  فتح كوة في جدار الازمة اللبنانية التي ظلت موصدة لشهور ، والتي أعطت انطباعا انه بغياب الرعاية السورية للوضع في لبنان ، فان الفوضى هي البديل . لكن السعودية عبر مبادرتها السياسية الاخيرة التي انتجت توافق لبناني على تسمية رئيس حكومة وسطي وقريب منها، نجحت في إظهار انها تستطيع احتواء الوضع اللبناني والإسهام في رعاية استقراره بدل سوريا . قديما كان يقول حلفاء الرياض اللبنانيون ، ان لبنان لديه استراتيجيا، جاران سياسيان : جار قريب وهو سوريا وجار بعيد وهو السعودية . يبدو ان تطبيقات هذا المفهوم عاد للبروز اليوم ، إذ انه في مرحلة تعطل  الفعالية الإقليمية للجار القريب ، يقوم الجار البعيد بتعبئة فراغه في لبنان .

More from Nasser Chararah

Recommended Articles