تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حقيقة تراجع النفوذ الإيراني في الساحة الفلسطينية

A Palestinian looks at a billboard thanking Iran in Gaza City on November 27, 2012.        AFP PHOTO / PATRICK BAZ        (Photo credit should read PATRICK BAZ/AFP/Getty Images)

للمرة الأولى في تاريخ دبلوماسيتها الخارجية، تعلن إيران أنها تدعم قوى فلسطينية مسلحة تقاتل ضد إسرائيل، وتتبنى بصورة لا تقبل الشك أنها صاحبة الفضل في امتلاك حركة حماس للصواريخ التي مكنتها من قصف مدينتي تل أبيب والقدس خلال حرب غزة الأخيرة المسماة "عمود السحاب"!

وفي حين دأبت طهران على نفي توصيف المساعدات التي تقدمها للقوى الحليفة معها بأنها "عسكرية تسلحية"، خوفاً من اتهامها دولياً بدعم الإرهاب، لكنها هذه المرة سارعت لترسيخ هذه الصفة، بل إنها اعتبرت ما حصل عقب الحرب السابقة على غزة بأنها "انتصار إيراني" بامتياز!

ما الذي حصل، ولماذا تجرأت إيران على القفز بعيداً في تبنيها لذلك الدعم، وما النتائج المترتبة على ذلك، وهل يعني ذلك رفع مستوى النفوذ الإيراني في الساحة الفلسطينية، بعد أن ظن الكثيرون أنه في طريقه للتراجع؟

• السمعة المتردية

ما من شك أن اعتراف إيران بتزويدها لحركتي حماس والجهاد الإسلامي بصواريخ "فجر5"، رغبت منه  استدراك شعبيتها المتآكلة في صفوف الفلسطينيين، ومحاولة مستميتة لتبييض سمعتها المتردية في أوساط العرب، فضلاً عن كونها تنتظر عبر دعمها لهما الحصول على مقابل، في حالة هجوم إسرائيلي عليها، لتقوم الحركتان بخدمتها عبر مشاغلة "العدو"، وفتح أكثر من جبهة عليه في آن واحد، مما يخفف الضغط العسكري على "الدولة الأم"!

هنا يبدو مهماً الإشارة إلى أن أطرافاً في حماس لا تستعجل إبراز أوجه اختلافها مع إيران، بفعل موقفهما المتناقض من الثورة السورية، على الأقل إلى حين اتضاح طبيعة الدعم الذي سيقدم للحركة من "الحلفاء الجدد"، مصر وتركيا وقطر، خاصة وأن لديها ما تمنحه لها أكثر بكثير مما ستقدمه باقي العواصم، لاسيما في الجانب العسكري والتسليحي، ولئن كان يمكن تسمية ذلك "توزيع أدوار" بين قادة حماس، فبالإمكان توصيفه على أنه "قطيعة مع وقف التنفيذ" مع إيران!

أكثر من ذلك، بالإمكان الحديث تلميحاً، أن موازين القوى داخل حماس، لاسيما بين الساسة والعسكر، تمنح الفريق الأخير تأثيراً واضحاً في إبقاء الخيط الرفيع من العلاقة مع إيران، نظراً للجانب التسليحي والدعم اللوجستي، وهو ما يدفع بعضهم للتندر في بعض المجالس المغلقة للقول: "إذا استعدت الدوحة لتزويدنا بصواريخ "قطر5"، كناية عن صواريخ "فجر5" الإيرانية، حينها يمكن الحديث عن التحلل النهائي من العلاقة مع طهران!

وهنا يبدو الحديث متاحاً لمعرفة خيارات حماس في رفع قدراتها العسكرية، وبنيتها التسليحية، إذا ما قرر الطرفان إدارة الظهر لبعضهما، رغم أن فتح ملف كهذا يعتريه العديد من الغموض والتكهنات، كونه يمتاز بالسرية المطلقة، لاعتبارات لا تحفى على أحد.

ومع ذلك، فإن مراجعة لبيانات حماس خلال الحرب الأخيرة سنجد أنها اجتهدت في عدم ترديد المقولة السائدة بأن صواريخ "فجر5" الإيرانية هي التي قصفت العمق الإسرائيلي، بل إنها لجأت إلى القول أن صواريخ "إم75"، المصنعة محلياً، هي التي نجحت في اختراق أجواء إسرائيل.

وسواء كان ذلك من باب الحقيقة الميدانية العملياتية، وإعلاناً لنجاح جهودها في تصنيع أسلحة مؤذية لإسرائيل، تتجاوز كثيراً صواريخ القسام وقذائف الهاون البدائية، أو لمحاولة إبداء استغنائها الحقيقي عن السلاح الإيراني!

باب آخر تذهب إليه حماس في الحصول على السلاح يتمثل في بحثها عن موارد جديدة من دول دخلت على خط تزودها بالسلاح، لاسيما ليبيا عقب سقوط القذافي، وما ذكرته محافل إسرائيلية من وجود خط نقل جديد للأسلحة يشمل الصومال والسودان واليمن، وصولاً إلى شبه جزيرة سيناء المصرية البقعة الأقرب لقطاع غزة، حيث تسيطر حماس، وكل ذلك للاستغناء عن إيران إذا ما صدر قرار من قيادتها السياسية بالقطيعة معها!

• تصنيع السلاح

فتور العلاقة بين حماس وإيران يمنح كاتب السطور القدرة على التنبؤ بأن مستقبل التحالف بينهما في طريقه لأن يصبح عادياً، كعلاقة الأولى بالدول "الصديقة" وليس "الحليفة"، وربما تذهب الأمور أبعد من ذلك، وهو أمر مرتبط بتطورين اثنين: الأول مآلات الثورة السورية، وكشف المزيد من الدور الإيراني في قمعها، والثاني التقارب الحمساوي العربي، وتحديداً مع دول الخليج، بربطها أي "تقارب" معها بـ"تباعدها" مع إيران، التي لم تفقد الأمل بعد بوصول علاقاتها بحماس مرحلة القطيعة النهائية، فهي باقية عليها، لأنها تعتبر خسارتها لها، لا يعوضه أي مكسب آخر مهما بلغ شأنه!

ولذلك بعض ما يقال في المجالس، وما يسرب من أنباء يؤكد أن إيران ستبقى متمسكة بعلاقتها مع حماس، حتى لو أبدت الأخيرة زهداً فيها، ورغبة بعدم تقويتها، لأن قطع الصلة بينهما سيبقي على صورة إيران المنفرة بأنها دولة "شيعية المذهب فارسية القومية"، وما مناداتها بشعارات المقاومة ودعم فلسطين ليس سوى شماعة تعلق عليها أخطاءها وخطاياها في المنطقة العربية!

لكن هذا لا يعني أن حكومة حماس في غزة بدا عليها بعض أوجه المعاناة حين تأخرت إيران بإرسال المستحقات المالية المعتادة عليها منذ سنوات، وهو ما قد يشجع حماس على البحث عن مصادر بديلة للمال الإيراني في حال وصلت القطيعة ذروتها، سواء كان من خلال طرق أبواب عربية جديدة ثرية غنية في قطر والسعودية، التي تشترط تحويل الأموال إجراء تغييرات في مواقف حماس السياسية، حتى لا تدخل في أزمات دبلوماسية مع واشنطن هي في غنى عنها.

مصدر آخر قد تذهب إليه حماس يتمثل في حصولها على نصيب وافر مما تجمعه المؤسسات الخيرية الإسلامية على مستوى العالم، وهو بالمناسبة لا يكاد يكفي مصروفات الحركة التنظيمية، التي فضلاً عن النفقات الحكومية التي تبلغ أضعافاً مضاعفة من موازنة التنظيم.

خيار ثالث قد تلجأ إليه حماس في بحثها عن بدائل لإيران يتمثل بالقيام بخطة حكومية لتقليص مصاريفها المالية في الحكومة، ففي حين أن بعض الممارسات الإدارية اليومية كالمظاهر المبالغ بها في النفقات اليومية والتشغيلية، وهناك دعوات تنادي بضرورة تطبيق سياسة تقشف داخلية تتعلق بالرواتب المالية لكبار الموظفين، رغم أنها حكومة غير مستقلة الموارد المالية، وتنتظر الأموال تأتيها شهراً بشهر!

ومع ذلك، فإن السياسة الإيرانية ليست بتلك السذاجة التي تجعلها تنهي علاقتها بحركة حماس بصورة نهائية، ما قد يجعلها تقطع صلتها بهذه البقعة الإستراتيجية، كالساحة الفلسطينية، التي تحقق لها طموحات غاية في الأهمية، ما يعني أنها ستوجه جزءً أساسياً من دعمها السياسي والعسكري لمن قد ينافس حماس، وتحديداً الجهاد الإسلامي وغيرها من الفصائل المسلحة، التي قد تخوض الانتخابات القادمة لتقاسم أصوات الناخبين من جهة، وتحرم حماس فرصة الاستحواذ على الجمهور.

بجانب ذلك، فقد قامت إيران خلال الأشهر التي سبقت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وفي ذروة فتور علاقتها مع حماس، بتقديم دعم عسكري غير مسبوق لحركة الجهاد، لدرجة دفعت بجهات استخبارية إسرائيلية للإعلان أن ما تملكه الأخيرة من عتاد تسليحي وإمكانيات عسكرية قد يقترب، وربما يفوق، ما لدى حماس، مما اعتبر في حينه عقاباً من إيران لها من جهة، وتقوية لمنافسها في مقاومة إسرائيل من جهة أخرى!

أكثر من ذلك، فقد شهدت حدود قطاع غزة مع جنوب إسرائيل إطلاقاً للصواريخ أثناء زيارة الرئيس الأمريكي "باراك أوباما"، وهو ما دفع بعدد من الفصائل الفلسطينية للتنصل منها، كما أن الحكومة التي تقودها حماس أعلنت أن هذه الصواريخ لا تأتي في مسار المقاومة، ما يعني رفضها لها لأنها قد تأتي برد إسرائيلي قاس، لا تريده حماس بطبيعة الحال.

وهو ما يجعلنا نختم هذا التحليل بالتساؤل: هل أنها صواريخ سياسية للتنغيص على الهدوء الذي رسخته حماس بعد الحرب الأخيرة، أم أنها صواريخ تحمل البصمات الإيرانية للرد على التهديدات الإسرائيلية، وهو ما جعلها متزامنة مع تهديدات "خامنئي" بتسوية تل أبيب بالأرض، ليس بالضرورة بصواريخ تنطلق من طهران البعيدة عنها!

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles