تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

محررون في غزة يستعيدون تجربة الأسر قسرًا

Prisoners.jpg

استحضر الأسير الفلسطيني المحرر عبد الناصر فروانة تجربة السجن قسرًا، بعد أن رأى أحد السجون التي عاش فيها منذ عشرات السنين في مدينة غزة من جديد، وبقي حتى اليوم بجدرانه وزنازينه الضيقة.

ومرّ الخمسيني فروانة على غرف السجن المعتمة التي ضمت مئات المقاومين للاحتلال الإسرائيلي، وما كان يجري في سجن غزة المركزي، أحد أشهر السجون الإسرائيلية بالقطاع، والذي تركه الاحتلال عام 1993 تنفيذا لاتفاق أوسلو.

واضطر الأسير المحرر إلى المرور من أمام الزنزانة التي شُبح فيها أسابيع طويلة بعد حرب عام 1967، لكنه عاد إلى ذلك السجن هذه المرة ليس كمعتقل، بل ليساعد في إنجاز فكرة معرض ونموذج لمعتقل يحاكي ظروفه وزملاءه بالمكان ذاته بعد سنوات.

واعتقل الاحتلال مئات الفلسطينيين في سجن غزة العسكري سابقًا المعروف باسم "السرايا" ومكانه وسط غزة، وأجرت جمعية واعد للأسرى والمحررين اليوم الخميس فيما تبقى من السجن الذي تعرض للقصف الإسرائيلي في الحربيْن الأخيرتيْن على غزة، استعدادات لإحياء يوم الأسير الفلسطيني الموافق 17 الشهر الجاري.

وجهز عدد من المحررين في مقابل ذلك السجن، خيام تجسد سجن النقب الصحراوي لتوثيق شهادات أسرى محررين لما كان يحدث داخلهما بالصوت والصورة.

وتجول عدد من الأسرى المحررين داخل السجن متذكرين بعضًا من صنوف المعاناة التي عاشوها بداخله، فيما وُضع بعض صور الأسرى في غرف السجن التي ما تزال باقية تشهد على تفاصيل الحياة فيه.

يقول فروانة في حديث لـ"المونيتور": "كان اسمه سجن غزة المركزي وفيه عشرات الزنازين عرفت منها 50 زنزانة، وكل منها تحمل رقماً، وكان مجرد سماع أحدنا رقم الزنزانة يعني لنا الكثير، ففي الزنازين من رقم 1 إلى 26 يكون فيها تعذيبًا شديدًا".

ويضيف: "أما الزنازين من رقم 26 فما فوق، فكانت تسمى زنازين الإعدام، وذقنا فيها الويلات، فالشبح يستمر لثلاث شهور وأكثر، وكانوا يضعون فيها من 10 إلى 12 أسيرًا في زنزانة لا تكفي إلا لشخصين ولا يوجد فيها حمام".

ويتذكر المحرر فروانة تفاصيل الحياة في داخل السجن  بالقول "إدارة السجن كانت تضع للأسرى في هذه الزنازين دلواً لقضاء الحاجة فيه، وبعد وصول الأسير لمرحلة الخطر والإغماء بسبب التعذيب وسوء أوضاع الزنزانة، يتم نقله إلى ما يعرف بالمسلخ".

وتُسمى غرفة "المسلخ" بهذا الاسم لأن كل من يدخله كان يلقى صنوف العذاب والمعاناة في أقبية وغرف التحقيق، وفق فروانة الذي يتابع بالقول "يعلو "المسلخ" الطابق الأول من السجن، وفيه غرف تحقيق يديرها ضباط إسرائيليون كان يتم فيها شبح الأسير وهو عار من ملابسه وتعذيبه جسديًا ونفسيًا".

وكانت أول مرة اعتقل فيها الأسير المحرر توفيق أبو نعيم بسجن غزة عام 1988، وقضى فيه ما مجموعه عاماً ونصف، قبل أن ينتقل إلى سجن آخر.

ويسير أبو نعيم داخل غرف السجن وقد بدا عليه الحزن والغضب، متذكرًا أنّ أول تجربة له بذلك السجن كانت داخل "المسلخ".

ويصف أبو نعيم عن تلك الغرفة في حديث لـ"المونيتور": "غرفة طويلة جدا تمتلئ بالأسرى الذين يتعرضون لصنوف أنواع العذاب ليلاً نهارًا"، لكن ما لم يتوقعه توفيق أن يعود إلى ذات المكان بعد خمسة وعشرين عامًا ليعيش تجربة الأسر من جديد.

وتتشابك تجربة أبو نعيم الشخصية مع تجربة مئات الأسرى الجماعية، حيث يقول إنها ليست بمعزل عن تجارب الآلاف من الأسرى المحررين الذين ربما تعرضوا لتعذيب وسجن أكثر عنفًا وألمًا.

ويعود إنشاء ذلك السجن إلى ثلاثينيات القرن الماضي، تعرض فيه مئات الفلسطينيين من الثوار والمنتمين للفصائل الفلسطينية لشتى أنواع التعذيب قبل مجيء السلطة الفلسطينية، واليوم أصبح يجسد تراثًا يشهد على ذلك؛ واختيرت زنازينه المتبقية مكانًا لإحياء يوم الأسير.“