تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أبو عمرة: عائلة مشردة بعد قرار حكومي

Palestinian women retrieve their belongings after their house was demolished by Hamas security forces in Rafah in the southern Gaza Strip May 18, 2010. Hamas Islamists ruling the Gaza Strip have been demolishing Palestinian homes they say were built without permits, leading to unwelcome comparisons to arch-enemy Israel. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa (GAZA - Tags: POLITICS) - RTR2E1OR

بعد أن كانت الرحلة من المدرسة إلى البيت لا تستغرق أكثر من عشرة دقائق مشيا على الأقدام الآن تستغرق ما يقرب الساعة في الحافلة كي تصل الشقيقتان التوأم رانيا وأمل أبو عمرة لمنزلهما، ولأنه من الصعب التوجه إلى مكان سكنهما البعيد، انتظرتُ حتى انتهاء دوامهما المسائي في المدرسة الثانوية، وصعدت معهما إلى الحافلة.

كانت إحداهما تحمل حقيبة جينز مهترئة، والأخرى رانيا دون حقيبة، تقول رانيا أن العربات الحكومية الثقيلة التي جاءت لهدم منازلهم جمعت كل أغراضهم ووضعتهم في حاوية كبيرة مثل حاوية القمامة، ومن ثم ألقتها في احدى الاراضي الفارغة، هناك تكومت قطع الأثاث مع الملابس وهكذا ضاعت حقيبتها وكتبها المدرسية.

وكانت حكومة غزة التي تقودها حركة حماس، قد قامت في شهر يوليو-2012 بهدم منازل تعود إلى 152 عائلة من عشيرة "أبو عمرة" تمتد على 25 دونما "خمسة وعشرين ألف متر مربع"، بحسب سلطة الأراضي في غزة.

جميع الطلبة نزلوا من الحافلة إلا التوأم أمل ورانيا بقيتا حتى النهاية فمنطقة "المسلخ الجديد" بعيدة حيث تسكنان، تقول أمل وهي تنظر بحزن من النافذة: "معدلنا الدراسي كان يصل إلى التسعين بالمائة ولكن بعد تجريف منزلنا تراجع إلى الثمانينات، أتذكر كل لحظة في ليلة الهدم تلك، أخذوا جميع الرجال في الليل، وفي الصباح الباكر جاءت الجرافات الكبيرة وجرفت المنازل، ومن ضمنهم منزلنا الذي ولدت فيه، أتذكر أنهم قالوا معكم ساعتين لإخلاء كل شيء، لم نستطع ذلك، الثلاجة تلفت ولكننا نجحنا في اخراج الغسالة، كانت هناك امرأة قالوا أنها من المجلس التشريعي تراقب ما يحدث ولا تتدخل لإنقاذ النساء والأطفال الذين يبكون".

وصلت الحافلة للمنزل، مشينا طويلاً في شارع ترابي حتى وصلنا إلى المنزل، ما يشبه المنزل، أرض فارغة كانت حظيرة للبقر في وقت سابق بحسب كلام والدهما، ويحيطها سور وداخلها بضع جدران، لم يكن هناك مكان للجلوس سوى بضع مراتب ممزقة، العائلة كبيرة ويبدو الغبار في كل مكان حتى على الوجوه.

تقول والدتهما سليمة أبو عمرة (40عاما) للمونتور: "لا يوجد ماء ولا كهرباء، ولكننا على الأقل لسنا في الشارع تبرع لنا أحدهم بالبقاء هنا إلى أن نجد مكانا آخر، انا وبعض أبنائي لم نغير ثيابنا منذ عشرين يوما وكذلك لم نستحم".

العائلة المكونة من خمس بنات اثنتين منهما: ختام ومنار في المرحلة الابتدائية تعانيان من شحنات كهربائية عالية في المخ، وهناك ولدين منهما عبد العزيز يعاني من عدم اكتمال نمو الأطراف، الأب الذي ليس لديه مهنة، يحاول أن يمد خرطوم مياه ليوصلها إلى المنزل، والأم وجهها شاحبا فهي تعاني من الكبد الوبائي ومع ذلك يظهر عليها الاعتزاز حين تتحدث عن التوأم ودرجاتهم العالية وتتمنى لو يرجعان إلى مستواهما السابق.

تضيف أبوعمرة أنه بعد تدمير منازل العشيرة التي يتجاوز عدد أفرادها الألف شخص، نامت مع أطفالها في الشارع وتشردوا بكل ما تعنيه الكلمة من وصف، فقد ربطوا غطاء ليكون ما يشبه خيمة فوق ركام منزلهم السابق، وأقاموا هناك حتى شهر فبراير العام 2013 حين جاءت "جرافات" سلطة الأراضي مرة أخرى لتجرف ما تبقى من منازل ومعها خيمتهم.

كان الهواء البارد المسائي يسفع الوجوه في هذه الأرض التي تفوح منها رائحة كريهة، ولا يوجد ما يرتديه الصغار سوى ما توفرت لهم من قطع ملابس فوق بعضها البعض.

توضح الأم أنها تقضي النهار أمام منزل رئيس الوزراء تنتظر خروجه لتستجدي عطفه ثم تتوجه إلى المستشفى حيث تساعد والدتها في غسل الكلى، مؤكدة أنه لولا تبرعات الناس ومنها أجرة الحافلة التي توصل التوأم إلى المدرسة لانتهت حياتهم.

وتقول أنه قبل هدم منزلهم في عام 2012 طوق رجال الأمن منطقة أبو عمرة كلها أمنيا وسجنوا جميع الرجال ومن ضمنهم زوجها، ومن ثم جرفوا المنطقة وكانت نائبة التشريعي هدى نعيم حاضرة، متابعة :" لكن لم يساعدنا أحد وضعوا كل الملابس وما أنقذنا من اثاث في حاويات كبيرة وذهب قريبي معهم كي يلقوا بها في منطقة تابعة لمعارف لنا، وحين ذهبت لأبحث عن أغراضنا والكتب والحقائب لم أستطع سحب شيء من وسط الكوم الكبير".

وأضافت أنهم من العائلات التي رفضت الخيارات التي منحتها لهم الحكومة لأنها كلها بعيدة عن مدارس أبنائها فلا تستطيع نقلهم بعد أن قطعوا شوطا في الدراسة، مضيفة: "كنت تكلمت مع رئيس سلطة الأراضي ابراهيم رضوان عن وضعي الاجتماعي وأن والدتي تحتاجني بالقرب منها لأصحبها إلى غسل الكلى وبالفعل وعدني أن يجد لي بديل قريب منها".

المونوتر قابلت مديرة العلاقات العامة في سلطة الأراضي أمل شمالي والتي وصفت كل ما قيل بالكذب والافتراء موضحة أن عشوائية "أبو عمرة" تمت ازالتها وفقا للقانون رقم 5 للعام 1960، وأن العملية استغرقت منهم مفاوضات طويلة مع آل أبو عمرة بدأت أواخر عام 2009 وكان هناك قرار مسبق في السلطة الأولى عام 2000 بالهدم.

وأضافت أنه بناء على ذلك تم نقلهم إلى عدد من المناطق الفارغة في خانيونس وبيت لاهيا، أما خيار مدينة غزة ليس في الحسبان، مبينة أنه تم توفير سيارات لنقل أفراد العائلة وأخرى لنقل الأثاث، واختاروا المكان الذي يريدون أن يضعوا فيه أثاثهم، لافتى إلى أن عائلة أبو عمرة حين جاءت في عام1948 كعائلة مهاجرة لم تسكن ضمن مخيمات اللاجئين التي تخضع لإدارة وكالة الأونروا في الأمم المتحدة، بل قاموا بالاستيلاء على منطقة نفوذ مدنية مخططة للمرافق العامة.

وقالت أن الحكومة ستعطيهم أراضي مخفضة بنسبة 40% وسيتم خصم منها ثلاثة آلاف دولار بدل هدم منازلهم، أما بناء منازل جديدة فسيكون على حسابهم الشخصي، مؤكدة أنه في مرحلة الهدم الأولى في شهر يوليو تم اعطاء كل عائلة ألف دولار بدل ايجار وهذا كلف الحكومة ما يزيد عن 200 ألف دولار، ومرحلة الهدم الثانية كانت في فبراير الماضي، وفي المرحلتين كان المجلس التشريعي متواجد كجهة رقابية.

زرنا منزل جدة رانيا وأمل والتي لا تزال تقيم في عشوائية أبو عمرة فيما يشبه قفص من النايلون والكرتون أكبر بقليل من حجمها، ويمتد حولها ركام منازل أقاربها كأن زلزالاً أصاب المنطقة.

تقول الجدة مرزوقة أبو عمرة (70عاما) للمونوتر:" نحن على هذه الأرض منذ 1948، أي أننا جئنا مثل بقية اللاجئين وبنينا منازلنا، بعد أن طردتنا إسرائيل كبدو صحراء بئر السبع، ولم نعرف سوى هذه المنطقة وأنجبت أبنائي هنا وأبنائي أنجبوا أحفادي أيضاً".

تتكدس حول الجدة علب الشيبسي والحلويات حيث تبيعها لطلبة المدرسة المجاورة فالمبلغ الذي تحصل عليه يوميا والذي يساوي ثمانية دولارات تساعد فيه ابنها الأول الذي عنده ابن مصاب بالسرطان ولا يعمل، وابنها الثاني والذي لدية رانيا وأمل، ومعاقين.

وأوضحت أنه في حكم ياسر عرفات عرض عليهم مبلغ من المال وأراضي بديلة ولكن بالنسبة لهم كانت غير مناسبة، وأما الآن بعد هدم منازلهم فليس أمامهم خيار سوى ما تعرضه الحكومة الحالية فقد نقلت أفراد العائلة إلى جنوب القطاع وشماله على أن تكون قطع الأرض بسعر منخفض، متسائلة "ولكن كيف سندفع هذه الأقساط ونحن لا نعمل ومجرد ذهابنا هناك يعني أنه علينا الدفع؟".