تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بري ساحر السياسة يثير الآمال والمخاوف معاً

يسمع كل طرف سياسي في لبنان من رئيس البرلمان ما يرضيه ويحضه على التجاوب مع حلول يطرحها لكن الشكوك تظل تراود بعضهم مما قد يحضّر له داهية السياسية نبيه بري.
Lebanon's House Speaker Nabih Berri speaks to journalists after a meeting with France's President Nicolas Sarkozy at the Elysee Palace in Paris October 28, 2010.    REUTERS/Philippe Wojazer  (FRANCE - Tags: POLITICS) - RTXTX78

ثمة رجل واحد في لبنان يمسك بخيوط اللعبة السياسية وجميع الأطراف يخطبون وده . يشغل موقعه، الثاني في الدولة منذ 21 سنة على التوالي . وقبل أيام كتبت صبية لبنانية على "تويتر" أنها أنهت دروسها الجامعية وشهدت في حياتها ستة مونديالات للفوتبول، وانتخاب أربعة رؤساء للجمهورية في بلادها، وثلاثة باباوات في الفاتيكان، ورئيس واحد لمجلس النواب: نبيه بري. في أزمنة البحث عن حلول وتسويات يكبر دور هذا الرجل رئيس حركة "أمل " الشيعية الحليفة لـ"حزب الله".

تجمعت بين يدي بري ساحر السياسة اللبنانية، اقتراحات الحلول للعقد المتشابكة . الموضوع الأول طارئ وملح إلى درجة التسبب باستقالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، هو موضوع إحالة المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي على التقاعد وتمسك ميقاتي بالتمديد له في منصبه ، نظراً إلى خبرته والأوضاع الأمنية الدقيقة التي تمر بها البلاد، فضلاً عن حسابات تتصل بسعي رئيس الحكومة المستقيل إلى كسب رضا طائفته. وذلك في مقابل رفض شامل وقوي من تحالف 8 آذار بقيادة "حزب الله" وبضغط من الجنرال ميشال عون – لتمديد  خدمة من يحالون على التقاعد، وهم بعد ريفي مدير المخابرات وقائد الجيش وسواهم . الحل الذي عملت عليه كتل نيابية بتفاهم ضمني مع بري، هو التقدم بعريضة نيابية تحمل أسماء يتجاوز النصف زائد واحد من أسماء النواب.  وصل عدد موقعي العريضة إلى 69 نائباً من أصل 128 . وعلى هذه القاعدة سيمرر برّي الحل لعقدة كبيرة تعترض تفاهمات أهم بكثير، تتعلق أولاً بتشكيل حكومة جديدة، ثم إقرار قانون جديد للإنتخابات والتفاهم على إجراء الإنتخابات نفسها بعد التمديد لمجلس النواب شهوراً لأسباب تقنية . وفي موازاة ذلك  تشكيل حكومة جديدة . ومن يدري قد تصل سلة التفاهمات إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية في  النصف الأول من السنة 2014.

هذه المشكلات يحلها بسهولة – ولكن نظرياً-  الداهية نبيه بري، السريع البديهة دوما والحاضر النكتة والذي نادراً ما يفقد السيطرة سواء على أعصابه أو قدرته على التعامل مع الأوضاع. فخلال يومين تبين لـ"المونيتور" من اتصالات مع مجموعة من النواب المتباعدين سياسياً والذين التقوه كل على حدة، أن الرجل وعد فريق النائب وليد جنبلاط ( "جبهة النضال الوطني") وفريق الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري (كتلة "تيار المستقبل") بأنه لن يطرح على التصويت اقتراح قانون "اللقاء الأرثوذكسي" للإنتخابات النيابية في غياب مكوّنين أساسيين من مكوّنات المجتمع الطائفي اللبناني هما المسلمون السُنّة والدروز، وهو قانون يقوم على انتخاب أبناء كل مذهب نوابهم في لبنان دائرة واحدة وعلى أساس النسبية . في المقابل أبلغ بري حليفيه "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" الذي يترأسه النائب الجنرال ميشال عون أنه سيطرح اقتراح قانون "الأرثوذكسي" على التصويت في مستهل جلسة اشتراعية سيدعو إليها ويكون موعدها في 4 نيسان/ أبريل المقبل، بعد انتهاء استشارات نيابية مُلزمة يجريها رئيس الجمهورية وتنتهي إلى تكليف الشخصية السُنية التي نالت أكبر عدد من الأصوات بتأليف الحكومة الجديدة .

يقول بري لقوى 8 آذار "انتبهوا، الأكثرية النيابية التي شكلناها في ما مضى قبل سنتين مع ميقاتي وجنبلاط لم تعد أكثرية اليوم . فها هما الرجلان يتقاطعان في مواقفهما مع قوى 14 آذار في قضية التمديد لريفي وسواها . لا نستطيع أن نفرض وحدنا ما نريد وعلينا أخذ هذا المعطى في الإعتبار". وفي المقابل ينسق مع ممثلي قوى في تحالف 14 آذار لإخراج اقتراح مشروع "الأرثوذكسي" من التداول في مجلس النواب بتصويت مختلف عن التوقعات كثيرين لنواب كتلة "القوات اللبنانية" الذين باتوا يحظون بغطاء يتيح لهم الخروج من مرحلة موافقتهم في مقر البطريركية المارونية في بكركي على "الأرثوذكسي". غطاء يوفره لهم موقف رئيس الجمهورية الرافض هذا الإقتراح بشدة ، والذي يمكنه الإستحصال على موقف مشابه من رئئيس الكنيسة المارونية البطريرك الكاردينال بشارة الراعي .  أو على الأقل لزومه الصمت .  سيقول نواب "القوات" في الجلسة وبعدها لتعليل موقفهم الجديد إن مبدأ الحفاظ على التعايش والتوافق مهم جدا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان، وإن "الأرثوذكسي" لم يحظ بقبول طائفتين رئيسيتين . "في هذه المرحلة لا نعمل إلا لمشروع توافقي" يقول لـ"المونيتور" نائب رئيس حزب "القوات" النائب جورج عدوان، ملمحاً إلى أن حزبه سيتقدم باقتراح قانون جديد مختلط يجمع بين النظامين النسبي والأكثري لإجراء الإنتخابات على أمل أن يوافق عليه الأطراف في مجلس النواب.

وكانت المناقشات في شأن القانون الجديد توقفت عند إصرار الرئيس بري على صيغة قدمها قوامها انتخاب نصف أعضاء المجلس (64 نائباً) بالنسبية ونصفهم بالأكثرية، وإصرار "تيار المستقبل" على التوقف في ما يعتبره تنازلاً منه عند 60 في المئة بالأكثرية و40 في المئة بالنسبية، في حين لا يقبل الحزب التقدمي الإشتراكي بأن لا تتجاوز نسبة المنتخبين وفقا للنظام النسبي 30 في المئة.

وثمة في فريق 14 آذار من يخشى قدرة بري الهائلة على المناورة واستكشاف نقاط الضعف عند محاوريه وسيطرته الكاملة على مجرى الجلسات التي يترأسها، ونظرا إلى سوابق أوجعت مناوئيه مراراً، تداعى جميع نواب قوى 14 آذار إلى اجتماع عقدوه في "بيت الوسط" من دون أن يصدر عنه بيان. فقط من أجل توحيد الموقف والرؤية واللغة في التعامل مع الرجل القادر إذا أراد على التلاعب بهذا التحالف من خلال تشجيع البعض المسيحي فيه على السير في مشروع "الأرثوذكسي" أو لفت المسلمين فيه إلى تعاظم تطلعات المسيحيين للعودة إلى ما كانوا عليه في "اتفاق الطائف" الذي أنهى الحرب، بل إلى ما كانوا عليه قبل الحرب بما لا ينسجم لا مع حضورهم الديموغرافي ولا مع وزنهم وتأثيرهم في تقرير السياسة العامة للدولة. أي تجاوب مع عرض من هذا القبيل يقدمه بري لهذا الجانب أو ذاك يعني انفراط عقد 14 آذار.

More from Elie Hajj

Recommended Articles