نبض فلسطين

بعد طرد العشرات... تسريح "صامت" للعمّال الفلسطينيّين من أماكن العمل الإسرائيليّة

p
بقلم
بإختصار
شهدت الأيّام الأخيرة تسريحاً صامتاً لعشرات الفلسطينيّين من أماكن عملهم في المستوطنات الإسرائيليّة بالضفّة الغربيّة وإسرائيل، وذلك بعد تصاعد الأحداث الّتي تشهدها الأراضي الفلسطينية، فيما أصدرت العديد من المؤسسات الإسرائيليّة قرارات بتسريح العمّال الفلسطينيّين، خوفاً من قيام بعضهم بأعمال ضدّ المستوطنين.

رام الله، الضفّة الغربيّة – بدأت الأحداث الّتي تشهدها الأراضي الفلسطينيّة منذ بداية أكتوبر الجاري تلقي بظلالها على كلّ مناحي الحياة، لا سيّما الإقتصاديّة منها، وتحديداً على فئة العمّال الّذين باتوا أوّل من دفع ثمن ما يجري، وذلك بعد أن سرّح العشرات منهم من أماكن عملهم في المستوطنات الإسرائيليّة بالضفّة الغربيّة وإسرائيل، فيما يخشى عشرات آلاف آخرون من أن يلتحقوا بمن سبقهم في التّسريح من العمل.

وجاء تسريح العمّال، عقب قرار مجلس المستوطنات في الضفّة الغربيّة بتاريخ 14 أكتوبر الجاري والقاضي بمنع دخول العمّال الفلسطينيّين للعمل في المستوطنات، وهو القرار الّذي لم يطبّق في شكل كامل على أرض الواقع، إلاّ أنّ العديد من العمّال الفلسطينيّين الّذين تحدّث إليهم "المونيتور" أكّدوا أنّ أرباب العمل في بعض مستوطنات الضفّة وإسرائيل طلبوا منهم مغادرة أماكن عملهم بلا عودة.

وفي هذا المجال، أكّد العامل محمّد سعيد 33 عاماً من سكّان مدينة رام الله في وسط الضفّة الغربيّة، والّذي يعمل في مصنع للألومنيوم بمستوطنة بيت إيل الواقعة شمال شرق رام الله، في حديث لـ"المونيتور" أنّ صاحب المصنع الّذي يعمل فيه قام بطرده من العمل، في الثامن من أكتوبر أي بعد أسبوع واحد من اندلاع الأحداث في المناطق الفلسطينيّة.

وأوضح أنّ طرده وعدد آخر من العمّال في المصنع ذاته جاء بسبب خوف المستوطنين الإسرائيليّين من حدوث عمليّات ينفّذها بعض العمّال الفلسطينيّين، وترافق ذلك مع وضع المستوطنين حراسات مشدّدة على مدخل المستوطنة لمنع دخول العمّال، وهو ما جعله الآن عاطلاً عن العمل.

أمّا العامل معاذ شلودي 30 عاماً من مدينة القدس فأكّد أنّ صاحب مغسلة السيّارات حيث يعمل في مدينة القدس قام بتسريحه عن العمل بعد أن استجاب (معاذ) لدعوة أطلقها فلسطينيّون في القدس بأن يكون الثلثاء في 13 أكتوبر الجاري يوم إضراب، احتجاجاً على ممارسات الإحتلال بحقّ المقدسيين، مشدّداً على أنّ صاحب العمل هدّده بالفصل إذا شارك في الإضراب، وهذا ما حدث.

وأشار إلى أنّ عمله في تلك المغسلة كان محفوفاً بالمخاطر لأنّ غالبيّة من يأتون إلى غسل سيّاراتهم هم من الإسرائيليّين، وقال: "عندما يعلم الإسرائيليّون أنّ من يقوم بغسل سيّارتهم فلسطينيّ ينظرون إليه نظرة دونيّة، ويكون التّعامل معه باستعلاء".

وفي السّياق ذاته، سرّحت الفلسطينيّة وفاء أبو جمعة من حيّ الطور في مدينة القدس من عملها في دار للمسنين، بعد أن اتّهمتها إدارة الدار بالمشاركة في فعاليّات نصرة للمسجد الأقصى قبل وأثناء الانتفاضة، وقالت لـ"المونيتور": "كنت أعمل في مجال الخدمة الإجتماعيّة بدار المسنين منذ 4 سنوات، وكانت تربطني علاقة قويّة وجيّدة مع زملائي والمسنّين هناك، إلاّ أنّ أحد الإسرائيليّين الّذين يعملون معي، قام بالتقاط صورة لي خلسة وأنا أشارك في فعاليّات بالمسجد الأقصى، وتمّ تحويلي للتّحقيق في مركز شرطة إسرائيليّ، وأبلغت بقرار تسريحي عن العمل".

وشدّدت على أنّها سرّحت وأربعة آخرين من زملائها الفلسطينيّين، حيث اتّهم أحدهم بأنّه وضع على صفحته على "فيسبوك" منشوراً تحريضيّاً.

أمّا العامل أسامة شتات، الّذي يسكن في قرية بديا بقضاء نابلس فأكّد أنّ تسريحه من العمل في مستوطنة أرائيل، أكبر مستوطنات الضفّة الغربيّة، جاء بعد اندلاع المواجهات بأيّام قليلة، حيث تفاجأ عند وصوله إلى باب المستوطنة برجال الأمن يبلغونه بسحب تصريحه وإيقافه عن العمل من دون إبداء أيّ أسباب، وقال في حديثه لـ"المونيتور": "في الأيّام الأولى لاندلاع المواجهات في الضفّة الغربيّة والقدس، اختلف تعامل الإسرائيليّين معنا كعمّال بشكل كبير، وكانت نظراتهم لنا مخيفة، لدرجة أنّنا كنّا نخاف الذهاب لشراء الطعام من المتجر في المستوطنة، خوفاً من أن يتعرّضوا لنا".

وأشار إلى أنّه يعلم بتسريح العشرات من العمّال الّذين كانوا يعملون معه في مجال البناء، فيما امتنع اثنان من أبناء عمومته من الذهاب إلى العمل في المستوطنة ذاتها، خوفاً من أن تتعرّض حياتهما للخطر من قبل المستوطنين.

وتؤكّد تلك الروايات ما ذهبت إلى إعلانه القناة العاشرة الإسرائيليّة في 18 أكتوبر الجاري من أنّ أعداداً كبيرة من مقاولي البناء الإسرائيليّين في ورطة حقيقيّة من جراء رفض أصحاب المباني والعمارات الإسرائيلية الّتي هي قيد الإنشاء، وجود فلسطينيّين بين العمّال ما سيكبدهم خسائر كبيرة.

وفيما اتّخذت السلطات المحليّة في إسرائيل قراراً في 18 أكتوبر بحظر دخول العمّال الفلسطينيّين إلى المدارس، فيما ستسمح لعمّال النّظافة الفلسطينيّين بدخولها بعد نهاية الدوام الرسميّ، وبمرافقة مسؤولي تلك المدارس.

وبحسب تقرير صادر عن بنك إسرائيل المركزيّ في بداية مارس الماضي، فإنّ نسبة العمالة الفلسطينيّة من الضفّة الغربيّة في إسرائيل في عام 2014 بلغت 2.2 بالمئة من إجماليّ عدد الموظّفين والعاملين في إسرائيل. كما بلغ عدد العمّال الفلسطينيّين داخل إسرائيل 92 ألف عامل.

من جهته، أوضح الأمين العام لإتّحاد نقابات عمّال فلسطين شاهر سعد لـ"المونيتور" أنّه لم تصله إحصائيّة بأرقام العمّال الفلسطينيّين الّذين تمّ تسريحهم من العمل، مشيراً إلى أنّ الدلائل المتوافرة لديه تبيّن أنّ حالات التّسريح ليست بالكبيرة.

وأشار إلى أنّ العدد الأكبر من العمّال الّذين تمّ تسريحهم هم من القدس وبعض مستوطنات الضفّة الغربيّة كمستوطنة بيت إيل وأرئيل، بسبب سخونة الأحداث في تلك المناطق، مناشداً في الوقت ذاته الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس الانضمام إلى منظّمة العمل الدوليّة لمساعدة العمّال الفلسطينيّين في الحصول على حقوقهم.

واعتبر أستاذ الإقتصاد في جامعة "النجاح الوطنيّة" محمود أبو الربّ أنّ تسريح العمّال الفلسطينيّين من عملهم في المستوطنات أو من داخل إسرائيل سينعكس سلباً على أوضاع العمّال الفلسطينيّين وسيلحقهم بطابور البطالة.

ولم يستبعد في حديث مع "المونيتور" أن يمتدّ التّسريح ليطال عشرات آلاف العمّال الّذين يعملون في إسرائيل والمستوطنات بالضفّة، إذا استمرّت الأحداث مشتعلة في المناطق الفلسطينيّة، لافتاً في الوقت ذاته إلى أنّ المصانع الإسرائيليّة ستتضرّر، ولن تستطيع تحمّل الخسائر الإقتصاديّة الناجمة عن تسريح العمّال.

وطالب محمود أبو الربّ المؤسّسات الحكوميّة وغير الحكوميّة بتحمّل مسؤوليّاتها تجاه من يتمّ تسريحه من العمل ومساعدته في توفير قوت يومه.

وستحمل الأيّام المقبلة بين طيّاتها ما ستؤول إليه أمور العمّال الفلسطينيّين الّذين يعملون في المستوطنات الإسرائيليّة وداخل إسرائيل، رغم القناعة السائدة بأنّ إسرائيل لا يمكنها الاستغناء عن العمالة الفلسطينيّة، وتحديداً الّتي تعمل في مجال البناء.

وجد في : west bank, unemployment, palestinian workers, palestinian-israeli conflict, israeli settlements, israeli security

كاتب وصحفي فلسطيني يعمل في مهنة الصحافة منذ 9 سنوات، عمل في العديد من الوسائل الإعلامية الفلسطينية والأجنبية. حاصل على درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بغزة، شارك في إعداد كتاب عن "حصار غزة" لصالح وكالة الأناضول التركية ونشر بعدة لغات.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X