نبض فلسطين

"حماس" حذرة إزاء الوعود الإسرائيليّة بزيادة تسهيلات غزّة

p
بقلم
بإختصار
كشف مسؤولون أمنيّون إسرائيليّون أنّهم أوصوا الحكومة بمنح تسهيلات لغزّة، بعد عدم دخول "حماس" في الجولة القتاليّة الأخيرة، ممّا سيثبّت أركان التهدئة معها. ومن التسهيلات الإسرائيليّة المتوقّعة لغزّة منافع اقتصاديّة ومدنيّة من دون إظهار "حماس" كأنّها تنسّق مع إسرائيل... السطور الآتية تناقش حقيقة التسهيلات الإسرائيليّة لغزّة وما طبيعتها: ماليّة، اقتصاديّة، مشاريع، وتحسين الكهرباء، وكيف تردّ "حماس" على ذلك؟ وهل نحن أمام سياسة إسرائيليّة جديدة لتحييد "حماس" عن أيّ مواجهة مقبلة؟

انتهت جولة التصعيد العسكريّ الأخيرة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين بين 12 و14 تشرين الثاني/نوفمبر، وأسفرت عن استشهاد 34 فلسطينيّاً وإصابة 111 آخرين، وإصابة 65 إسرائيليّاً، عقب اغتيال إسرائيل القائد العسكريّ في "الجهاد الإسلاميّ" بهاء أبو العطا في قصف استهدف منزله بغزّة في 12 تشرين الثاني/نوفمبر.

تركّز التصعيد هذه المرّة في مواجهة حصريّة بين "الجهاد الإسلاميّ" وإسرائيل، من دون مشاركة واضحة لـ"حماس"، التي أعلن نائب رئيس مكتبها السياسيّ صالح العاروري لفضائيّة "الأقصى" في 19 تشرين الثاني/نوفمبر، أنّ خللاً حصل في عدم التنسيق المباشر بين الحركتين لترتيب الردّ على الاغتيال، لكنّ "حماس" تقدّم العون العسكريّ المباشر إلى كلّ الفصائل المسلّحة.

وفور وقف إطلاق النار وعدم دخول "حماس" المواجهة الأخيرة، كشفت صحيفة "هآرتس"، في 14 تشرين الثاني/نوفمبر، أنّ الجيش الإسرائيليّ وجهاز الأمن العام- الشاباك أوصيا الحكومة بمنح تسهيلات اقتصاديّة لغزّة، وأنّ وزير الدفاع الإسرائيليّ نفتالي بينيت يدعم ذلك بشكل إيجابيّ، من دون تصوير "حماس" كأنّها تنسّق مع إسرائيل أمام الرأي العام الفلسطينيّ لعدم إحراجها.

وسمحت إسرائيل، في 16 تشرين الثاني/نوفمبر، بدخول عشرات شاحنات الوقود إلى غزّة ووسّعت مساحة الصيد فيها، من 6 إلى 12 ميلا بحريا، وأعادت العمل إلى معابرها الحدوديّة بعد إغلاقها يوم 12 نوفمبر فور اندلاع التصعيد في غزة.

وقال المتحدّث باسم "حماس" حازم قاسم لـ"المونيتور": "إنّ التصعيد بدأته إسرائيل باغتيال أبو العطا، وحماس حمّلتها المسؤوليّة، والفصائل مارست حقّها في الدفاع عن شعبها. حماس في قلب الصراع ضدّ الاحتلال ومكوّن أساس في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، ولا يمكن عزلها. رفع الحصار عن غزّة مطلب فلسطينيّ، والاحتلال مسؤول عن استمراره، لأنّه يعمّق الأزمة الإنسانيّة في القطاع، ويوفّر البيئة الخصبة لاستمرار التوتّر".

مسئول في حماس، أخفى هويته، أبلغ "المونيتور" أن "التسهيلات القادمة لغزة الواردة بصحيفة هآرتس هي استحقاق متفق عليه في التفاهمات الإنسانية التي توصلت إليها المقاومة والاحتلال بوساطة مصر وقطر والأمم المتحدة منذ أكتوبر 2018، وليس مرتبطة بالعدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وموقف حماس منه، نحن نترقب تحول هذه الوعود الإسرائيلية بالتخفيف عن غزة إلى واقع على الأرض".

وأكّد مدير معهد أبحاث الأمن القوميّ في جامعة تلّ أبيب الجنرال الإسرائيليّ السابق أودي ديكل في ورقة بحثيّة بـ17 تشرين الثاني/نوفمبر، أنّ "حماس" حسّاسة تجاه مزاج الجمهور الفلسطينيّ المتعب، وإنّ سبباً مركزيّاً لامتناعها عن الانخراط في المواجهة الأخيرة اعتقادها أنّه سيشكّل مخاطرة بوقف المشاريع الاقتصاديّة في القطاع كالكهرباء والمياه، وأيضاً وقف زيادة كميّة التجارة عبر المعابر، وخروج رجال الأعمال والعمّال من القطاع إلى إسرائيل.

وقال رئيس تحرير "شبكة الهدهد للشؤون الإسرائيليّة" وهي شبكة إخبارية على مواقع التواصل الاجتماعي، تعمل من قطاع غزة، وتضم عددا من الخبراء الفلسطينيين في الشئون الإسرائيلية، سعيد بشارات لـ"المونيتور": "إنّ إسرائيل ربّما تلجأ إلى منح حماس في غزة جزرة، إلى حين مواءمة الظروف لاستخدام العصا معها، فبقاء قوّة حماس وتعاظمها العسكريّ يقلّلان احتمال تقديم تسهيلات إسرائيلية كبيرة تجاه غزّة، وحماس قد لا تقبل بالاعتماد على وعود إسرائيليّة غير جادّة، خشية أن تقع تحت دائرة الترويض البطيء للقبول بالواقع القائم في غزّة. إسرائيل تعلم أنّ حماس قد تتّخذ قراراً حاسماً قريباً لإنهاء الحصار كليّاً عن غزّة، وأنّ تحييدها عن المواجهة الأخيرة هو استثناء، وليس قاعدة".

يمكن اعتبار التسهيلات الإسرائيليّة تجاه غزّة إغراء "حماس" للاستمرار في سياستها بضبط النفس وعدم الانخراط في أيّ تصعيد عسكريّ مقبل، لكنّ ذلك قد لا يتحقّق لسببين: الأوّل، استمرار التهديدات المتبادلة بينهما واقتناع "حماس" بأنّ إسرائيل تتجهّز للانقضاض عليها، والثاني ما تعيشه إسرائيل من أزمة سياسيّة مستفحلة نظراً لعدم تشكيل حكومة جديدة والتحضير لانتخابات ثالثة في شباط/فبراير من عام 2020، ممّا سيجعل الحكومة القائمة عاجزة عن تنفيذ تسهيلات جوهريّة تجاه غزّة.

وقال رئيس تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" في قطاع غزّة محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "إنّ التسهيلات الإسرائيليّة هي إجراءات مجتزأة ولا تحقّق الرفع الكامل للحصار، أو إحداث اختراق حقيقيّ للواقع الصعب في غزّة. ومن التسهيلات المتوقّعة الواردة في صحيفة هآرتس، زيادة أعداد العمّال الفلسطينيّين من غزّة في إسرائيل إلى 5 آلاف عامل، وهو العدد القائم حاليا، وتطوير المستشفى الأميركيّ شمال القطاع الذي تشترك في تمويله الولايات المتحدة لتحسين الخدمات الصحيّة، والدعم الإسرائيلي لجهود قطر لمعالجة أزمة الكهرباء، وبناء محطّة تحلية المياه جنوب القطاع، ومشاريع أخرى".

لقد وصلت إلى قطاع غزّة، في 19 تشرين الثاني/نوفمبر، دفعة من معدّات المستشفى الميدانيّ الأميركيّ المشار إليه أعلاه، الذي سمحت إسرائيل بإنشائه منذ أيّار/مايو بوساطة مصريّة وأمميّة، وتمويل قطريّ وأمريكي، من ضمن بنود التفاهمات الإنسانية بين حماس وإسرائيل بوساطة مصر وقطر والأمم المتحدة في أكتوبر 2018، تشمل حاويتين تحملان معدّات وتجهيزات خاصّة به. كما وصل إلى غزّة، في 18 تشرين الثاني/نوفمبر، وفد أميركيّ لساعات عدّة لتفقّد المستشفى والإشراف على دخول بقيّة المعدّات.

وفي 17 تشرين الثاني/نوفمبر، التقى السفير القطري في الأراضي الفلسطينية ورئيس اللجنة القطريّة لإعادة إعمار غزّة في الدوحة السفير محمّد العمادي، مع وليد صايل وهو المدير التنفيذيّ لشركة "اتّحاد المقاولين العالميّة C.C.C"، مالكة مشروع محطّة توليد الكهرباء في غزّة، وبحثا في تنفيذ مشروع خطّ الغاز الإسرائيليّ لكهرباء غزّة.

وتمنّى محمّد العمادي استمرار هدوء غزّة لتستطيع قطر والمؤسّسات الدوليّة والأمم المتّحدة حلّ المشاكل الإنسانيّة في القطاع.

وقال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأمّة بغزّة حسام الدجني لـ"المونيتور": "هناك احتمالين وراء عدم مشاركة حماس المباشرة في جولة القتال الأخيرة، أوّلها إدراكها أنّه سيتسبّب بعدوان إسرائيليّ شرس على غزّة يستمرّ أسابيع، ممّا سيخلّف ضحايا بشريّة وخسائر اقتصاديّة هائلة تضع عبئاً إضافيّاً على حماس، ثانيها تباين في وجهات النظر بين حماس والجهاد الإسلاميّ حول سبل الردّ على اغتيال أبو العطا".

تراقب "حماس" غضب الفلسطينيّين في غزّة بسبب ضيق الظروف المعيشيّة وعدم وجود بوادر لانفراجة اقتصاديّة جادّة، الأمر الذي يجعلها تتجنّب خوض مواجهة عسكريّة واسعة مع إسرائيل، خشية زيادة سوء الظروف السيّئة أصلاً في غزّة.

هذا يعني أنّ "حماس" قد تبادر في مرّة مقبلة إلى خوض مواجهة مع إسرائيل إن شعرت بأنّها تماطل في تنفيذ وعودها، وأنّ تسهيلاتها المعلنة ليست سوى حقن مسكّنة ليس أكثر، من دون رفع جذريّ للحصار القائم.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept