نبض فلسطين

شبكة الأمان والقروض والتقشّف والضرائب... خيارات فلسطينيّة لتجاوز الأزمة الماليّة

p
بقلم
بإختصار
شهدت الأيّام الأخيرة سلسلة تحرّكات فلسطينيّة متلاحقة لتفعيل شبكة الأمان الماليّة العربيّة المقدّرة بـ100 مليون دولار، حيث التقى الرئيس الفلسطينيّ ووزيرا الماليّة والخارجيّة بعدد من المسؤولين العرب، بعد الإعلان عن خطّة للاقتراض من البنوك وزيادة الإيرادات وترشيد الإنفاق للتعامل مع العجز الماليّ... السطور الآتية تناقش هذه التحرّكات المتواصلة ومدى نجاحها في توفير شبكة الأمان الماليّة وإمكانيّة الاقتراض من البنوك المحليّة، وهل تكفي لتعويض النقص في موازنتها الماليّة عقب خصم أموال الضرائب من إسرائيل؟

تواجه السلطة الفلسطينيّة أزمة ماليّة غير مسبوقة، بعد وقف الدعم الأميركيّ لها واقتطاع إسرائيل من أموال الضرائب المرسلة إليها، بزعم أنّها تقدّم مستحقّات ماليّة إلى عائلات منفّذي الهجمات المسلّحة، الأمر الذي جعلها تبذل جهوداً حثيثة للحصول على دعم ماليّ عربيّ لتعويض العجز في الموازنة.

وشهدت الأيّام الأخيرة تحرّكات فلسطينيّة لتوفير المساعدات الخارجيّة. ففي القاهرة، التقى وزير الخارجيّة رياض المالكي بـ13 آذار/مارس بالأمين العام للجامعة العربيّة أحمد أبو الغيط، وبحثا في تفعيل شبكة الأمان الماليّة التي أقرّتها الجامعة العربيّة للسلطة الفلسطينيّة في عام 2012 بقيمة 100 مليون دولار شهريّاً.

واجتمع وزير الماليّة في حكومة تسيير الأعمال شكري بشارة في عمّان بـ6 آذار/مارس مع محافظ البنك المركزيّ الأردنيّ زياد فريز، في حضور محافظ سلطة النقد الفلسطينيّة عزّام الشوا، لرفع سقف الاقتراض من البنوك، لأن فريز من موقعه محافظا للبنك المركزي الأردني يعتبر مشرفا على نصف الجهاز المصرفي الفلسطيني، حيث يعمل في الأراضي الفلسطينيّة 7 مصارف أردنيّة.

والتقى الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس بـ5 آذار/مارس في عمّان برئيس البنك الإسلاميّ للتنمية بندر بن حمزة حجّار، وأطلعه على الأوضاع الاقتصاديّة الفلسطينيّة الصعبة.

وقال مسؤول فلسطينيّ قريب من محمود عبّاس، أخفى هويّته، لـ"المونيتور": "إنّنا نجتهد للحصول على شبكة الأمان العربية، لكنّها منوطة بعلاقاتنا مع الدول العربيّة. السلطة الفلسطينية لا تفضل خيار الاقتراض سواء من البنوك الفلسطينية أو الدول العربية، خشية تراكم هذه الديون الخارجية".

وبلغ حجم الدين الخارجي على السلطة الفلسطينية حتى نهاية 2018، حوالي 1,535 مليون دولار أمريكي وفقا لبيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد الفلسطينية الصادرة يوم 19 مارس 2019

تحصل هذه التطوّرات، فيما صرفت السلطة بـ10 آذار/مارس رواتب موظّفيها العموميّين البالغ عددهم 157 ألف موظّف مدنيّ وعسكريّ، بعد تأخّر أكثر من أسبوع - وصرفت 50 في المئة من قيمة رواتبهم بما لا يقلّ عن 550 دولاراً ولا يزيد عن 2755 دولاراً للدرجات الوظيفيّة العليا - ووقف التعيينات والترقيات والعلاوات وخفض بنود السفر للمسئولين الرسميين.

وقال شكري بشارة في 10 آذار/مارس خلال مؤتمر صحفي بمقر وزارة الإعلام بمدينة رام الله: "إنّ الحكومة بحاجة إلى الاقتراض من البنوك المحليّة بقيمة 50–60 مليون دولار شهريّاً خلال الأشهر الـ6 المقبلة، للإيفاء بالتزاماتها تجاه موظّفيها، وسيتمّ التواصل مع البنوك الإسلاميّة والصناديق العربيّة والصين والجامعة العربيّة لتفعيل شبكة الأمان الماليّة".

وكان لافتا أن يذكر الوزير بشارة، دولة الصين، دون سواها من الدول غير العربية، لتفعيل شبكة الأمان المالية العربية، مع أن آخر دعم مالي قدمته الصين إلى السلطة الفلسطينية في يوليو 2018 بقيمة 15 مليون دولار.

من جهته، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة "النّجاح" الوطنيّة بنابلس نائل دويكات لـ"المونيتور": "إنّ دعم السلطة ليس أولويّة عربيّة، فهناك دول أكثر حاجة من الفلسطينيّين كسوريا واليمن. لكن حصول السلطة الفلسطينية على القرض العربيّ وارد لأنّه سيتمّ تسديده، وليس منحة مالية غير مستردة، وتوافر قرض محليّ من البنوك الفلسطينية متاح، لأنّ البنوك تضمن عودة الأموال من رواتب موظّفي الحكومة الفلسطينية الذين يتقاضونها عبر هذه البنوك، وبالتالي فهي تستطيع استرداد قيمة قرضها بسهولة من خلال هذه الرواتب".

وقال رياض المالكي في 14 آذار/مارس في تصريحات لإذاعة صوت فلسطين الرسمية، خلال زيارته للقاهرة عقب لقائه أمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط: "سعينا باتجاه توفير شبكة أمان ماليّة عربيّة تصل إلى 100 مليون دولار شهريّاً، ولا نتوقّع في أفضل الحالات أن يتمّ الوفاء بهذا المبلغ بشكل كامل، قد يكون مبلغاً جزئيّاً، الأمر الذي يجعلنا بحاجة إلى الاقتراض من البنوك".

يعمل في الأراضي الفلسطينيّة 15 مصرفاً فلسطينيّاً ووافداً: 7 مصارف محليّة، 7 أردنيّة، ومصرف مصريّ واحد.

وقال وزير العمل والتخطيط الفلسطينيّ السابق في رام الله سمير عبد الله لـ"المونيتور": "إنّ الدول العربيّة بمعظمها لم تلتزم بشبكة الأمان، ولديها أزمات ماليّة، ولا تفاؤل فلسطينيّاً للالتزام بها. قد يكون لجوء السلطة إلى القطاع الخاص الحلّ الوحيد لدفعه الضرائب المستحقّة عليه مسبقاً بدل آخر العام، ومن دون تقسيط".

بلغ إجماليّ المنح الخارجيّة الموجّهة إلى الموازنة الفلسطينيّة لعام 2018 قرابة 2.160 مليار شيكل، أيّ قرابة 570 مليون دولار. وفيما توقّفت المساعدات الأميركيّة للسلطة، تراجعت المساعدات الأوروبيّة بنسبة 24 في المئة بواقع 612 مليون شيكل أيّ قرابة 170 مليون دولار، وفقاً لبيانات وزارة الماليّة الفلسطينيّة الصادرة في 27 كانون الثاني/يناير.

شكّل عبّاس أوائل فبراير طاقماً قياديّاً برئاسته مشكلا من كبار مسئولي السلطة الفلسطينية، دون إشراك الفصائل الفلسطينية، للبحث في تطوّرات الأزمة الماليّة ويعقد اجتماعات دوريّة، ويضمّ الطاقم القيادي: نائب الرئيس عباس، محمود العالول، أمين سرّ اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة صائب عريقات، رئيس جهاز المخابرات العامّة ماجد فرج، وزير الشؤون المدنيّة حسين الشيخ، ورياض المالكي.

وقال رئيس اللجنة الاقتصاديّة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ عاطف عدوان لـ"المونيتور": "إنّ السلطة قد تحصل على بعض ما تسعى إليه من شبكة الأمان، وليس كلّها، فبقاء السلطة مصلحة عربيّة وإسرائيليّة وأميركيّة. إنّ طلب القروض وارد، لكنّ مردودها سلبيّ على الفلسطينيّين، لأنّ السلطة سترفع الضرائب والجباية لتعويض النقص في الموازنة".

إن بقاء السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تعتبر مصلحة أمريكية وإسرائيلية، لأن انهيارها يعني إمكانية تسلم حماس للأوضاع في الضفة الغربية، أو انتشار الفوضى الأمنية، وهو ما سينعكس سلبا على الأمن الإسرائيلي.

ورأت السلطة أنّها من أجل مواجهة أزمتها الماليّة، فأمامها 4 خيارات أساسيّة: الاقتراض من البنوك ونجاح الديبلوماسيّة الفلسطينيّة بحشد المزيد من الدعم العربيّ والدوليّ، والتقشف وإعادة ترتيب أولويّات الإنفاق بإلغاء بعض النفقات وتوسيع القاعدة الضريبيّة، ورفع كفاءة الجباية، والحدّ من التهرّب الضريبيّ.

وقال رئيس تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" في غزّة محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "إنّ جهود السلطة تتمحور مع الدول الخليجيّة، صاحبة الثقل السياسيّ والماليّ، وأتوقّع نجاحها في تجنيد الدعم منها لمواجهة أزماتها الماليّة، من دون حاجة إلى الحصول على قرض عربيّ. اقتراض السلطة الفلسطينية من البنوك الفلسطينية متاح، ولكن لا يمكن التعويل على هذه القروض في استقرار الواقع الماليّ".

يمكن الإشارة إلى سلسلة زيارات قام بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لدول الخليج العربي، لتحصيل الدعم المالي، فقد زار العراق يوم 3 مارس، وزار السعودية يوم 14 فبراير، وزار سلطنة عمان يوم 21 نوفمبر 2018، وزار الكويت في 13 نوفمبر 2018، وزار قطر يوم 8 أغسطس 2018.

ليس هناك من بوادر قريبة لحلّ الأزمة الماليّة التي تعانيها السلطة الفلسطينيّة، وهي تحاول أن تشتري وقتاً من خلال إدارة هذه الأزمة الخطيرة، بانتظار نتائج الانتخابات الإسرائيليّة، فهي تأمل هزيمة اليمين الإسرائيليّ، على أمل إعادة أموال المقاصّة من دون خصوم، الأمر الذي يعني ضخّ الحياة في موازنتها الماليّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : us aid, palestinian territories, aid, salaries, palestinian authority, budget deficit, financial crisis

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept