نبض سوريا

مهجّرو الغوطة جلبوا معهم عاداتهم وتقاليدهم إلى عفرين

p
بقلم
بإختصار
وقفة احتجاجيّة في عفرين للمهجّرين من أبناء الغوطة الشرقيّة طالبوا فيها بفصل الطلّاب الإناث عن الذكور في المدارس، والسماح لهم بافتتاح مدارسهم الخاصّة التي لا تسمح بالاختلاط بين الطلّاب.

ريف حلب الشماليّ، سوريا – يسكن في منطقة عفرين في ريف حلب الشماليّ الغربيّ عشرات الآلاف من النازحين والمهجّرين من مختلف المناطق السوريّة، لكنّ مهجّري الغوطة الشرقيّة هم الأكثر عدداً من بين الآلاف الآتين من مناطق سوريّة أخرى، ويتميّز هؤلاء بعادات وتقاليد خاصّة جلبوها معهم إلى عفرين، وتشمل أنواع المأكولات، والزيّ الذي يلبسه النساء والرجال، والعلاقات الاجتماعيّة ذات الطابع الإسلاميّ، وغيرها من العادات والتقاليد المختلفة عن عادات السكّان الأصليّين في عفرين، وهم من الأكراد السوريّين. بلغ عدد المهجرين من منطقة الغوطة الشرقية في ريف دمشق والذين وصلوا إلى مناطق سيطرة الجيش الحر في الشمال السوري 67.728 شخصاً بحسب إحصاءات منسقو الاستجابة شمال سوريا.

شكّلت العادات والتقاليد الخاصّة بمهجّري الغوطة حاجزاً بينهم وبين السكّان الأكراد في عفرين، و تسبّبت بالحرج لبعض العائلات في كثير من الأحيان، وجرت صدامات ثقافيّة بين الطرفين. فالسكّان الأكراد في عفرين أقلّ التزاماً بتعاليم الدين الإسلاميّ من حيث شكل اللباس والعلاقات الاجتماعيّة، والاختلاط بين النساء والرجال، وعلى سبيل المثال تلبس الشابّات الجينز وبإمكانهنّ الخروج من دون حجاب (غطاء رأس) ، بينما تلبس شابّات الغوطة اللباس الإسلاميّ، أي يلبسن عباءة سوداء عادة ويضعن الحجاب على شعرهنّ، ويغطّين كامل وجههنّ ويبقين فقط مكاناً مكشوفاً أمام العينين للرؤية، ولا يختلطن عادة بالرجال، ويفصل الرجال عن النساء في العمل أو المدرسة.

بدى الاختلاف واضحاً عندما قامت عائلات مهجّري الغوطة بمنع أطفالها من الذهاب إلى المدارس في عفرين، احتجاجاً على قرار مديريّة التربية في المدينة في 10 تشرين الثاني/نوفمبر، والذي فرض إغلاق المدارس الخاصّة، و بأن تصبح كلّ المدارس العامّة في المدينة مختلطة بين الإناث والذكور.

بحسب مصدر خاص من مديرية التربية رفض الكشف عن اسمه أكد ل" المونيتور " بأن قرار التربية في عفرين جاء متوافقاً مع شكل التعليم في عفرين قبل سيطرة الجيش الحر عليها، أي أن المدارس كانت مختلطة أثناء سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية على المدينة وحاولت مديرية التربية أن لا تغير من نمط التعليم احتراماً لسكان المدينة من الأكراد، وهناك أسباب أخرى من بينها تقليل المصاريف وعدد المعلمين وبالتالي الرواتب والمصاريف التشغيلية.

ونظّم العشرات من أهالي الطلّاب ومعلّمي الغوطة الشرقيّة في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 وقفة احتجاجيّة أمام إحدى مدارس عفرين، احتجاجاً على قرار مديريّة التربية في المدينة دمج الطلّاب الذكور والإناث في المدارس العامّة، ورفع المحتجّون لوحات كتبوا عليها "من حقّ أبنائنا أن يتعلّموا في بيئة تربويّة نقيّة"، ولافتة أخرى كتب عليها "لا نريد التعليم فقط بل نريد التربية أيضاً"، ومن بين اللافتات التي رفعها المحتجّون لافتة كتبت عليها الفقرة الثالثة من المادّة 26 من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان والتي تقول "للآباء، على سبيل الأولويّة، حقّ اختيار نوع التعليم الذي يعطى لأبنائهم".

التقى "المونيتور" عامر الشامي، وهو معلّم لغة عربية مهجّر من الغوطة الشرقيّة ويعمل في مدرسة في عفرين، حيث قال: " مع بداية العام الدراسيّ 2018/2019 الذي بدأ في عفرين في 1 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018، افتتح قسمان من المدارس في عفرين، القسم الأوّل من المدارس كان غير مختلط، أي تمّ الفصل بين الإناث والذكور في المدرسة، وهي مدارس يرتادها فقط الطلاب من أبناء العائلات المهجرة من الغوطة الشرقية، وتدفع العائلات رسوماً رمزية للمدرسة، لا يتجاوز القسط الشهري 5 آلاف ليرة سورية عن كل طالب، أي ما يعادل 10 دولارات، والقسم الثاني من المدارس كان عامّاً، وهي مختلطة وكان يرتادها الطلّاب من أبناء عفرين الأكراد وبعض المهجّرين من مناطق سوريّة أخرى ليست لديهم مشكلة بوجود الطلّاب من الإناث والذكور في المدرسة".

المدارس الخاصة تم افتتاحها في عفرين بعد أن أتى مهجري الغوطة الشرقية إلى عفرين، وهناك ثلاثة مدارس خاصة في عفرين لطلاب الغوطة الشرقية.

وأضاف الشامي: "وفي 10 تشرين الثاني/نوفمبر، أصدرت مديريّة التربية في عفرين قراراً يقضي بإغلاق المدارس الخاصّة التي يرتادها الطلّاب من أبناء الغوطة، بحجّة أنّ القائمين عليها لا يمتلكون تراخيص رسميّة، وجعلت مديريّة التربية كلّ المدارس في عفرين مختلطة للإناث والذكور، ويكون الاختلاط من الصفّ الأوّل ابتدائيّ وحتّى الصفّ التاسع إعداديّ، وأهالي الطلّاب من مهجّري الغوطة منعوا أطفالهم الذكور والإناث من الذهاب إلى المدرسة بسبب قرار مديريّة التربية، وبعد 5 أيّام، قام عدد من آباء الطلّاب وناشطون من أبناء الغوطة الشرقيّة بتنظيم وقفة، احتجاجاً على قرار الدمج".

يجب أن يحصلوا على التصاريح من مديرية التربية التابعة للمجلس المحلي لمدينة عفرين، وبطبيعة الحال فإن منطقة عفرين بشكل عام تشرف على دعمها الحكومة التركية مثلها مثل منطقة درع الفرات في ريف حلب، وتدعم الحكومة التركية المدارس العامة والمجلس المحلي ومختلف القطاعات الخدمية من خلال تقديم رواتب الموظفين وغيرها من المصاريف المالية، وقرار التربية في عفرين بشأن إغلاق المدارس الخاصة واختلاط المدارس حتماً هو بعلم المسؤولين الأتراك المتواجدين في عفرين.

التقى "المونيتور" عمران الدوماني، وهو ناشط إعلاميّ من مهجّري الغوطة يقيم في عفرين، حيث قال: "اجتمع وفد من ناشطي الغوطة الشرقيّة ووجهائها الموجودين في عفرين مع مسؤولين في المجلس المحلّيّ لمدينة عفرين، ومع ممثّل والي هاتاي التركيّة في عفرين، في 16 تشرين الثاني/نوفمبر، وحصل وفد مهجّري الغوطة على وعود بتفهّم هذه المطالب التي رفعها المحتجّون في وقفتهم الاحتجاجيّة، وقد اتّخذ قرار استئناف الدوام في المدارس من قبل أهالي طلّاب مهجّري الغوطة ولكنّ المشكلة لم تحلّ في شكل نهائيّ بعد، وهناك وعد بترتيب اجتماع قريب بين لجان أحياء من الغوطة ومندوب الوالي التركيّ في عفرين للتوصّل إلى حلّ مناسب".

وأضاف الدوماني: "المحتجّون طالبوا فقط بإعطائهم الحرّيّة لإدارة مدارسهم الخاصّة، من دون تدخّل مديريّة التربية في عفرين، ولم يطالبوا بمنع الاختلاط في كلّ مدارس عفرين، المهجّرون يحترمون عادات أهالي عفرين من الأكراد وتقاليدهم، وهذه حرّيّتهم. يقولون لنا: لماذا أنتم في عفرين إذا لا تناسبكم عادات سكّانها وتقاليدهم؟ ويقول المهجّرون من أبناء الغوطة الشرقيّة إنّها الخيار الأفضل للسكن من بين مدن ريف حلب وبلداته التي يسيطر عليها الجيش السوريّ الحرّ، من حيث أسعار إيجارات البيوت، ففي عفرين لا يكلّف إيجار المنزل شهريّاً أكثر من 20 ألف ليرة سوريّة، أي ما يعادل 40 دولاراً أميركيّاً، بينما تكلفة الإيجار في أعزاز أو الباب مثلاً تزيد عن 100 ألف ليرة سوريّة للمنزل الواحد، أي ما يعادل 200 دولار أميركيّ، وهو مبلغ لا تستطيع عائلات المهجّرين دفعه".

لا يخفي سكّان عفرين من الأكراد السوريّين سخطهم من الوضع الجديد في المدينة بعدما أصبحت ملاذاً لآلاف السوريّين الآتين من مختلف المناطق السوريّة، وفي الوقت نفسه، يحاول الجيش السوريّ الحرّ حماية عادات أهالي عفرين الخاصّة وتقاليدهم، وأن يجنّبها أيّ صدامات ثقافيّة ممكن أن تحصل بين السكّان .

التقى "المونيتور" الناشط الإعلاميّ شيروا علو، وهو من أبناء مدينة عفرين، حيث قال: "على مهجّري الغوطة الشرقيّة المقيمين في عفرين احترام عادات أهالي عفرين وتقاليدهم، وأن يكونوا متسامحين ومنفتحين على الآخر، أظنّ أنّهم خرجوا في احتجاج سلميّ وفي مشروع يطالبون فيه بشكل خاصّ من التعليم يناسب عاداتهم وتقاليدهم، لا يمكنهم فرض ذلك على كلّ أهالي عفرين، ولكن لا يمنع أن تكون لهم مدارس خاصّة تراعى فيها تقاليدهم، وعاداتهم المتماشية مع تعاليم الدين الإسلاميّ. بالتأكيد أهالي عفرين ليسوا ضدّ حرّيّة الآخرين الذين يعيشون معهم في المكان نفسه".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

 خالد الخطيب صحفي سوري ومعيد سابق لدى قسم الجغرافية في جامعة حلب.

x
keyboard_arrow_up

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept