كيف يمكن النهوض بالسلام عبر تغيير اسم الضفة الغربيّة

يتعيّن على الصراع بين اليونانيّين والمقدونيّين في يوغوسلافيا السابقة أن يلفت انتباه الإسرائيليين والفلسطينيين إلى أنّ التسميات ليست العامل الذي يرسم الحدود بين الدول أو يضع حدًا للضرورة التاريخيّة.

al-monitor .

يون 17, 2018

استخدمت وزارة الخارجية [الأمريكيّة] عبارة "الضفة الغربية" بدلاً من "الأراضي المحتلة" في تقريرها السنوي حول حقوق الإنسان الصادر في شهر نيسان\أبريل وذلك للمرة الأولى. فغرّد بعدها وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، قائلاً "لقد بدأت تُكشَف الكذبة القائلة بأنّ هذه الأراضي هي أراض محتلّة". وبدأ الفرح يعمّ في صفوف اليمين الإسرائيلي. وفي حين كانوا ليفضّلوا أن يبادر الأمريكيّون بالإشارة إلى الأراضي الواقعة على الضفة الغربيّة لنهر الأردن على أنها "يهودا والسامرة" كما وردت في الكتاب المقدّس، وصفوا ذلك بالخطوة في الاتجاه الصحيح. وفي هذه الأثناء، طرأ حدث في أوروبا ليذكّر بأن المسائل التي تتعلّق بالتسميات تعجز عن وضع حدّ للضرورة التاريخية وذلك على الرغم من الأزمات الدبلوماسية الشاقّة والطويلة الأمد التي تتسبّب بها.

فقد تحظى مقدونيا أخيرًا باسم رسميّ لها وهو "جمهورية مقدونيا الشماليّة" وذلك بعد مرور 27 عامًا على إعلان استقلالها. كانت اليونان قد حالت دون انضمام البلد إلى المنظمات الدولية الأساسيّة كحلف شمالي الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي طيلة تلك الفترة، ويعود السبب إلى رفض أثينا أن تستخدم [مقدونيا] اسمها الأصلي، أي مقدونيا، على الرغم من أن هذا هو الاسم الذي تشتهر به. وقد ادّعى اليونانيون أن الاسم مأخوذ أصلًا ويشير إلى شريط من الأراضي في القسم الشمالي من [اليونان].

باءت المفاوضات حول اسم البلد الجديد بفشل متكرّر. حتّى أن اليونان قد شهدت مظاهرات تعارض استخدام اسم مقدونيا للإشارة إلى الدولة التي أقيمت في العام 1991 بعد تفكك يوغوسلافيا. وعندما بدا أن الدولتين قد توافقتا أخيرًا، بات واضحًا جدًا عندها أنه كان بإمكانهما بلوغ ذلك قبل 25 عامًا.

لقد كنت متواجدًا في أثينا قبل 25 عامًا، وذلك بعد أن زار نائب وزير خارجية اليونان إسرائيل. وقد جمعني حديث أخير مع رؤساء المكتب الأوروبي في وزارة الشؤون الخارجية قبل مجيئي إلى اليونان. وبعد مرور أيام قليلة على ذلك، وافقت اليونان على انضمام مقدونيا إلى الأمم المتحدة باستخدام اسم مؤقت — وهو جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة — والذي كان يُتصوّر أنه سيتم استخدامه لمدة ثلاثة أشهر فقط على أن يتمّ العثور على حل أفضل.

قدّم موظّفو مكتب الوزارة لي النصح حول عدد من النقاط التي قد تُثار في المحادثات مع المسؤولين اليونانيين. وحذّروني من عدم استخدام مصطلح "مقدونيا". وقالوا لي أن أشير إلى البلد المعني باستخدام التسمية المختصرة بالأحرف الأولى لـ"جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة" بالإنجليزية أي (FYROM). وقد بقيت أذكّر نفسي طوال الرحلة الجوّية بضرورة استخدام التسمية المختصرة (FYROM)، آملًا عدم اقتراف أيّ زلّة. غير أنّ الحظّ لم يكن حليفًا لي.

لقد اتّسم اجتماعي الأول برئيس الوزراء قسطنطين ميتسوتاكيس بالودّ والجديّة. وتطرّقنا إلى كافة المسائل المدرجة على جدول أعمالنا، ثمّ طرأ موضوع الدولة الجديدة واستخدمت مصطلح "مقدونيا". تبدّل عندها مزاج الرئيس، وبدا الغضب ظاهرًا على وجهه. وقبل أن أقدّم اعتذاري الصادق، طلب منّي بلهجة حادة عدم إطلاق اسم "مقدونيا" على "جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة".

ومن هناك، توجّهت مباشرة إلى مقر إقامة زعيم المعارضة أندرياس باباندريو، وهو نجل لرئيس وزراء سابق ووالد لآخر. قال لي وقتها، وكان مسنًّا وعليلًا، إنه سيتبوّء منصب رئيس الوزراء في أشهر قليلة، وهو ما حصل فعلًا. ظننت أنه باستطاعتي إثارة موضوع اسم مقدونيا معه من صديق إلى آخر وذلك لأنني كنت قد تعرّفت عليه جيدًا في خلال المؤتمرات السنوية للأمميّة الاشتراكية. لكنّه لم يبتسم حتّى عندما أخبرته عن زلة لساني مع ميتسوتاكيس. 

شرح لي باباندريو عندها أن تقديم التنازلات للمقدونيين الوقحين أمر مستحيل وأن اليونان لن توافق على اعتمادهم اسمًا عن غير حق. وعندما طلبت منه شرح طبيعة المشكلة بالضبط، أجاب أن إطلاق اسم "مقدونيا" على البلد مطالبةٌ انتقاميّة بشمال اليونان، بما في ذلك مدينة سلانيك البالغة الأهمية. وأضاف باباندريو إنه يرفض، كرئيس للوزراء، إعطاء اسم "مقدونيا" لـ"جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة" حتى وإن تسبب ذلك بأزمة دوليّة.

لقد لفتني أنّ "جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة" من بين أصغر البلدان الأوروبية وأفقرها، باستثناء ألبانيا التي تُعدّ الأكثر فقرًا. ولم يكن جيشها يشكّل تهديدًا على اليونان، كما ولم يكن ليشكّل تهديدًا في المستقبل المنظور. وبالتالي، حتى لو كان معلومًا بين الناس أن الاسم يدلّ أيضًا على مساحة من الأراضي اليونانية، فإن الأمر لن ينتهي بالدولة الجديدة التي تبغي أن تحمل اسم مقدونيا باحتلال الجزء الشمالي من بلده.

شحب وجه باباندريو، وكان ذلك محزنًا. والتفت إليّ وإلى زوجته الشابة الجالسة بقربه قائلًا، "إنّ يوسي محقّ. لا تشكّل جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة أيّ خطر على اليونان. لكنّها إذا باتت تحمل اسم مقدونيا، سيأتي يوم بعد مرور 50 أو ربما مئة أو حتى 150 عامًا يصبح فيه جيشها أقوى مما هو عليه اليوم. وعندها ستتوجّه إلى العالم قائلة ’إنه لم يتم إطلاق اسم مقدونيا علينا عن عبث. لقد اعترف الجميع بالاسم وكنتم على يقين أنّ مقدونيا لا تدلّ على بلد صغير شمال اليونان فحسب، وإنما أيضًا على أراض كاملة، ومن ضمنها نصف [أراضي] اليونان! سنقاتل من أجل أرضنا!’"

لم أخبر باباندريو أنّ إسرائيل كانت تخوض مفاوضات حثيثة مع منظمة التحرير الفلسطينية في أوسلو في حينها، أو أن الحذر من السقوط في الأفخاخ اللفظيّة كان سيّد الموقف في خلال المحادثات بين الجانبين، أي الفلسطينيين والإسرائيليين. غير أنني أخبرته أنه عندما تبوّأ مناحيم بيجن منصب رئيس الوزراء في العام 1977، أشار إلى منظمة التحرير الفلسطينية (PLO) على أنها منظمة القتلة الفلسطينيين (PMO). فهو كان يظنّ أنّ الإشارة إلى المنظّمة باستخدام اسمها الفعلي ينطوي على اعتراف من قبله بوجود فلسطين وحاجتها إلى التحرّر.

بالإضافة إلى ذلك، لقد أطلعته على استعداد بيجن للقبول بأن تنصّ النسخة الإنجليزية لاتفاقية كامب ديفيد عام 1978 على اعتراف إسرائيل بالحقوق الشرعية "للفلسطينيين" طالما تشير النسخة العبرية من الاتفاقية إليهم على أنّهم "السكان العرب في أرض إسرائيل". وكان الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قد أجابه أن بإمكانه كتابة ما يشاء باللغة العبرية وذلك لأنّ النص الإنجليزي هو النصّ الأصلي للاتفاقية.

كما أخبرت باباندريو بأننا أشرنا إلى شرم الشيخ باسم "أوفيرا" للتشديد على هويتها العبرية، وبأننا أعادنا "أوفيرا" ومدينة "يميت" في الجانب الشمالي لشبه جزيرة سيناء إلى مصر، إضافة إلى جميع المستوطنات اليهودية التي أقيمت على شبه الجزيرة الفاتنة. كما علّقتُ على الانقسام الإسرائيلي بين أولئك الذين يشيرون إلى الضفة الغربية لنهر الأردن على أنّها الضّفة الغربيّة، وهؤلاء (اليمينيّين) الذين يدلّون على المنطقة على أنّها "يهودا والسامرة" للتشديد على أنها جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل كما يدّعي اليهود وأنه لا يمكن للأمّة أن تتنازل عن جذورها. ومع ذلك، ليست التسميات هي من يرسم الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبليّة.

وعندها، كشف باباندرو عن ابتسامة أولى ووحيدة في خلال حديثنا الغريب. فهو كان قد سمع يومًا عن مسألة يهودا والسامرة، وبات يحمل اقتراحًا. قال، "لربّما تقدّمون أنتم هذا التنازل". "سيوافق الفلسطينيون على تسمية الضفة الغربية يهودا والسامرة، وتقومون أنتم بنقل الأراضي لهم، بالإضافة إلى قطاع غزة، فيقيمون دولتهم هناك".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض اسرائيل

al-monitor
القيادة السعودية تقدّم فرصة لإسرائيل
أوري سافير | القضية الفلسطينية | أبر 15, 2018
al-monitor
رسّامو الكاريكاتور الإسرائيليّون يصوّرون 70 عاماً من التاريخ
Debra Kamin | فنون و ترفيه | مار 27, 2018
al-monitor
القصّة وراء الضربة الإسرائيليّة السريّة على مفاعل سوريا النووي
بن كسبيت | الطاقة النووية | مار 21, 2018
al-monitor
الطّريق نحو شرق أوسط خالٍ من النووي
عقيفة ايلدار | | مار 15, 2018