نبض تركية

روسيا ترى منفعة في دفع تركيا إلى دخول منبج في سوريا

p
بقلم
بإختصار
اتّفق زعماء إيران وروسيا وتركيا على العمل معاً في سوريا، على الرغم من أهدافهم الاستراتيجيّة المتضاربة، مستبعدين الولايات المتّحدة أكثر فأكثر من عمليّة صنع القرار.

ربّما تقوم روسيا بشكل غير مباشر بتشجيع تركيا على التقدّم باتّجاه مدينة منبج في شمال شرق سوريا، مستبعدة في الوقت عينه واشنطن من الساحة السوريّة أكثر فأكثر بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب عن خططه الهادفة إلى سحب القوّات الأميركيّة من سوريا، بحسب ما ألمحت مصادر مطّلعة على الوضع عقب قمّة حول سوريا أقيمت الأسبوع الماضي في تركيا.

وكانت الأنظار كلّها موجّهة نحو الاجتماع الثلاثيّ حول سوريا الذي شارك فيه زعماء روسيا وإيران وتركيا في 4 نيسان/أبريل في أنقرة لمناقشة كيفيّة إنهاء الحرب في سوريا.

لقد حافظ الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، والرئيس الإيرانيّ حسن روحاني والرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان على وجهات نظر متقاربة على نحو غير متوقّع في السنة ونصف السنة الماضية على الرغم من أهدافهم المتضاربة في سوريا.

فتركيا تريد كبح جماح إيران والحدّ من نفوذها في سوريا، ولطالما أردات الإطاحة بالرئيس السوريّ بشار الأسد. أمّا روسيا فتريد توطيد علاقاتها مع تركيا، لكنّها بحاجة أيضاً إلى بقاء النظام السوريّ الحاليّ من أجل الحفاظ على قواعدها العسكريّة، والهيمنة على شرق البحر الأبيض المتوسّط والسيطرة على المجال الجويّ السوريّ. وتحتاج إيران بدورها إلى بقاء الأسد من أجل الحفاظ على خطوط الإمداد مع حزب الله في لبنان وإنشاء ممرّ آمن إلى لبنان عبر العراق وسوريا، وتريد بالتالي إبقاء تركيا بعيدة عن هذين البلدين.

ومع ذلك، اتّفق الثلاثيّ في اجتماعه الأسبوع الماضي على معارضة واشنطن.

تسير العلاقات الروسيّة التركيّة بشكل جيّد منذ سنتين. فقد اجتمع أردوغان وبوتين رسميّاً ثماني مرّات وأجريا 29 مكالمة هاتفيّة سنة 2017، بحسب وسائل الإعلام التركيّة الموالية للحكومة. ويدلّ ذلك على الطبيعة الشخصيّة لهذه العلاقة ويبيّن أنّ التقارب بين أنقرة وموسكو هو عمليّة من الأعلى إلى الأسفل.

لكن يبقى أن نرى ما إذا بإمكانهما ترجمة علاقاتهما الاستراتيجيّة الناشئة إلى تعاون طويل الأمد في سوريا بما أنّ مستقبل الأسد والأكراد غامض. ومن غير المعروف أيضاً كيف ستتطوّر الأمور بين الولايات المتّحدة وتركيا.

ما كانت إذاً حصيلة قمّة أنقرة؟

وفقاً للمحاضر في جامعة موسكو الحكوميّة، كريم هاس، كانت النتيجة الأكثر وضوحاً للقمّة تشديد جميع الأطراف على سيادة سوريا، واستقلالها وسلامة أراضيها. فمن الواضح أنّ أيّاً من المفاوضين أو القوّات على الأرض لن يقبل بإنشاء رقعة ذات سيادة في سوريا خاضعة لسيطرة أنقرة.

وقال هاس للمونيتور إنّ "هذا التشديد لفت الانتباه في المؤتمر الصحافيّ المشترك وفي البيان المشترك الصادر عنهم. لقد جدّدت تركيا إذاً التزاماتها في سوريا. وأعتقد أنّ موسكو وطهران أرادتا كلتاهما أن تعيد تركيا تأكيد التزاماتها بعد عمليّتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون" [الهجومين العسكريّين التركيّين في سوريا]".

شكّل الوضع في إدلب السوريّة موضوعاً مهمّاً أيضاً في القمّة. فإدلب هي من بؤر التمرّد الرئيسيّة الأخيرة، وقد هزّها انفجار فتّاك يوم 9 نيسان/أبريل الجاري. وأشارت التقارير الأوليّة إلى أنّ الانفجار الذي لم يحدَّد مصدره أدّى إلى وفاة 11 شخصاً على الأقلّ وإصابة ما بين 80 و110 أشخاص.

تتمتّع إدلب بقيمة استراتيجيّة كبيرة بالنسبة إلى روسيا التي تودّ إنهاء ما يحصل هناك لكي تعلن أنّها "أنجزت المهمّة" المرجوّة من عمليّاتها العسكريّة.

وفي القمّة، ناقش الزعماء التزام أنقرة بإنشاء 12 مركز مراقبة من أجل الإشراف على وقف إطلاق النار، بما في ذلك مركز في إدلب. وتقوم روسيا منذ فترة بحثّ تركيا على تسريع عملها، وقد أعلنت أنقرة الأسبوع الماضي أنّها انتهت من إعداد محطّة لخفض التصعيد في إدلب.

لماذا تصرّ روسيا على إنشاء مراكز لخفض التصعيد في تلك المنطقة؟ مع أنّ روسيا لم تعبّر عن ذلك بشكل مباشر، لا شكّ في أنّها تريد مراقبة الميليشيات الشيعيّة الموالية لإيران التي تحاول التوسّع من جنوب حلب باتّجاه إدلب وبالتالي ملء فراغ السلطة الذي برز في أجزاء من المنطقة بعد تراجع نفوذ المجموعات الجهاديّة السلفيّة المتشدّدة.

في الوقت عينه، تودّ تركيا "تحرير" منبج من وحدات حماية الشعب التي تعتبرها أنقرة مجموعة كرديّة إرهابيّة. ومع أنّ موسكو لا تودّ بالضرورة رؤية مزيد من التصعيد في تلك المنطقة، تقول المصادر إنّ روسيا تدفع ربّما الجيش التركيّ إلى دخول منبج من أجل تعطيل علاقات أنقرة مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي، علماً أنّ الولايات المتّحدة لديها وحدات للعمليّات الخاصّة في منبج، ويبرز بالتالي خطر حصول مواجهة مباشرة. وقد حذّرت الولايات المتّحدة تركيا مراراً وتكراراً من عدم التقدّم باتّجاه منبج.

أمّا بالنسبة إلى القمّة، فقد أشار هاس إلى أنّ الأولويّة بالنسبة إلى موسكو تتمثّل بتحقيق تسوية سياسيّة في سوريا من خلال محادثات السلام في أستانة وسوتشي – تتمّ المصادقة عليها لاحقاً في جنيف. وقال إنّ "دور المعارضة السنيّة السوريّة ومصير المقاتلين الذين ما زالوا عازمين على محاربة النظام حتّى النهاية ليسا مسألتين تستطيع موسكو التعامل معهما بمفردها من خلال إشراك أنقرة وطهران ببساطة". بتعبير آخر، سيتطلّب السلام تعاوناً بين جميع الأطراف السوريّة.

ولم تعمل القمّة نفسها على تبديد الغموض بشأن ما إذا كانت عمليّتا أستانة وسوتشي ستفضيان إلى تسوية تشمل المجموعات الكرديّة السوريّة المتحالفة بشكل وثيق مع واشنطن. لم يأتِ إعلان أنقرة المشترك الذي نُشر بعد القمّة على ذكر الأكراد السوريّين، ما يدلّ على أنّ أنقرة لم تتمكنّ من إقناع موسكو وطهران بتبنّي وجهة نظر تركيا حول هذه المسألة. أمّا بوتين فقد أعلن بوضوح تامّ قبل يوم من المؤتمر أنّه يعتقد أنّ للأكراد المعتدلين مكاناً على طاولة المفاوضات.

ووفقاً لتقرير صدر عن وكالة "تاس" الإخباريّة الروسيّة، قال بوتين: "نحن على قناعة بأنّ الأكراد هم جزء من الشعب السوريّ المتعدّد الإثنيّات ولديهم الحقّ في المشاركة في كلّ العمليّات السياسيّة وإيجاد مكانهم في سوريا المستقبليّة". وأضاف: "وبطبيعة الحال، نحن على قناعة بأنّ هذا النوع من العمليّات ينبغي أن يستمرّ مع أقصى درجة من التنسيق بين جميع الجهات المعنيّة".

وأكّدت القمّة أنّ عمليّة "غصن الزيتون" التركيّة بلغت حدودها الجنوبيّة بما أنّ وحدات حماية الشعب لم تعد تشكّل خطراً من تلك الجهة.

وخلافاً لتصريح أردوغان الأخير بأنّ الجيش التركيّ سيسيطر على مدينة تل رفعت، قال الرئيس التركيّ عقب انتهاء القمّة إنّ تركيا ستعمل مع روسيا وإيران، في إشارة إلى أنّ موسكو وطهران لم تعطيا الجيش التركيّ وحليفه الجيش السوريّ الحرّ الضوء الأخضر للتوسّع جنوبي عفرين.

وفي تركيا، التي دخلت عمليّة انتخابيّة حاسمة، من الضروري أن يعزّز أردوغان قواعده المحافظة والقوميّة ويتابع العمليّات العسكريّة في شمال سوريا من أجل الاستهلاك السياسيّ الداخليّ، ما سيسمح له بكسب أصوات من أحزاب المعارضة. وبعد قمّة أنقرة، ليس أمام أردوغان خيار آخر سوى توسيع نطاق عمليّة "غصن الزيتون" شرقي منبج ثمّ شرقي نهر الفرات.

أعتقد أنّ موسكو شجّعت أنقرة بشكل غير مباشر على التقدّم باتّجاه منبج من خلال التأثير على عمليّة صنع القرار الاستراتيجيّة في تركيا.

ومن المرجّح أن يكون شمال سوريا المنطقة الأكثر سخونة في البلاد هذا الصيف عندما ستنظر القوّات التركيّة والجيش السوريّ الحرّ نحو الشرق باتّجاه منبج – حيث تنتشر القوّات الأميركيّة والفرنسيّة حالياً – لا نحو الجنوب باتّجاه تل رفعت الخاضعة حالياً لسيطرة قوّات الأسد ولمراقبة شديدة من روسيا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : operation olive branch, recep tayyip erdogan, operation euphrates shield, hassan rouhani, vladimir putin, manbij, sochi, us troops
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept