نبض الخليج

هل يمكن أن تكون الإمارات العربيّة المتّحدة جسراً بين الولايات المتّحدة والسودان؟

p
بقلم
بإختصار
أقنعت الإمارات العربيّة المتّحدة الولايات المتّحدة الأميركيّة برفع العقوبات على السودان نظراً إلى جهود السودان الهادفة إلى التصدّي للنفود الإيرانيّ المتوسّع والمتنامي في المنطقة.

كان السودان من الدول التي شملها "حظر المسلمين" الذي وقّعه الرئيس دونالد ترامب في 27 كانون الثاني/يناير. لكنّ إدارة ترامب شطبت الشهر الماضي اسم السودان عن اللائحة، وفي 6 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت وزارة الخارجيّة رفع مجموعة من العقوبات كانت واشنطن قد فرضتها على الخرطوم منذ التسعينيّات. ونشر موقع "ذي إنترسبت" الإلكترونيّ في 25 أيلول/سبتمبر أنّ الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجيّ – خصوصاً الإمارات العربيّة المتّحدة – تسعى إلى إقناع واشنطن بأنّ الوقت مؤاتٍ من أجل تقارب أميركيّ سودانيّ على الرغم من ضعف العلاقات بين البلدين على مرّ التاريخ.

وسعت أبو ظبي وعواصم أخرى في مجلس التعاون الخليجيّ إلى إقناع الولايات المتّحدة بأنّ السودان يستحقّ أن يُشمل في لائحة واشنطن للحلفاء/الشركاء العرب السنّة الملتزمين بالمسؤوليّات التي دعا ترامب القادة في العالم العربيّ/الإسلاميّ إلى تحمّلها في الرياض في أيار/مايو. واستندت الحجّة بشكل كبير إلى أنّ السودان ساهم مؤخّراً في الجهود التي تبذلها الولايات المتّحدة ودول مجلس التعاون الخليجيّ من أجل التصدّي للنفوذ الإيرانيّ المتوسّع والمتنامي في المنطقة.

وفيما بدأ السودان وإيران بالتقارب سياسيّاً قبل سنوات عدّة، ابتعدت الخرطوم عن طهران ودخلت في فلك مجلس التعاون الخليجيّ منذ 2015-2014. وفي أيلول/سبتمبر 2014، أغلقت السلطات السودانيّة المؤسّسات الثقافيّة الإيرانيّة في البلد. ومنذ آذار/مارس 2015، أرسلت الخرطوم آلاف القوّات السودانيّة إلى صفوف التحالف العسكريّ الخليجيّ العربيّ في اليمن، وفي كانون الثاني/ديسمبر من السنة نفسها، انضمّ السودان إلى التحالف الإسلاميّ العسكريّ لمحاربة الإرهاب الذي تقوده المملكة العربيّة السعوديّة. وفي مطلع العام 2016، قطع السودان علاقاته الدبلوماسيّة مع طهران، ردّاً، كما قال رسميّاً، على المواجهة السعوديّة الإيرانيّة التي تلت إعدام الشيخ نمر النمر.

وممّا لا شكّ فيه أنّ التحدّيات الاقتصاديّة والتهديدات التي طالت نظام الرئيس عمر البشير دفعت السودان إلى اتّخاذ القرار بالتقرّب من مجلس التعاون الخليجيّ. فبعد أن خسرت الخرطوم الجزء الأكبر من نفطها وثلث أراضيها نتيجة استقلال جنوب السودان سنة 2011 وسط نزاعات مستمرّة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ارتأت أنّه من الأنسب استراتيجيّاً اللجوء إلى الدول الغنيّة بالنفط في شبه الجزيرة العربيّة من أجل الدعم الماليّ. ووفقاً لمتحدّث في الإمارات العربيّة المتّحدة، قارن المسؤولون في الخرطوم ببساطة المنافع الاقتصاديّة المحتملة الناجمة عن استمرار العلاقات مع إيران بتلك الناجمة عن التقرّب أكثر من مجلس التعاون الخليجيّ. واستنتجوا أنّ المساعدة الماليّة التي يمكن أن تقدّمها الدول العربيّة في الخليج الفارسيّ تستحقّ التخلّي عن طهران. ومنذ أن قامت الخرطوم بهذه الخطوة، قدّمت الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجيّ مساعدات إلى السودان بمليارات الدولارات.

وبدأت العلاقات الأميركيّة السودانيّة بالتحسّن في خلال الأشهر الأخيرة من عهد إدارة الرئيس باراك أوباما. ومع أنّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة ما زالت تصنّف السودان دولة راعية للإرهاب، إلا أنّ واشنطن خفّفت بعض العقوبات في كانون الثاني/يناير وأشارت تقارير متعدّدة صادرة عن وزارة الخارجيّة إلى أنّ السودان امتثل للمعايير التي وضعتها الولايات المتّحدة في ما يخصّ التصدّي للمنظّمات الإرهابيّة العالميّة كتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلاميّة. وأشار دبلوماسيّون أميركيّون أيضاً إلى أنّ الخرطوم توقّفت عن رعاية مجموعات فلسطينيّة مسلّحة مثل "حماس".

وبسبب إدراج البيت الأبيض السودان في لائحة الدول التي يشملها "حظر المسلمين"، انخفض احتمال حصول تحسّن ملحوظ في العلاقات بين واشنطن والخرطوم في بداية عهد ترامب الرئاسيّ. لكن يبدو أنّ الإدارة الأميركيّة، التي أقرّت بتحسّن الخرطوم في مجال حقوق الإنسان، تكافئ الخرطوم على دعمها واشنطن وحلفاءها العرب السنّة في سعيهم إلى منع إيران من المضيّ قدماً في إعادة هيكلة المجتمعات العربيّة من خلال جهات من غير الدول تعارض الوضع الراهن في المنطقة.

ففي النهاية، تسير الولايات المتّحدة والسودان في الخطّ نفسه في الحرب الأهليّة اليمنيّة، وتضطلع واشنطن والخرطوم بأدوار رئيسيّة في تعزيز حملة التحالف العسكريّ الذي تقوده السعوديّة ضدّ المتمرّدين الحوثيّين المدعومين من إيران. وقد ظهرت الطبيعة المتناقضة للعلاقات الأميركيّة السودانيّة سنة 2015 عندما حضر وزير الخارجيّة الأميركيّة آنذاك جون كيري مؤتمراً حول الاستثمار في مصر في الشهر نفسه الذي أطلقت فيه المملكة العربيّة السعوديّة عمليّة بدعم من واشنطن والخرطوم وغادر القاعة طوال فترة كلمة البشير أمام الحضور. وبالتالي، لم تكن مفاجأة في أيار/مايو عندما دفعت "أسباب خاصّة" غير محدّدة البشير إلى التغيّب عن اجتماع القادة العرب/المسلمين في الرياض من أجل الاستماع إلى كلمة ترامب. ولا شكّ في انّ اجتماعاً بين وزير الخارجيّة ريكس تيلرسون والبشير من شأنه أن يشكّل نقطة تحوّل.

وعلى ضوء كلام ترامب عن أنّ المصالح الوطنيّة الأميركيّة، لا القيم، هي على رأس أولويّات الإدارة في ما يتعلّق بصنع القرارات المرتبطة بالسياسة الخارجيّة، ليس من المستحيل أن يسعى ترامب إلى تحسين العلاقات الأميركيّة السودانيّة. طبعاً، نظراً إلى وضع البشير في المحكمة الجنائيّة الدوليّة، التي اتّهمته بارتكاب جرائم حرب، سيواجه أيّ تقارب بين واشنطن والخرطوم انتقادات كثيرة ستستند إلى تاريخ النظام السودانيّ في مجال حقوق الإنسان كتبرير لعدم مكافأة البشير أكثر ممّا كافأه أوباما وترامب.

وبالنسبة إلى الإمارات العربيّة المتّحدة، التي هي حليفة مقرّبة لكلّ من الولايات المتّحدة والسودان، إنّ جمع هذين البلدين لتخطّي المشاكل التي شابت علاقتهما الثنائيّة منذ عهد الرئيس بيل كلينتون يشكّل مكسباً كبيراً على الصعيد الدوليّ بالنسبة إلى أبو ظبي وعواصم أخرى في مجلس التعاون الخليجيّ. فالسودان يُعتبر مهمّاً بالنسبة إلى غالبيّة الدول العربيّة لأسباب متعدّدة تتراوح من الأمن الغذائيّ إلى الأزمة اليمنيّة ومن جهود مكافحة الإرهاب إلى التجارة والاستثمار.

وبينما تعتزم الإمارات العربيّة المتّحدة تعزيز نفوذها في القارّة الإفريقيّة، لدى السودان – البلد الذي يلتقي فيه العالمان العربيّ والإفريقيّ – دور مهمّ ليضطلع به في أجندة السياسة الخارجيّة الخاصّة بأبو ظبي، على الرغم من اختلاف مواقف البلدين بشأن الأزمتين الليبيّة والقطريّة وعلاقة الخرطوم الوديّة مع الحزب الإسلاميّ الحاكم في تركيا. ولا شكّ في أنّ تحسّناً تدريجيّاً (وربّما تطبيعاً) في العلاقات بين واشنطن والخرطوم من شأنه أن يعود بالنفع على السودان أيضاً، ولا سيّما نظراً إلى مشاكله الاقتصاديّة الحاليّة. ومن شأن هكذا تطوّر أيضاً أن يساعد الإمارات العربيّة المتّحدة على إقناع الخرطوم أكثر بأنّ تقرّبها من أبو ظبي والرياض وابتعادها عن طهران حقّقا للسودان ومواطنيه مكاسب كبيرة.

وبينما يثير نفوذ إيران المتنامي في أجزاء من الشرق الأوسط قلق القيادة الإماراتيّة إلى حدّ كبير، تدلّ مبادرات إدارة ترامب تجاه السودان على أنّ هذا البلد الإفريقيّ هو إحدى المناطق في العالم العربيّ التي تلعب فيها الإمارات العربيّة المتّحدة أوراقها بشكل فعّال للتصدّي للتوسّع الإيرانيّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept