نبض إيران

التقارب السعودي-الإيراني يبقى سراباً

p
بقلم
بإختصار
على الرغم من الكلام عن تقارب وشيك بين السعودية وإيران، تؤشّر الوقائع على الأرض إلى أن المصالحة لا تلوح بعد في الأفق.

ربما وصلت محاولات التوسط بين إيران والسعودية إلى حائط مسدود، كما قال مصدر ديبلوماسي عربي لموقع "المونيتور" طالباً عدم الكشف عن هويته. أضاف المصدر أن شَقّ مسار جديد لا يبدو أمراً ممكناً نظراً إلى "النهج المتغطرس الذي تعتمده طهران في المنطقة وإصرارها على تهديد جيرانها، والتدخل في شؤونهم الداخلية، ومساهمتها في زعزعة الاستقرار في المنطقة". يبدو أن ذلك يضع حداً للتكهّنات بأن فصلاً جديداً قد ينطلق قريباً بين الدولتَين الجارتَين في الخليج الفارسي بعدما شهدت العلاقات بينهما تدهوراً شديداً في الأعوام الماضية، لا سيما بعد إقدام الرياض على إعدام إمام شيعي سعودي في الثاني من كانون الثاني/يناير 2016، واقتحام المتظاهرين الإيرانيين الغاضبين مقرّ البعثة الديبلوماسية السعودية في كل من طهران ومشهد بدافع الانتقام. وقبل ذلك، كانت سلسلة من الأحداث قد أرست ركائز الصِّدام السعودي-الإيراني، بدءاً من الأزمة في سوريا التي اندلعت في آذار/مارس 2011 ومروراً بالحرب التي باشرت الرياض وحلفاؤها شنّها في اليمن في آذار/مارس 2015.

على الرغم من الحرب المستمرة في كل من سوريا واليمن، ظهرت فسحة تفاؤل عندما قال وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي للمراسلين في طهران في 13 آب/أغسطس الماضي إن المسؤولين السعوديين طلبوا من حكومته ردم الهوّات مع طهران. لاحقاً نفى المسؤولون السعوديون مزاعم الأعرجي، غير أن ذلك لم يُنهِ موجة التفكير الإيجابي التي بلغت ذروتها خلال موسم الحج. شارك 85 ألف حاج إيراني في الحج هذا العام، وولّدت الأخبار عن قيام وفود سعودية وإيرانية بزيارات متبادلة إلى البلدَين، انطباعاً بأنها قد تكون البداية. ثم جاءت رسالة الحج التي وجّهها المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، الذي لم يأتِ، في بادرة لافتة، على ذكر السعودية أو حكومتها، مع العلم بأنه كرّس رسالته العام الماضي لانتقاد المملكة وسياساتها. كان واضحاً أن إيران ترغب في توجيه رسالة مختلفة هذا العام، ليس بالضرورة رداً على الوساطة العراقية، إنما ربما كمؤشر على أنه ليست لدى الجمهورية الإسلامية نية للتصعيد، على الرغم من أن الإدارة في طهران واثقة إلى حد كبير من أن التقارب مع الرياض أمر مستبعد.

في الخامس من أيلول/سبتمبر الجاري، تسنّت لكاتب هذه السطور فرصة إجراء مقابلة متلفزة مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الذي قال إن بلاده جاهزة للتعاون مع السعودية من أجل وضع حد للأزمات في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي. قال ظريف: "نحن مستعدّون للتعاون مع السعودية بغية وضع حد للعنف في سوريا، وللعنف والقمع في البحرين، ناهيك عن الحرب العبثية في اليمن". وأشار إلى أن بلاده منفتحة دائماً على الحوار، مضيفاً: "لكن هذا لا ينطبق على جيراننا؛ إذا حدث أي تغيير، مما لا شك فيه أن إيران سوف ترحّب بذلك".

قدّمت أجوبة ظريف إشارة واضحة عن عدم وجود نقاش جدّي بين البلدَين. قال ظريف: "إذا كان السعوديون مستعدّين لقلب الصفحة، فنحن جاهزون أيضاً. علينا أن نتوقّف عن الحديث عن التوتّر ونمهّد الطريق للتعاون. لا نحتاج إلى أزمات إضافية في المنطقة، بل إلى مزيد من التعاون والتفاهم".

تبقى العراق واليمن وسوريا ولبنان والبحرين نقاط الخلاف الأساسية بين إيران والسعودية. العراق هو بمثابة الفناء الخلفي لإيران، في حين أن اليمن هو الفناء الخلفي للسعودية. أما لبنان وسوريا والبحرين فتشكّل ساحات لانخراط متوازِن بين البلدَين؛ لإيران اليد العليا في لبنان، في حين أنه للسعودية اليد العليا في البحرين؛ وبالنسبة إلى سوريا، تبقى ساحةً متنازعاً عليها، مع أنه يُقال بأن السعودية جعلت دورها هناك محدوداً. دفعت خريطة السيطرة الإقليمية بالبعض إلى التوقّع بأن استخدام السعودية المزعوم للوساطة العراقية من أجل الانخراط مع إيران هو مؤشر واضح عن أن المملكة الخليجية تتنازل لإيران، وأن الصدام بين العدوَّين اللدودين يتّجه نحو نهايته. لكن ذلك ليس صحيحاً، والعراق مثال جيد في هذا الصدد.

عندما قام رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ولاحقاً الأعرجي بزيارة السعودية في تموز/يوليو، اعتُبِرَت الزيارتان مفاجئتَين. في حينها، لم تذهب التكهنات بعيداً في ما يتعلق بالدور السعودي داخل العراق، بل ركّزت على الدور العراقي في رأب العلاقات بين الرياض وطهران. وحدث الأمر نفسه عندما قام الزعيم العراقي البارز مقتدى الصدر بزيارة غير متوقّعة إلى جدّة في 31 تموز/يوليو، حيث التقى ولي العهد السعودي ومسؤولين آخرين. مرةً أخرى، ركّزت الأفكار والتحاليل على العلاقات الإيرانية-السعودية، وقد ساهم السياق الإقليمي في تعزيز التكهّنات. غير أن الأحداث التي وقعت لاحقاً تشي بأنه قد يكون هناك جواب مختلف على السؤال الكبير عن الدافع وراء زيارة الصدر إلى السعودية.

منذ سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين في العام 2003، أدّت إيران دوراً حيوياً في صناعة النخبة الحاكمة الجديدة في العراق في إطار ما يُسمّى "الشيعية السياسية". كانت للأحزاب الشيعية العراقية، على الرغم من تعاونها مع الاحتلال الأميركي، روابط قوية مع طهران، ما جعل إيران واحداً من اللاعبين الأساسيين في الساحة السياسية العراقية. وكانت للسعودية علاقات جيدة مع تيارات سياسية سنّية بارزة وبعض الشخصيات السياسية الشيعية العلمانية، ما منح الرياض نفوذاً في بغداد لبعض الوقت، إنما ليس بالمستوى الذي كان يرغب فيه المسؤولون السعوديون. لاحقاً، لا سيما بعد الانسحاب الأميركي من العراق واندلاع النزاع في وسوريا، تبدّلت الأمور تبدّلاً شديداً، ومع احتلال تنظيم "الدولة الإسلامية" لمدينة الموصل ومحافظات عراقية مثل الأنبار، تحوّلت إيران من البلد الإقليمي ذي اليد العليا إلى اليد الوحيدة النافذة في العراق، وبدأت بالفوز بالقلوب والعقول.

لكن مع ذلك، ليست قلوب العراقيين وعقولهم موحّدة؛ ليست الخلافات بين الفصائل السياسية بالأمر الجديد، والانتخابات على الأبواب. قد تقوم المقاربة السعودية الجديدة على التدخّل في الفناء الخلفي لإيران، والاستثمار في المجموعات الدينية الشيعية وليس فقط في التيارات السنّية والشيعة العلمانيين في العراق. من شأن هذه الخطوة أن تمنح الرياض أوراقاً إضافية لتستخدمها كلما جلست إلى طاولة نقاش، ولعلّها الطريقة التي ستلجأ إليها السعودية للقبول بدور إيراني في اليمن عبر فرض المملكة لاعباً جديداً في العراق.

علي هاشم کاتب متخصص في الشؤون الإيرانية. هو مدير مكتب شبكة الميادين الإخبارية العربية في طهران، مراسل سابق للجزيرة وبي بي سي. يكتب بشكل مكثف للمونيتور والميادين حول إيران، نشرت له مقالات أيضا في الغارديان وصنداي تايمز البريطانيتين، الهافنغتون بوست، الناشونال، ومجلة فاكتا اليابانية.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X