نبض العراق

"الحرس الوطنيّ"... مشروع الأمر الواقع

p
بقلم
بإختصار
على الارض في العراق هناك خريطة واسعة من القوى المسلحة التي تمتلك مرجعيات مختلفة، ليست بالضرورة مرجعية وزارتي الدفاع والداخلية الاتحاديتين، وهذا الواقع لم يفرضه احتلال داعش لمدينة الموصل في 10 حزيران الماضي، بل فرضته الفوضى وتقاطع الاجندات والمصالح في العراق، ومشروع " قوات الحرس الوطني" الذي يطرح اليوم في العراق لايمثل اكثر من الاعتراف بالواقع ومحاولة تأطيره قانونياً.

على الأرض في العراق، هناك خريطة واسعة من القوى المسلّحة التي تمتلك مرجعيّات مختلفة، ليست بالضرورة مرجعيّة وزارتي الدفاع والداخليّة الاتحاديتين. وهذا الواقع، لم يفرضه احتلال "داعش" لمدينة الموصل في 10 حزيران الماضي، بل فرضته الفوضى وتقاطع الأجندات والمصالح في العراق. وإنّ مشروع "قوّات الحرس الوطنيّ"، الّذي يطرح اليوم في العراق لا يمثّل أكثر من الاعتراف بالواقع ومحاولة تأطيره قانونيّاً.

على الدوام، كانت القوى غير الرسميّة في العراق أكثر حضوراً من القوى الرسميّة، حتّى في ظلّ نظام صدّام حسين، عندما أعلن نجله عدي في تشرين الثاني (نوفمبر) 1994 تشكيل قوّة باسم "فدائيّو صدّام". وقبل ذلك، عندما كان لـ"حزب البعث" وجود مسلّح على الأرض يفوق في سطوته، الشرطة العراقيّة وهذه القوة كانت مرتبطة مباشرة بابن صدام حسين الاكبر عدي .

وبعد عام 2003، أصبح الأمر أكثر تعقيداً، فالقوى المسلّحة انتشرت وتكاثرت تحت ظلّ شعار "مقاومة الاحتلال" حيناً، أو حماية الطوائف أحياناً، فصارت الساحات العراقيّة ميدان تسابق لملء الفراغ الّذي خلّفه غياب الجيش العراقيّ من جهة، ولفرض المصالح التي يتطلّبها الصراع السياسيّ والاقتصاديّ المحتدم، من جهة أخرى.

وكان الحاكم المدنيّ في العراق بول بريمر قد قرّر في عام 2003، مع حلّ الجيش العراقيّ السّابق، تأسيس جيش جديد، بعد دمج المليشيات التي قاتلت نظام صدّام حسين فيه، وكانت تلك الخطوة، كارثيّة على مستويات عدّة، وقادت إلى إيجاد مراكز قوى داخل الجيش الجديد تدين بالولاء إلى زعماء سياسيّين، لا إلى المؤسّسة العسكريّة. كما أنّها خطوة نالت انتقادات عريضة لاحقاً من قبل كثير من القادة السنة.

وفي الواقع، إنّ القرار كان يحاول بدوره التكيّف مع أمر واقع على الأرض في حينها، لجهة انهيار الجيش واستلام مليشيات وفصائل مسلّحة الأمن على الأرض، وضرورة احتواء هذه القوى. والمفارقة أنّ واقع عام 2003 يتكرّر في عام 2014، مع انهيار الجيش العراقيّ الجديد وظهور قوى مسلّحة تتولّى اليوم قتال تنظيم "داعش".

والفارق بين التجربتين، أنّ قرار بريمر كان بدمج المليشيات في شكل كامل في الجيش العراقيّ، فيما تسعى الحكومة العراقيّة في عام 2015 إلى تشكيل قوّة عسكريّة جديدة مستقلّة عن الجيش باسم "الحرس الوطنيّ"، وإنّ هذه القوّة يمكنها احتواء الفصائل الشيعيّة المسلّحة تحت غطاء القانون، مثلما تحتوي المجموعات السنيّة ومقاتلي العشائر، الّذين يتدرّبون في هذه الأثناء بمساعدة أميركيّة لتشكيل قوّة تتمكّن من دخول المناطق التي يحتلّها تنظيم "داعش".

وإنّ تفاصيل تشكيل الحرس الوطنيّ، الّذي اعتبره رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي "غطاء" قانونيّاً لجمع الفصائل المسلّحة والعشائر، ما زالت موضع نقاش داخل الأروقة السياسيّة، قبل إقرار القانون، لكن خطوطه العامّة كشفها وزير النّفط عادل عبد المهدي عبر صفحته على "فايسبوك" قال فيها: "إنّ المنتسبين إلى الحرس الوطنيّ نوعان: أحدهما دائم وهو الجهاز المهنيّ الّذي سيشكّل المفاصل الرئيسيّة لهذه المؤسسة، ويعامل كالقوّات المسلّحة من حيث المسؤوليّات والحقوق. أمّا الآخر فموقّت ويتمّ استدعاؤه كلّما اقتضت الحاجة ويتقاضى تخصيصات فيقدّم مدّة، ثم يعود الى أعماله الاعتياديّة، ويطلب منه الخدمة لمدّة شهر سنويّاً بهدف التّدريب واللّياقة والاستعداد".

أضاف: "تكمن الفكرة في أن ينظّم الحرس الوطنيّ على مستوى كلّ محافظة، لكن يمكن استدعاؤه عند الحاجة إليه في محافظات أخرى، وهو يدعى لأعمال ضدّ الإرهاب وفي فترات الحرب والطوارىء والكوارث الطبيعيّة".

وتابع: "بالطّبع، سيتسنى تنظيم الحشد الشعبيّ وأبناء العراق أو البشمركة في إطار الحرس الوطنيّ، ولعلّ من الأهداف الأولى للحرس الوطنيّ منع ظهور الميليشيات ووضع كلّ السلاح تحت إشراف الدولة وتوفير القوّات الاحتياطيّة عند الحاجة إليها، ممّا قد يطوّق ظاهرة الميليشيات. وسيكون الحرس الوطنيّ، إن أقرّ قانونه، البديل لنظام الخدمة الإلزاميّة الّذي كان سائداً في العراق قبل عام ٢٠٠٣، فيكون هنا كقوّات دائمة تتمتّع بالمهنيّة العالية، وكقوى احتياطيّ يمثّلها الحرس الوطنيّ".

ومع هذه الصورة الأكثر وضوحاً حول فكرة الحرس الوطنيّ، هناك ممانعات حوله، أبرزها ممانعات الفصائل الشيعيّة الّتي تحتشد اليوم تحت عنوان "الحشد الشعبيّ"، واعتبرت أنّ فكرة الحرس الوطني أميركيّة غرضها تقسيم العراق، وإنّه مشروع "صحوة" جديد، لكن الجانب الكرديّ رفض أيضاً انخراط "البشمركة" في "الحرس الوطنيّ"، وعدّها قوّات خاصّة بإقليم كردستان.

وبدا أنّ الطرف العراقيّ الأكثر حماسة لتشكيل القوّة الجديدة هو الجانب السنيّ، الّذي يعتبر أنّ تشكيل قوّات "الحرس الوطنيّ" هو جزء من الالتزامات التي ألزمت الحكومة نفسها بها ولا يمكنها التّراجع عنها.

ونقل لـ"المونيتور" رافد جبوري، وهو المتحدّث باسم رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي، تأكيد الأخير التزام حكومته قانون الحرس الوطنيّ، وقال: "هناك الكثير من التّصريحات في وضع عراقيّ مفتوح، وليس بالضرورة أن تعبّر التصريحات عن الكتل السياسيّة، فالحرس الوطنيّ هو التزام ورد في وثيقة تشكيل الحكومة، الّتي صادق عليها مجلس النوّاب. وإنّ مسودّة القانون طرحت قبل أيّام على المجلس الوزاريّ للأمن الوطنيّ وهي حكومة مصغّرة، ونوقشت وتمّ تعديلها، وقريباً سيتمّ عرض المشروع على مجلس الوزراء".

ونقل جبوري عن العبادي أيضاً أنّ "رئيس الحكومة سلّم نسخاً من المسودّة إلى الكتل السياسيّة، وكانت ردود الفعل إيجابيّة"، معتبراً أنّ المخاوف المطروحة حول القانون "هي حول مضمون المشروع وليس اعداد العناصر الذي سوف ينتمون للمشروع المقترح، ولدى بعض الأطراف تصوّرات غير موجودة بالفعل في نسخة القانون الّتي يتمّ بحثها".

وما تشير إليه الكواليس السياسيّة في العراق، أنّ مشروع "الحرس الوطنيّ" تجاوز الآراء السياسيّة، وأصبح جزءاً من آليّة الحلّ المقبلة في العراق، وهي آليّة تتكوّن من عنصرين أساسيّين، هما:

أوّلاً: إنّ المناطق التي تخضع تحت سيطرة "داعش" تتطلّب تحشيد سكّان المناطق السنيّة في نطاق قوّة رسميّة، تحرّر الأرض، ثمّ تمسك بها وتفرض الأمن.

ثانياً: إنّ تجنّب تكرار الالتباسات الّتي قادت إلى سقوط المناطق السنيّة في يدّ "داعش" يتطلّب حلولاً بعيدة المدى تسمح بحريّة أكبر للسنّة في إدارة مدنهم على المدى البعيد وحمايتها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : peshmerga, national guard, military, islamic state, iraq, isis, haider al-abadi, army

مشرق عباس كاتب مساهم في نبض العراق على موقع المونيتور. هو كان مدير تحرير مكتب صحيفة الحياة في العراق منذ 2005, وكتبت دراسات ومقالات عن الأزمات العراقية للنشر محلية ودولية. وقد شارك أيضا في تأسيس شركات وسائل الإعلام وإنتاج الأفلام الوثائقية. هو كاتب وصحفي لمدة 15 عاما، وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept