في العراق.. الزعماء ملوكٌ وصنّاع ملوكٍ!

يفضّل السياسيّون العراقيّون عدم الانغماس في الحياة البرلمانيّة الصحيّة، فالقرارات والقوانين المختلفة لا يتمّ بحثها تحت قبّة البرلمان العراقي بل تقرّ من قبل زعماء معظمهم من خارج ذلك البرلمان. لا يتجاوز عدد الزعماء الذين يقودون كتلهم البرلمانيّة ويقرّرون بالنيابة عن تلك الكتل في الأمور الصغيرة أو الكبيرة، أصابع اليد الواحدة. أما معظم النوّاب فيكتفون برفع الأيدي أو خفضها عندما يحين...

al-monitor .

المواضيع

political opportunism

أغس 30, 2013

يفضّل السياسيّون العراقيّون عدم الانغماس في الحياة البرلمانيّة الصحيّة، فالقرارات والقوانين المختلفة لا يتمّ بحثها تحت قبّة البرلمان العراقي بل تقرّ من قبل زعماء معظمهم من خارج ذلك البرلمان.

لا يتجاوز عدد الزعماء الذين يقودون كتلهم البرلمانيّة ويقرّرون بالنيابة عن تلك الكتل في الأمور الصغيرة أو الكبيرة، أصابع اليد الواحدة. أما معظم النوّاب فيكتفون برفع الأيدي أو خفضها عندما يحين موعد التصويت، بناءً على قرارات مسبقة.

وزعماء العراق فئات، بعضهم منشغل بمناصب تنفيذيّة من أمثال رئيس الوزراء وزعيم ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي ورئيس إقليم كردستان وزعيم "التحالف الكردستاني" مسعود بارزاني، وبعض آخر لا يحضر جلسات البرلمان على الرغم من كونه نائباً فيه من أمثال زعيم "القائمة العراقيّة" إياد علاوي، فيما يتّخذ زعيم "تيار الصدر" مقتدى الصدر وزعيم "المجلس الإسلامي الأعلى" عمّار الحكيم قرارات كتلتيهما من خارج المنظومة التشريعيّة والتنفيذيّة برمّتها ويمارسان دور الزعامة الروحيّة والحزبيّة في آن واحد.

بالتأكيد، تُطلِع الكتل البرلمانيّة زعماءها على التحرّكات البرلمانيّة، لكن التفاصيل والتفاعلات في داخل البرلمان بالإضافة إلى روحيّة اتخاذ القرار تبقى غير متوفّرة. وبالتأكيد أيضاً، تتّخذ الكتل قراراتها بعد مشاورات يجريها الزعيم مع قياداته الحزبيّة الرئيسيّة. وكلّ ذلك حوّل البرلمان العراقي إلى مسرح للاعبين الصغار، حيث يعقدون مؤتمراتهم الصحافيّة ويتشدّدون في مواقفهم ويطلقون العنان لاستعراض إمكاناتهم الخطابيّة، وذلك بعيداً عن الإنتاج الفعلي للقوانين ومن خارج الدور الرقابي الذي يفترض أن يشكّل مهمّة برلمانيّة رئيسيّة.ثمّة ما يقارب 40 قانوناً تشكّل في مجملها جوهر أي نظام سياسي صالح للحياة، إلا أنها ما زالت بانتظار قرار الزعماء الخمسة. وأبرزها، تلك التي تنظّم التداول السلمي والسليم للسلطة والعلاقة بين السلطات وتوزيع الثروة، فالدستور العراقي على الرغم من أنه حدّد خطوات عامة لتداول السلطة إلا أنه أهمل التفاصيل وقد عجز النظام التشريعي العراقي بدوره عن سدّ ثغرات الدستور.

في 14 حزيران/يونيو من العام 2010 دخل العراق عملياً في فراغ دستوري امتدّ شهوراً، عندما عجز البرلمان في جلسته الأولى بعد الانتخابات التشريعيّة عن انتخاب رئيس جمهوريّة بحسب المادة 55 من الدستور التي نصت على أن "ينتخب مجلس النواب في أوّل جلسةٍ له رئيساً ثم نائباً أوّل ونائباً ثانياً، بالأغلبيّة المطلقة لعدد أعضاء المجلس، بالانتخاب السرّي المباشر".

وكحلّ لهذه الأزمة، أبقت الكتل البرلمانيّة تلك الجلسة مفتوحة حتى تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه (2010)، إلى حين انهاء الزعماء الخمسة الرئيسيّين مشاوراتهم التي انتهت بصفقة تشكيل حكومة المالكي الثانية.

وكان التساؤل الذي دار في الأروقة السياسيّة وما زال، يتناول شرعيّة إبقاء جلسة البرلمان الأولى مفتوحة لفترات غير محدّدة وخطورة تحوّل ذلك الحلّ الاضطراري إلى قاعدة تتكرّر في انتخابات العام 2014، بعد أن كانت قد حصلت للمرّة الأولى في انتخابات العام 2006 عندما أبقى البرلمان حينها جلسته الأولى مفتوحة لمدّة 41 يوماً.

لم يعالج البرلمان هذه الثغرة الدستوريّة حتى اليوم، مثلما لم يعالج ثغرات أخرى يتعلّق بعضها بأدائه الرقابي. فعجزه عن استقدام المسؤولين التنفيذيّين إلى جلسات "استماع/ استضافة" أو حتى إلى جلسات استجواب، يكمن في عدم نجاحه ابتداءً في سنّ قوانين تحدّد آليات ملزمة لدعوات الاستجواب والاستماع التي تشكّل جوهر التواصل والتفاعل ما بين البرلمان والحكومة، وفقاً للنظام البرلماني الذي يطبّقه العراق.

وذلك المثال ينسحب بدوره على أمثلة لا تعدّ ولا تحصى، عن تسليم البرلمان العراقي عملياً مفاتيح التشريع إلى زعماء من خارجه، وقبوله دور اللاعب الثانوي في سلّم اتّخاذ القرار السياسي في البلاد.

في الخامس من آب/أغسطس الجاري، قرّر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر اعتزال الحياة السياسيّة، كعقوبة لأنصاره. ومنذ إعلانه قراره هذا، صدرت دعوات مختلفة من كتل سياسيّة وزعامات تطالبه بالعودة عنه. وقد طالب رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي بنفسه الصدر، بالعدول عن هذا القرار.

لكن النائب حنان الفتلاوي من كتلة رئيس الوزراء "دولة القانون" سألت عن  معنى اعتزال  الصدر العمل السياسي.. "هل هو رئيس جمهوريّة أو رئيس وزراء أو حتى وزير ليعتزل؟".

فأغضب ذلك التصريح أنصار الصدر الذين اعتبروه تجاوزاً لزعيمهم الروحي. لكن الدوافع التي دعت القوى السياسيّة والبرلمانيّة إلى مطالبة الصدر بالتراجع عن اعتزال السياسة، تكمن في حقيقتها في أن تنحّي الصدر سيقود إلى تفكّك كتلته السياسيّة أو تضاربها أو استعادة جناحها العسكري "جيش المهدي" فاعليّته.

إن الحزب السياسي في العراق هو في حقيقته انعكاس لصورة زعيمه. ولهذا تحديداً تتضارب التكهّنات حول مصير حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" بغياب رئيسه جلال طالباني، وهو الرئيس العراقي. ولهذا السبب أيضاً، تبدو كتلة المالكي ائتلاف "دولة القانون" متمسّكة بترشيح زعيمها لولاية ثالثة. فهي في واقع الحال لن تتمكّن من الاتفاق على بديل للزعيم، والحال ينطبق على كافة الأحزاب الأخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن زعماء الأحزاب في العراق ينتمون إلى خلفيّات تاريخيّة تحمل دلالة روحيّة أو معنويّة. وفي ظلّ غياب حياة حزبيّة طبيعيّة وقانون منظّم للأحزاب، يغدو الزعماء بمثابة آباء رمزيّين لأنصارهم ولطوائفهم وأحزابهم. فهم ملوك وصنّاع ملوك في الوقت نفسه.

لن يمارس البرلمان العراقي دوره الطبيعي في إحياء الحياة السياسيّة وإدامتها ولن يتخلّص من دور الممثّل الثانوي، إلا عندما يكون النائب ممثلاً للناخبين الذين صوّتوا له قبل أن يكون ظلاً لزعيم حزبه. ومن الممكن أن يساعد قانون انتخابات رصين وأمين على إرادة الشعب، يفتح القوائم الانتخابيّة بالكامل ويوزّع الدوائر الانتخابيّة بشكل يسمح باختيارات أكثر تحديداً للمرشّحين كأفراد وليس للأحزاب فقط، على وضع البرلمان العراقي على طريق استعادة دوره وتحقيق غاياته.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020